عبد العزيز بن عبد الوهاب، كان من وجوه قريش وأهل السودد فيهمز وتوفى وهو ابن ثلاث وستين سنة، في سنة المئتين.
وعبد الملك بن يحيى، ولي من بعده صدقة الزبير وصدقة عباد. وكان من أهل الفضل والمروءة.
وكان أمير المؤمنين المهدي قد كتب إلى والي المدينة يأمره أن يشخص إليه رجلًا يرضاه أهل البلد، يقوم بحوائج أهل المدينة عنده. فأجمع
[ ٧٦ ]
أهل المدينة على عبد الملك بن يحيى، وسألوه أن يخرج، فخرج في ذلك ورفع حوتئجهم، وأقام بالعراق يطالبها.
وكان رجلًا موسرًا، وباع من أبي عبيد الله عينًا له يقال لها ملح بساية بعشرة آلاف دينار. ثم جاءه كتاب أنه ولد له غلام، ولم يكن له ابن قبل ذلك، فاستقال أبا عبيد الله، فأقاله، وانصرف إلى المدينة.
وأمه أم ولد.
وكان ربما قال من الشعر الأبيات. حدثنا الزبير قال، أخبرني موسى بن أبي مروان أنه أنشده لنفسه:
ولقد قُلْتُ لبكّارٍ وعثمانَ ويَعْلَى
إنَّماَ مَرْيَمُ همّي جُعِلَتْ للقلب شُغْلاَ
أوْثِقُوا غُلِّى هُدِيتُهْم وأجعلُوا لِلغُلِّ قُفْلاَ
لا أرِيمُ الدَّارَ أني طالبٌ في الدارِ ذَحْلاَ
وقال في عينه التي يدعي خيفها منكوب، واسم عينها عين الرضا، وكان يقال لخيفها محبوب:
[ ٧٧ ]
وجَدنا بحمْدِ اللهِ مَاءً ومَزْرَعًا وعَيْنًا رَوَاءً بالمسَاحِي تفَجَّرُ
فعيْنُ الرّضا عمّا قليلٍ غزيرةٌ وساكنُ محبوبٍ يُحَيَّي ويُنْشَرُ
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن داود بن عيسى قال، حدثني أبي قال: تزوجت بأسماء بنت بكر بن عبد الله بن صالح بن عبد الله بن الزبير، فكانت أكرم حرة وأجزله. ثم توفيت عندي، فوجدت عليها وجدًا شديدًا. وتوحشت. فأرسل أبي موسى من يرتاد له ولأخي موسى ولي ولغيري من ولده، نسوة من قريش بالمدينة، يتزوج فيهن ويزوجنا. فجاءه علم ذلك، فقال لي: يا بني، قد وجدت لك بنت عمتها، وشريكتها في نسبها، أم حسن بنت عبد الملك بن يحيى. وأراد أمير المؤمنين المهدي مكة ومرور المدينة، فقال لأبي موسى: هل لك حاجة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أرسلت مولاة لي، فنظرت لي ولعدة من ولدي نسوة من قريش نتزوجهن، فأحب أن تولى أنت تزويجنا. قال له: لست أرضى بنظر مولاتك حتى أرسل أنا مولاة من عندي تنظر لكم. قال: فقدم المهدي المدينة، فأرسل إلى ولاتهن فحضروا، فخطب خطبة زوج فيها أبا موسى، ثم خطب خطبة زوجنا جميعًا فيها. فلما
[ ٧٨ ]
فرغ قال لهم الربيع: قوموا فقبلوا يد أمير المؤمنين واشكروه، ففعلوا جميعًا إلا عبد الملك بن يحيى، قال للربيع: وأي موضع شكر هذا؟ وقام فخرج. فقال أمير المؤمنين المهدي للربيع: ما قلت له وقال لك؟ فأخبره، قال له: صدق، وأي موضع شكر هذا! وقال محمد بن عبد الملك الأسدي، يمدح عبد الملك بن يحيى:
أمدَحْ كريمَ بني العوامِ إن لَهُ مناقبًا لم يَنلْهَا قبلَهُ بَشَرُ
حاشَى النبيِّ وقَومٍ قد مَضَوْا مَعَهُ هُمُ الذين إليه دارَهُم هَجَرُوا
أعنِي ابنَ يحيى بن عبّادٍ فإنّ لهُ سوابقَ المجْدِ قد قرّتْ بها مُضَرُ
عبدَ المليك الذي عمَّتْ صَنائعهُ كما يَعُمُّ البلادَ المَحْلَةَ المَطُر
قد أحكمْتُه النُّهَي في حُسْنِ تجرِبةٍ فهو البصيرُ بما يأتي وما يَذَرَ
أني وجدتُ بني يحيى إذا جُهِرُوا هُمُ البحورُ بُحُورُ المجْدِ والغُرَرُ
وقال أيضًا يمدحه:
[ ٧٩ ]
إنّ الكِرَامَ جَرَوْا حتى إذا احتفَلُوا وجَاشَ كُلُّ كريم الجرْيِ سَبَّاقِ
وأبصَرَ الناسُ من يَفْرِي ذَوِي مَهَلٍ ضافٍ وعّزٍ وأحْلاَمٍ وأعراقِ
لاحَ ابن يحيىَ أمَام السابقين كَمَا لاحَ الصَّباحُ بفَجْرٍ قبلَ إشراقِ
عبد المليك الذي فاضت صنائعُهُ على القبائل من عُرْفٍ وإطلاقِ
وتوفي عبد الملك بن يحيى وهو ابن ثلاث وستين سنة.
هؤلاء ولد عباد بن عبد الله بن الزبير.
وأما ثابت بن عبد الله بن الزبير، فكان لسان آل الزبير جلدًا وفصاحة وبيانًا.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: لم يزل بنو عبد الله بن الزبير، خبيب وحمزة وعباد وثابت، عند جدهم منظور بن زبان بالبادية، يرعون عليه الإبل كما يفعل عبيدة، حتى تحرك ثابت فقال لإخوته:
[ ٨٠ ]
انطلقوا بنا نلحق بأبينا. فركبوا بعض الإبل حتى قدموا على أبيهم، واتبعهم منظور فقدم على آثارهم، فقال لعبد الله بن الزبير: أردد على أعبدي هؤلاء.
فقال: إنهم قد كبروا واحتاجوا إلى أن نعلمهم القرآن، ولا سبيل إليهم. قال: أما إن الذي صنع بهم الصنيع أبنك هذا، ومازلت أخافها منذ كبرز يعني ثابتًا.
حدثنا الزبير قال، قال عمي مصعب عبد الله: فزعموا أن ثابتًا جمع القرآن أولهم، جمعه في ثمانية أشهر.
وزوجة عبد الله بن الزبير قبلهم بنت ابن أبي عتيق، عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، فولدت له جاريتين، يقال لإحداهما حكمة. وكان يكنى أبا حكمة. وكان زمعة يكنى أبا حكيمة.
وزوجها عيسى بن مصعب المقتول مع أبيه، وماتت عنده. ثم خطب الأخرى، فأبى عبد الله أن يزوجه إياها، فماتت ولم تزوج.
وكان ثابت يشهد القتال مع أبيه ويبارز بين يديه، فعل ذلك غير مرة.
[ ٨١ ]
وكان حمزة بن عبد الله بن الزبير قد قال لبني عبد الله: لا تطلبوا أموالكم من عبد الملك - حين قبضها - وأنا أنفق عليكم. فأبى ثابت بن عبد الله، وقدم على عبد الملك بن مروان، فدخل عليه، فأكرمه، ورد على ولد عبد الله بعض أموالهم بكلامه، وأنصرف بها ثابت معه.
حدثنا الزبير قال، وحدثني سعيد بن عمرو بن الزبير بن عمرو بن عمرو بن الزبير قال: أخبرني شيخ من أهل أيلة، عن أبيه قال: بينا أنا في حمام بأيلة، إذ دخل على فتى صبيح علمت أنه من العرب حين رأيته، فسألته من هو؟ فقال: ثابت بن عبد الله بن الزبير، ثم قال:
لمّا رأيتُ أنَّها إحْدَى الإحَدْ
وبَرَق الموتُ لناَ ثم رَعَدْ
أمَّمتُ هذا الخليفةَ الأسَدْ
حدثنا الزبير قال، حدثني عمي مصعب بن عبد الله، ومصعب ابن عثمان، عن جدي عبد الله بن مصعب، يختلفان في بعضه، وقد كان عمي حدثني بعض ذلك، وكتبته في كتاب النسب الثامن، قال: كان عبد الملك
[ ٨٢ ]
أبن مروان قد كتب إلى هشام بن إسماعيل يأمره أن يقيم آل علي عند المنبر يشتمون علي بن أبي طالب، ويقيم آل الزبير عند منبر يشتمون الزبير وعبد الله بن الزبير. فقال آل علي وآل الزبير: والله لا نفعل حتى نموت! وتكفنوا وتحنطوا. فركبت إلى هشام أخته فقالت له: يا أحول مشئومًا، أما تخاف أن تكون الأحوال الذي على يديه هلاك قريش؟ تأمر القوم أن يسبوا آبائهم! أتراهم يفعلون حتى يموتوا؟! فقال لها: فما أصنع؟ كتب إلى أمير المؤمنين بذلك، ولا يحتمل لي أن أراجعه. فقالت: فأمر دون ذلك يرضيه، ويكون أيسر عليهم. قال: وما هو؟ قالت: تأمر آل علي يسبون الزبير وابن الزبير، وتأمر آل الزبير يسبون عليًا. قال: فذاك. فأمرهم بذلك.
فمشى القوم بعضهم إلى بعض، آل علي إلى آل الزبير، وآل الزبير إلى آل علي فقالوا: إن هؤلاء يقيموننا غذًا، فيسب بعضنًا بعضًا فيشتفون بذلك، فالله والرحم. فقال آل الزبير لآل علي: أنتم تقامون قبلنا، فما قلتم فلنا مثله.
فكان أول من أقيم حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب وأمه: خولة بنت منظور بن زبان بن سيار بن عمرو بن جابر الفزاري، أخت تماضر بنت منظور، أم بني عبد الله الأكابر، لأمها وأبيها فقام في المرمر، وهشام بن إسماعيل
[ ٨٣ ]
المخزومي على المنبر وآل لعبد الملك بن مروان، فقال: سب آل الزبير، فأبى، فاقبل هشام على حرسي إلى جنبه فقال له: أضربه وعلى حسن قميص كتان، وكان حسن رجلًا رقيقًا فضربه الحرسي ضربة بالسوط أسرعت في جلده حتى سال دمه تحت قدمه في المرمر، فقال حسن: إن لآل الزبير رحمًا أبلها ببلالها وأربها بربابها، (ياَ قَوْمِ مَاليِ أدْعُوكُمْ إلَى النَّجَاةِ وتَدْعُونَني إلَى النَّارِ)؟.
فلما رأى أبو هاشم عبد لله بن محمد بن علي امتناع الحسن وما لقي، قام فقال: أصلح الله الأمير، عندي ما تريد. فقال: هلم لك. وقال للحسن: أجلس. فقام أبو هاشم فسب آل الزبير، وقال عبد الله بن عروة وحمزة بن عبد الله فسبا آل علي.
قال عبد الله بن نافع بن ثابت: وحمزة حين قام في ثوبين، قد أضطبع بردائه كما يصنع من رمل حول البيت، يضطبع.
[ ٨٤ ]
قال عمي في حديثه عن جدي عبد الله بن مصعب: وكان ثابت بان عبد الله غائبًا عن الخطب، فلما قدم جاء إلى هشام بن إسماعيل المخزومي، فقال: إني كنت غائبًا، ومثلي لا يغيب عن مثل هذا المشهد. فقال هشام: ذاك موطن قد تفادى منه الناس، فما تصنع به؟ قال آخذ بحظي من ذلك. فجمع له الناس، ثم قام فأستقبل الناس فقال: (لَعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ داوُدَ وعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وكَانُوا يَعْتَدُونَ)، بم أيها الناس لعنوا؟: (كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)، لعن الله من لعنة كتاب الله، ولعن الله من لعنته قوارع القرآن، لعن الله المتمني ما ليس له، هو أقصر باعًا وأوهن ذراعًا، لعن الله ابن شر العضاه، أقصرها فرعًا، وأقلها مرعى، لعنه الله ولعن الذي أخذ حباءه، لعن الله الأثعل الأحول المترادف الأسنان، الرامي أمير المؤمنين عثمان برؤوس الأقانيز، ثم قال: " إن الله رماك "، وكذب، لو رماه الله ما أخطأه، المتوثب في الفتن توثب الحمار في القيد، لعنه الله ولعن التي كانت
[ ٨٥ ]
تحبه، لعن الله العفلاء الوطباء التي بيعت بسوق ذي المجاز بغير عهدة، لعنها الله ولعن تقرد قفاها.
حدثني هذه الخطبة عمي مصعب بن عبد الله، ومصعب بن عثمان، عن جدي عبد الله بن مصعب، يختلفان في أقل ذلك، وأسمياَ لي من شتم ثابت في خطبه، فكنيت عنهم.
قال عمي مصعب بن عبد الله، عن جدي عبد الله بن مصعب: فأقبل عليه هشام بن إسماعيل فقال: ما أراك تسب منذ اليوم إلا رهط أمير المؤمنين! وأمر به إلى السجن، فأخذه الأعوان يسحبونه، يقع مرة ويقوم أخرى، حتى يمر برجل قاعد قد كان أقيم مع من أقيم هو ورجلان معه ليسوا من آل علي ولا من آل الزبير، فقال: أبعدك الله! فقال ثابت: أما والله عذرًا إليك، ما منعني أن أذكر خالك نسيان، ولكن كنت في مقام ذكر فيه الأشراف، ولم يكن منهم، فكرهت أن أخلطه بهم.
[ ٨٦ ]
وانطلقوا به إلى السجن، فلقيه آخر من الثلاثة الذين أقيموا سوى آل علي وآل الزبير، فقال له ثابت: أنت الشاتم عبد الله بن الزبير! والله ما يحمد منك إلا ما يحمد من الحمار، ضرسه وحافره. ولقيه طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن، وهو أحد الثلاثة، وقد كان قد تناول سبًّا، فقال له: يا طلحة، قد علمت مقامك:
فولاَ أنَّ تَغْلِبَ خالُ أمّي وأنّكَ بعدُ منّي ذُو مكانِ
ترامَيْنا بِمُرِّ القَوْلِ حتى يقالَُ كأنّنَا فرساَ رِهَانِ
فلم يزل في السجن حتى كتب عبد الملك في إطلاقه، وأعجبه ما قال، وقال: ذكر أخابث خلق الله، وأمر بشتمهم. وكانوا قومًا خالفوا على عبد الملك بن مروان.
حدثنا الزبير قال، وحدثني سعيد بن داود، عن مالك بن أنس قال: قال هشام بن إسماعيل حين أراد أن يقيمهم: نقيم فيهم عامر بن عبد الله ابن الزبير فقيل له: لا يفعل عامر. فقال: إن لم يفعل ضربت عنقه. فقيل له: إن ضربت عنق عامر لم تأمر أحدًا إلا أطاعك. فترك عامرًا. فكانوا يتكلمون وعامر رافع يديه يدعو، فكانوا يرون أنه يدعو عليهم.
وكان من تناول ثابت بن عبد الله في هذا الحديث في خطبته،
[ ٨٧ ]
ومن تناول حين ذهب به إلى السجن، فمعروفون، إلا أني كرهت تسميتهم، فكنيت عنهم.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: كان ثابت بن عبد الله كأنه من رجال العرب.
قال، وحدثني محمد بن إسماعيل بن جعفر لن إبراهيم وغيره: أن سليمان بن عبد الملك، إذ كان خليفة، قال لثابت بن عبد الله: من أفصح الناس؟ قال: أنا. قال: ثم من؟ قال: أنا. قال: ثم من؟ قال: أنا. قال: ثم من؟ قال: أنت. فرضى بذلك منه سليمان بعد ثلاث. وكان سليمان فصيحًا.
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن إسماعيل بن جعفر قال: قال بعض أتباع محمد بن علي بن أبي طالب: زار محمد بن علي أبنة أخيه نفيسة بنت حسن بن علي، وهي عند عبد الله بن الزبير، فوجده عندها، فتحدثا ساعة. ثم خرج علي محمد بن علي وهو يقول: ما ظننت أن تلد النساء مثلك يا ابن الزبير! ثم تمثل:
إذا الله أبقَى سيّدًا لعشيرةٍ فدَبَّرْتَها حتى تكون المؤخَّرَا
[ ٨٨ ]
ولم يلبث أن خرج عبد الله بن الزبير وهو يقول: لله درك يا ابن الحنفية، فما رأيت كاليوم رجلًا! ثم تمثل البيت الذي تمثله محمد بن علي.
قال: وخرج ابن الزبير متكئًا على يد غلام له أسمر مقرون الحاجبين، مترادف الأسنان، وقادًا، فوقفا على نجائب في الدار، فجعل ابن الزبير يسأله، فما رأيت رجلًا أجلد مسألة، ولا فتى أظرف جوابًا، منهما. فقلت لمحمد: من الفتى؟ قال: ثابت بن عبد الله بن الزبير.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمامة بن عمرو السهمي، عن مسور ابن عبد الملك قال: كنا نأتي مسجد رسول الله ﷺ ما ينزعنا إليه إلا استماع كلام ثابت بن عبد الله بن الزبير، والعجب بألفاظه.
حدثنا الزبير قال، وأخبر عمي مصعب بن عبد الله قال: مات ثابت بن عبد الله بن الزبير بسَرْغٍ من طريق الشام منصرفًا من عند سليمان ابن عبد الملك إلى المدينة. وكان سليمان له مكرمًا، وولد عبد الله بن الزبير، ورد عليهم أشياء لم يكن ردها عبد الملك.
وكان سليمان بن عبد الملك يشكر لعبد الله بن الزبير أن عبد الله
[ ٨٩ ]
ابن الزبير أتى بسليمان من الطائف، وكان غلامًا يومئذ، فكساه وجهزه إلى أبيه بالشام، وأحسن إليه وإلى من معه، وعبد الملك يومئذ يحاربه.
وأوصى ثابت بولده وهم صغار: نافع وهو أكبرهم، وخبيب، ومصعب، وسعد، وهم لأمهات أولاد شتى إلى أخيه عباد بن عبد الله.
وتوفي وهو ابن سبع أو ثمان وسبعين سنة.
قال، وأخبرني عبد الله بن نافع: أن ثابت بن عبد الله توفي بمعان من طريق الشام منصرفًا من عند سليمان. وموته بسَرْغٍ أثبت عندنا.
حدثنا الزبير قال، وحدثني إبراهيم بن عثمان بن سعيد بن مهران قال: وفد إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله على هشام بن عبد الملك، فوافى بابه وقد قام هشام، فقام إليه الحاجب فقال: قد قام أصلحك الله. فقال: اللهم غلقت دونه الأبواب، وقام بعذره الحجاب! فبلغ ذلك هشامًا، فأذن له، فكلمه ووقفه على ما قال واغلظ له، وقال: يا لحان. فقال إبراهيم: أما والله ما أعدو في ذلك أن أحكيك. فقال له هشام: أما والله لئن قلت ذاك، ما وجدت لها طلاوة بعد أمير المؤمنين سليمان. فقال له إبراهيم: وأنا والله ما وجدت لها موضعًا بعد بني تماضر من بني عبد الله بن الزبير.
[ ٩٠ ]
حدثني الزبير قال، وحدثني مصعب بن عبد الله قال: أنشدني أبي لأرطاة بن سهية المرى أبياتًا يمدح فيها ثابت بن عبد الله بن الزبير على الدال، فقلت لعمي: ما أعد أحدًا يتقدمني يف معرفة شعر أرطاة بن سهية المرى، ولا أعرف هذه الأبيات له! ثم وجدت بعد ذلك في كتب إبراهيم بن موسى ابن صُدَيْقٍ، وكان من الفقهاء العباد الفصحاء الرواة للآثار والأخبار والشعر: قال أرطاة بن سهية المرى، يمدح ثابت بن عبد الله بن الزبير:
رأيتُ مَخَاضِى أنكرتْ عَبِدَاتُها مَحَلَّ أولىِ الخَيْمات من بَطْن أرثَدَا
إذا راعياَها أوْرَدَاها شريعةً أعَامَا على دِمْنِ الحياضِ وصَرَّدَا
ولو جارُها ابنُ المازنَّية ثابتٌ لرَوَّحَ راعيها ونَدَّى وأوْرَدَا
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم
[ ٩١ ]
الجعفري قال، حدثني أبو مسعر المزني، عن هشام بن عروة: أن الوليد ابن عبد الملك عتب على أهل المدينة في شيء، ثم حج، فأحتاج أهل المدينة إلى من يعذرهم عنده، فكلوا في ذلك ثابت بن عبد الله بن الزبير، فكلمه مختطبًا بعذرهم، فقال قولًا عجيبًا، فقبل منهم الوليد وعفا عنهم، فقال مساحق ابن عبد الله بن مخرمة العامري:
لسانُك خيرٌ كُلُّه من قبيلةٍ