المقدمة
صلتي بكتاب جمهرة النّسب لابن الكلبيّ قديمة، قدم معرفتي به، وهي ترجع لسنين خلت، وكم هممت بتحقيقه ونشره بعد أن ظلّ محتجبا عن الأعين، إلّا أنّ عوائق حالت دون ذلك، لعل أميزها ذلك السقط الذي وقع في ثنايا الكتاب، وفي أماكن متعددة منه، وزاد الأمر صعوبة أنّ نسخة الكتاب فريدة لا ثانية لها.
وحين عثرت على كتاب «المقتضب من كتاب جمهرة النّسب» لياقوت الحمويّ المتوفى سنة ٦٢٦ هـ، أيقنت أنّ الأمر أصبح أيسر من ذي قبل؛ لما بين الكتابين من وشائج عميقة، وصلات وثيقة، حيث يكمّل الأوّل منهما الآخر، ويسد خلله الحاصل، على حين يفصّل الثاني ما أوجز الأوّل وحذف وقصّر.
ونسخة الجمهرة- وهو كتابنا هذا- هي النسخة الوحيدة المحفوظة بمكتبة المتحف البريطاني (^١) تحت رقم، Add ٢٣٢٩٧ وتقع في تسع
_________________
(١) وهي تشمل الجزء الأول من كتاب «جمهرة النّسب»؛ أما الجزء الثاني وهو الذي يتناول نسب القحطانيين، فمفقود، ولا نعلم عنه شيئا. غير أن هنالك مخطوطة محفوظة في مكتبة الاسكوريال تحمل عنوان «نسب معدّ واليمن الكبير» لابن الكلبيّ، وهي تتناول أنساب القحطانيين مما يمكن اتخاذها كجزء متمّم لما فقد من الجمهرة، وتسلسل النّسب فيها لا يختلف عما ورد في المقتضب.
[ ٥ ]
وخمسين ومائتين ورقة، وفي كل ورقة صفحتان متقابلتان، وفي كل صفحة ١٥ سطرا؛ وهي نسخة مشكولة، يعود تاريخ نسخها إلى سنة ثلاث وخمسين وست مائة من الهجرة.
والمخطوطة بخط عليّ بن حسن بن معالي، المعروف والده بابن الباقلاويّ الحليّ النّحويّ، من علماء النّحو واللغة، ومن الشعراء المعروفين، وفيه يقول ابن الفوطيّ: «أحد مشايخنا الذين أدركناهم بمدينة السلام، كان عالما بالنّحو واللغة، ومعاني الشعر، ولغة الحديث؛ رأيته، وكتبت عنه، وكان حسن الأخلاق، كتب الكثير بخطّه، ولد سنة إحدى وستمائة، وتوفي سنة ثلاث وثمانين وستمائة» (^١).
صاحب الجمهرة ورواتها.
أما صاحب كتاب «جمهرة النّسب» فهو هشام بن محمّد بن السائب الكلبيّ، من الأعلام المشاهير، بل «هو ركن من أركان النّهضة الشّرقيّة، وأساطين العلم، وصناديد العرفان، أيام كانت الحضارة الإسلاميّة بالغة ذلك الشأو البعيد وذلك الصيت الباقي على توالي الأيام» (^٢).
يقول ابن النّديم: «إنّه عالم بالنّسب وأخبار العرب وايامها ومثالبها ووقائعها» (^٣).
ويشير الجاحظ إلى أنّه «كان علّامة نسّابة، وراوية للمثالب عيّابة» (^٤).
ويذكر ابن خلّكان «انّ هشاما يعد في الحفّاظ المشاهير، وأنّه أعلم
_________________
(١) ابن الفوطي: مجمع الآداب في معجم الالقاب و٤ ق ٢ ص ٢٤٣.
(٢) أحمد زكي: مقدمة كتاب الأصنام ص ١٥.
(٣) الفهرست ص ١٠٨.
(٤) البيان والتبيين ١/ ١٣١.
[ ٦ ]
النّاس بعلم الأنساب» (^١).
وجعله الذهبيّ: «إخباريّا علّامة» (^٢).
هذا هو هشام بن محمّد بن السائب الكلبيّ، مدرسة علميّة واسعة الأبواب، مشرّعة المداخل؛ فهو الحجّة في كلّ فن، وهو الصّدر لكل وارد.
فهو العالم والمؤرخ والنّسابة واللّغويّ. فما من كتاب في تاريخ العرب والإسلام إلّا ولهشام فيه قدح معلّى، وما من علم من علوم عصره إلّا ولهفيه باع طويل، فالطبريّ والبلاذريّ والمسعوديّ وأضرابهم، يعتمدون عليه، وينقلون عنه.
وحسبك أنّ كتابا كتاريخ الأمم والملوك للطبريّ لا يلتقط أخبار هشام ابن الكلبيّ ورواياته حسب، بل أنّ تاريخ العرب قبل الاسلام فيه اكثره من أقوال هشام بن الكلبيّ، وفي الأخص القسم العراقيّ منه حيث ينفرد فيه ابن الكلبي بالرّواية (^٣).
ومن يمعن النظر في كتب الأنساب يجدها عيّالة عليه، آخذة منه، حتّى أن بعضها لا يعدو أن يكون نسخة مقتضبة لجمهرة النّسب.
فهذا كتاب جمهرة أنساب العرب لابن حزم الأندلسيّ المتوفى سنة ٤٥٦ هـ، وهو على جلال قدره، وبيان شأنه، وعلو مكانه، ليس سوى جمهرة النّسب مع حذف وإضافة.
_________________
(١) وفيات الأعيان ٦/ ٨٢.
(٢) تذكرة الحفاظ ١/ ٣٤٣.
(٣) جواد علي: موارد تاريخ الطبري (مقالة في مجلة المجمع العلمي العراقي) الجزء الأول، مجلد ٣ صفحة ٢١ (بغداد ١٩٥٤).
[ ٧ ]
أمّا كتب الطبقات فلا تختلف هي الأخرى عمّا ألفناه في كتب النّسب، فخليفة بن خيّاط (^١) المتوفى سنة ٢٤٠ هـ ضمّن طبقاته وتاريخه معلومات قيّمة كان هشام بن الكلبيّ صاحب السبق فيها.
وما كتب الأمثال إلا شاهد آخر على منزلة الرجل وعلو مقامه؛ فنظرة عجلى إلى مجمع الأمثال للميدانيّ، وجمهرة الأمثال للعسكريّ وغيرها (^٢)، توضّح مدى الاعتماد عليه من ناحية، وتدلّ على غزارة علمه وتشعّب دراساته من ناحية ثانية.