عمر بن عروة، قتل مع عبد الله بن الزبير، وكان مشجعًا، لا عقب له وعبد الله بن عروة أمهما: فاختة بنت الأسود بن أبي البختري بن هاشم بن الحارث بن أسد بن عبد العزي بن قصي وأمها:
[ ٢٦٢ ]
أم شيبة بنت حكيم بن حزام وأمها: زينب بنت العوام.
كان عبد الله بن عروة أسن بني عروة، وبه كان يكنى، وبلغ خمسًا أو ستًا وتسعين سنة، لم يكن بينه وبين أبيه إلا خمس عشرة سنة. وكان له عقل وحزم ولسان وفضل وشرف. وكان يشبه عبد الله بن الزبير في لسانه، وكان عبد الله بن الزبير يعرف ذلك له. وهو رسول عبد الله بن الزبير إلى الحصين ابن نمير حين لقيه بمر.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال، قال عبد الله بن عروة: بعث إلى عبد الله بن الزبير فقال: أنطلق إلى الحصين بن نمير حتى تلقاه فتناظره. وأمر لي ببختية فرحلت بغبيط، ثم شد فوق الغبيط رحل. فقلت: ما أصنع بالغبيط؟ والرحل يكفيني. قال: بلى، هو أجدر أن تعلو عليه إذا كلمته. فانطلقت حتى لقيت الحصين بن نمير، فقال له أصحابه: إن صاحبك، يعنون مسرف بن عقبة، قد عهد إليك أن لا تمكن قرشيًا من أذنيك، ولا تسمع منه شيئًا. فأبى الحصين وقال: نسمع منه، وننظر ما يقول وما يعرض، فإن جاءنا بشيء مما نحب قبلناه. قال: فأدناني منه فكلمته وأنا
[ ٢٦٣ ]
مشرف عليه. قال: وجعل يتطاول إليّ بعنقه، فعرفت فضل مركبي، والله ما انصرف عني حتى عرفت أني قد كسرت من حدته.
وكان عبد الله بن الزبير يقول لعروة بن الزبير فيه: ولدك هذا لي. حدثني ذلك عبد الله بن نافع بن ثابت، عن الزبير بن خبيب.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله، وعبد الله ابن نافع بن ثابت، عن الزبير بن خبيب قالا: أرسل معاوية بن أبي سفيان رسولًا وكتب معه إلى عبد الله الزبير يخطب إليه أبنته أم حكيم بنت عبد الله، على أبنه يزيد بن معاوية، فزوجها عبد الله بن عروة، وكان أول من زوج من بني أخيه، فقال له رسول معاوية: ما تجيب به أمير المؤمنين؟ قال: ما له عندي جواب إلا ما رأيت.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله، عن جدي عبد الله بن مصعب قال، قال عبد الله بن عروة: كان عمي عبد الله بن الزبير يبيت عند أمه كما يبيت عند أهله. فإذا كانت الليلة التي يكون فيها عند أمه جئته، فيقوم فيصلى ليلته، وأقوم إلى جنبه أصلي حتى الصباح، وأهجر كل يوم فأصلى معه. فمكث بذلك ما شاء الله، فأدركني يومًا وأنا رائح بالهجير إلى المسجد، فصاح بي: مهيم! فوقفت له، فاتكى على يدي حتى بلغ باب المسجد، ثم
[ ٢٦٤ ]
قال أفيك خير؟ قلت: وأين تذهب بالخير عني؟ قال: أزوجك ابنتي أم حكيم، قد عرفت منزلتها مني. قلت: نعم. فدخلت بي المسجد، فجلس إلى عبد الله بن عمر، فحمد اللهو أثنى عليه، وزوجني أم حكيم. ثم قام وقمت معه حتى أتى مصلاه فوقف فيه، وخرجت حتى أتيت أبي فأعلمته، فكذبني وقال: لا يسمعن هذا منك أحد. فقلت: قد والله كان ذلك. فأرسل إلى عبد الله بن الزبير: أكان ما ذكر عبد الله؟ قال: نعم، زوجته أم حكيم. فقال لي: هذا مال لك عندي ورثته من أمك، وهو عشرون ألف درهم، فأحمله إليها. ففعلت. فأرسل إلى عمي عبد الله فجئته، فقال: ألم تعدني الخير من نفسك؟ قال قلت: بلى. قال: فما حملك على أن تبعث إلينا بمال؟ لو أردت المال لوجدته عند غيرك، يريد معاوية، أحمل مالك فلا حاجة لنا فيه. قال: فرحت بالمال إلى أبي.
وكانت أم حكيم بنت عبد الله قالت لأبيها: لم تؤثر بنيك بالنخل علينا، وبناتك أحق بالأثرة لضعفهن؟ أترى بنيك يؤثروننا على نسائهم؟ فقال لها: لا أفعل بعدها. فقال عمي مصعب بن عبد الله: وكانت أم حكيم أحب ولد عبد الله إليه.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال، حدثني حماد بن عطيل بن فضالة بن رداد الليثي، وكان حماد قد بلغ مئة سنة وسنتين قال: رأيت عبد الله بن عروة في سنيات خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، وكان خالد واليًا لهشام بن عبد الملك على المدينة سبع سنين،
[ ٢٦٥ ]
فقحط المطر في تلك السبع، فكان يقال لها: " سنيات خالد ". فجلا الناس من بادية الحجاز فلحقوا بالشأم. قال فحدثني حماد بن عطيل قال: فحضرت عبد الله بن عروة بن الزبير يف أمواله بالفرع، يدخل الناس في مربد تمره طرفي النهار، غدوة فيتغدون من التمر، وعشية يتعشون. فما زال كذلك يفعل حتى أحيي الناس.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال، حدثني حماد بن عطيل بن فضالة بن رداد الليثي قال: جلونا مرة إلى الشأم في جهد أصاب الناس، ثم رجعنا فوجدنا عبد الله بن عروة قد هدم الثلم وكسر الوشع، وأمرج الناس في أموال أبيه، وجنى لهم فأطعمهم. قال: وكان عروة بن الزبير يرسل أبنه عبد الله بن عروة يجد ثمر أمواله ويبيعها، فكان كل عام
[ ٢٦٦ ]
يدق الثلم، ويكسر الوشع، ويجني للناس فيطعمهم، ثم يجده ويبيع، ويأتي إلى أبيه بثمن ذلك.
قال يحيى بن عروة لأبيه: إن عبد الله يهدم الثلم، ويكسر الوشع، ويبذر ثمرك، ويتسخى فيه ويطعمه الناس. فقال له عروة: فله العام يا بني. فوليه، فبنى الثلم، وسد الوشع، وحظره، ومنع الناس أن ينالوا منه شيئًا، ثم جده وباعه، وكان ذلك العام قبلًا، فبلغ ثمنه شبيهًا بما باع به عبد الله ابن عروة. فجاء يحيى إلى المدينة، فحلف مارزأ منه شيئًا، ولا بلغ إلا ما رفع إليه. فقال له أبوه: إني والله ما اتهمتك يا بني، ولا جئتنا إلا بأرزاقنا، ولا كان عبد الله يأتينا إلا بأرزاقنا، وما كان الناس ينالون منه إلا أرزاقهم، فصرفت عنا إلى غيرنا، وما شككت في هذا، ولا أرسلتك لا لتعتبر.
حدثنا الزبير قال، وقال عمي: كان عبد الله بن عروة مصلحًا مثمرًا للمال، وكان يبذله في حقه، ويرغب في الأجر وحسن الذكر. وهو صاحب ابن وجزة الذي كان يعطيه، ويأخذ له في كل عام من الزبيريين من
[ ٢٦٧ ]
جداد نخلهم بالفرع ستين وسقًا، على أن يقتصر بمديحه عليهم.
حدثنا الزبير قال، وحدثني سليمان بن عياش السعدي قال: قال أبو وجزة يمدح عبد الله بن عروة:
لعَمْرُك مازادُ ابن عُرْوَة بالّذِي لَهُ دونَ أيدِي القوم قُفْلٌ ومِفْتَحُ
وما ظِلُّهُ عَنْهُم يَضِيقُ، وما تُرَى رِكابُ أبي بكْرٍ تُصَان وتُمْسَحُ
وأبيضُ نهَّاضٌ بكُلّ حَمَالةٍ فلا ساعلٌ فيها ولا مُتَنَحنِحُ
فتًى قد كَفانِي سَيْبُهُ ما أهَّمنِي ولِي، خِلْتُ، في أعقارِه مُتَنَدَّحُ
أغَرُّ تُغَادِي من يَلِيه جِفَانُه هَدايَا، وأخراها قَواعِدُ رُدَّحُ
[ ٢٦٨ ]
فَتى الرَّكْبِ يكفيهِمْ بفضْلٍ ويكتفي وفي الحيّ فَضْفَاضُ السَّجِيّات أفْيَحُ
حدثنا الزبير قال، حدثني الحسين بن الحسن المروزي قال، حدثنا عبد الله بن المبارك قال، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: أشكو إلى الله عيبي مالا أترك، ونعتي ما لا آتي. وقال: إنما يبكي بالدين للدنيا.
حدثنا الزبير قال، حدثنا علي بن سعيد، عن حجاج، عن ابن لهيعة، عن عمارة بن غزية قال: سمعت عبد الله بن عروة يقول: إلى الله أشكو عيبي مالا أترك، ونعتي مالا آتي. وإنما يبكي للدنيا بالدين.
وقال: قال عبد الله بن عروة شعرًا يشبه هذين الحديثين:
يبكُونَ بالدين للدُّنْيا وبَهْجَتهِا أرْبابُ دُنْيَا عليها كلُّهُمْ صَادِي
لا يَعْملُون لِشَيْء من مَعَادِهِمُ تَعَجَّلوا حَظَّهُمْ في العَاجِل البادِي
لا يَهْتدُون ولا يَهْدُون تابعَهُمْ ضَلَّ المَقُودُ وضَلَّ القائِدُ الهادِي
حدثنا الزبير قال، حدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: جمع عبد الله بن عروة بنيه ثم قال: يا بني، إن الله لم يبن شيئًا فهدمه، وإن الناس لم يبنوا شيئًا قط إلا هدموه، وإن بني أمية من عهد معاوية إلى اليوم يهدمون
[ ٢٦٩ ]
شرف عليّ، فلا يزيده الله شرفًا وفضلًا ومحبة في قلوب المؤمنين، يا بني فلا تشتموا عليًا.
حدثنا الزبير قال، وحدثني مصعب بن عثمان، عن بعض مشيخته: أن عبد الله بن عروة كان يشهد الجمعة، فيخرج ابن مطيرة خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص فيخطب، فيستقبله عبد الله بن عروة وينصت، فإذا شتم خالد عليًا، تكلم عبد الله بن عروة، وأقبل على أدنى إنسان يكون إلى جنبه فيحدثه، فيقال له: الإمام يخطب! فيقول: إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا.
حدثنا الزبير قال، حدثني محمد بن لاضحاك، عن أبيه قال: كتب عبد الله بن عروة إلى هشام بن عبد الملك، يشكو إبراهيم بن هشام فيما صنع به، فكتب هشام بن عبد الملك إلى إبراهيم بن هشام يأمره أن يكف عن عبد الله ابن عروة، ويبني قصر عروة، وينثل بئره، ورأى صنع إبراهيم بن هشام بعبد الله بن عروة ظلمًا وتعديًا وضرارا، فكتب إليه:
إنّ اصطِناعَ المَرْءِ في جُلّ قوْمِهِ لِصَرْفِ الليالي نِعْم مالُ المُثَّمرِ
[ ٢٧٠ ]
وحج هشام، فاجتمع عنده عبد الله بن عروة إبراهيم بن هشام، وحضر مسلمة بن عبد الملك، فقال عبد الله بن عروة: يا أمير المؤمنين، إن مما طيب أنفسنا عن من أصيب منا، لما بقي بأيدينا مما كف الله به وجوهنا عن قومنا وغيرهم، فتناول هذا أعراضنا وأموالنا، فكيف الحياة مع هذا؟ فقال هشام: ألا تسمع يا إبراهيم ما يقول هذا؟ فقال إبراهيم: أمير المؤمنين أمير المؤمن، وهو هو. فقال هشام: وما هذا الكلام؟ أجل لعمري وأقبل هشام بعد ذلك على مسلمة فقال: سمعت ما قال ابن عروة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، كأنك قد قلت لي تجهز إلى الحجاز، قد سمعت كلام رجل لا يقيم على ما شكا، إن أقام، إلا قليلًا.
حدثنا الزبير قال، وحدثني مصعب بن عثمان قال: كان عبد الله ابن عروة قد دخل على هشام بن عبد الملك عام حج بالمدينة فقال: إنك أطعمت إبراهيم بن هشام ما بين منابت الزيتون من الشأم، إلى منابت القرظ من اليمن، فلم يغنه كثير ما بيده، عن قليل ما بأيدنا، وإنا والله ما طبنا أنفسًا بفراق الأحبة، إلا بما ترك بأيدينا من معايشنا، ولولا ذلك لاخترنا بطن الأرض على ظهرها، وقد أعطيتمونا من الأمان ما قد علمتم، فإما وفيتم لنا بعهدنا، أو رددتم إلينا سيوفنا. فأعجب قوله هشامًا.
[ ٢٧١ ]
فكا إبراهيم بن محمد بن طلحة قد لقيه بمكة، فكلمه في دار ابن علقمة، فقال هشام: فأين طنت عن أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: جئته. قال: ففعل ماذا؟ قال سلك بي غير طريق الحق. قال: فأمير المؤمنين الوليد؟ قال: قد جئته. قال: ففعل ماذا؟ قال: سلك بي طريق أبيه. قال: فأمير المؤمنين سليمان؟ قال: قد جئته. قال: ففعل ماذا؟ قال: لا سيري ولا أقيمي. قال: فأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز؟ قال: عوجل يرحمه الله. فغضب هشام فقال: لو كان فيك مضرب لضربتك. فقال: هو الله في، في الحسب والدين، فلا يبعدن الحق وأهله، ليكونن لهذا بحث بعد اليوم. فأقبل هشام على الأبرش الكلبي فقال: يا أبرش، لعن الله من زعم أن قومي هلكوا، ابن
[ ٢٧٢ ]
عروة يتهددني بالمدينة، وهذا يشتم آبائي في وجهي! قد كان قائل قال له: " هلكت قريش "، بالمدينة.