عبد الله بن مصعب، كان مدره قريش وخطيبها، وواحدها شرفًا وقدرًا وصوتًا، وعناية بهم وبجميع أهل المدينة.
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن مسلمة المخزومي قال: كان مالك بن أنس إذا ذكر عبد الله بن مصعب قال: المبارك، يتكلم في أمر أهل المدينة في العطاء والقسم.
وكان في صحابة أمير المؤمنين المهدي، وولاه اليمامة، فقال له: يا أمير المؤمنين، إني أقدم بلدًا أنا جاهل بأهله، فأعني برجلين من أهل المدينة لهما فضل وعلم: عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وعبد الله بن محمد بن عجلان. فأعانه بهما، وكتب في إشخاصهما إليه.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: كان سبب عبد الله بن مصعب إلى أمير المؤمنين المهدي، أن أمير المؤمنين المهدي قدم المدينة سنة ستين ومئة، فدق المقصورة، وجلس للناس في المسجد، فجعلوا يدخلون عليه ويأمر لهم بالجوائز، ويحضرهم الشفعاء من وزرائه. وكان رجال قد أحسوا بجلوس أمير المؤمنين المهدي وما يريد في الناس، فطلبوا الشفاعات. ودخل عليه عبد الله بن مصعب بغير شفيع، وكان وسيمًا جميلًا مفوهًا فصيحًا، قد عرفت له
[ ١٢٤ ]
مروءته وقدره بالبلد قبل ذلك، فتكلم بين يدي أمير المؤمنين المهدي فأعجب به، وألحق جائزته بأفضل جوائزهم، وكساه كسوة خاصة، وأدخله في صحابته، وخرج به معه إلى بغداد، فقال عبد الله بن مصعب:
لمَّا أوْجَهَ الشفعاء قومًا عَلاَ خَطْبِي فَجَلَّ عن الشفيعِ
وجاءَ يُدافعُ الأركانَ عَنَّي أبٌ لي في ذُرَى رُكْنٍ مَنِيعِ
أبٌ يتَركَّعُ الأبْنَاء منْهُ إذا انتسُبوا إلى الشرَف الرفيعِ
سَعَى فَحوَى المكارمَ ثم ألقَى مَسَاعيَهُ إلى غيرِ المُضِيعِ
فورَّثني على رَغْم الأعادي مَسَاعِيَ لا ألفَّ ولا وضِيعِ
فقمتُ بلا تَنَحُّلِ خارِجيٍ إذا عُدَّ الفَعالُ ولا بَدِيعِ
فإن يكُ قد تَقَدّمَني صَنِيعٌ يُشرِّفُنيِ، فما دَنَّى صَنِيعِي
وكانت له من أمير المؤمنين المهدي، ومن أمير المؤمنين موسى ومن أمير المؤمنين هارون الرشيد، خاصة ومنزلة.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عبد الله بن نافع بن ثابت قال: بعث أبو عبيد الله إلى عبد الله بن مصعب في أول ما صحب أمير المؤمنين المهدي بألفي
[ ١٢٥ ]
دينار، فردها وكتب إليه: " إني لا أقبل صلة إلا من خليفة أو ولي عهد ".
قال: ووجدت في كتاب من كتب محمد بن سلام: بعث أبو عبيد الله إلى عبد الله بن مصعب بألفي دينار صلة وعشرين ثوبًا، فلم يقبلها وكتب إليه: أن لو كان قابلًا من سوى الخليفة قبلتها. وكتب إليه: " أصلحك الله وأمتنع بك، ما لسيبك ومياحتك أحببناك، ولا لاستقلال ما بعث به إلينا والتسخط له كان ردنا إياه عليك، ولكنا أحببناك ووددناك،
[ ١٢٦ ]
وشكرناك لفضلك ونبلك، وقسم الله لك في رأيك ومعرفتك، ورعايتك حق ذوي الحقوق. ولقد أصبحت عندنا بالمنزل الذي لا تزيدك فيه صلة وصلتنا بها، ولا يضرك ردُّناها ".
حدثنا الزبير قال، وحدثني أبي وعمي مصعب بن عبد الله: أن جدي عبد الله بن مصعب قال لأمير المؤمنين المهدي يستكثره في أول صحبته:
يا ابنَ الذي ورِثَ النبيَّ محَّمدًا فَلَهُ تُراثُ محّمدٍ لم يُنْكَرِ
إنِّي عَقَدتُ ذِمَامَ حَبْلى مُعْصِمًا بحبالِ وُدِّك عُقْدةَ المتخِّيرِ
يومَ المدينةِ بين قبر محّمدٍ وفِنائه ومَقَامِهِ والمِنْبَرِ
فأخذتُ منْكَ بذِمَّة محفوظةٍ مَنْ فاز منكَ بمثلها لم يُخْفَرِ
فكأننّي ألقيت رَحْلَي عائذًا بفِناَء بيتِ الله أو بالمَحْجَرِ
وأراك تصطنِعُ الرجالَ ولم أكنْ دُون أمرئٍ قدّمتَهُ بمؤخَّرِ
فَهلَ أنتَ مُتَّخِذِي لنَفْسِك جُنّةّ وعلىَّ عَهْدُ الله إنْ لم أشكُرِ
ولقد صَبْرتُ لنَبْوَةٍ صَادَيْتُها مِمَّنْ يُلاَقِينِي بخَدٍ أصْعَرِ
في حَوْمَةٍ قَصِفِينَ من أشياعِهِ يَلْقوننِي بتجهُّمٍ وتَنَكُّرِ
لما رأوك جَفَوْتَنِي فتركتَنِي إن آتِ أقْصَ وإن أغِبْ لا أذكَرِ
[ ١٢٧ ]
وإذا دخلتُ أكونُ آخرَ داخِلٍ مَرْمَى القَصِيّة بالمكان الأوْعرِ
فمجاهِرٌ لي بالعَدَاوة مِنْهُمُ جَهْلًا، وطاوِى غُلَّةٍ لم يَجْهَرِ
حَنِقٌ علىَّ ولا يزالُ ضميرُهُ يُبْدِي رَسيسَ عداوةٍ لم تَظْهَرِ
فإذا التقينا نَمَّ لي مِنْ طَرْفِهِ نَظَرٌ يُسَارِقُه كطَرْفِ الأخزرِ
واللهُ يعْلَمُ حَلْفةً من صادقٍ لولاكَ قد شمَّرتُ ذَيْلَ المِئزَرِ
وبعثُ حَرْبي عَنْوَةً فتضعضعوا ووسمْتُ أنْفَهُمُ مكانَ المَفْقَرِ
إني إذا بلغَ العدُوُّ حَمِيَّتِي فبرزْتُ، أمشي مِشْيَةَ المتبخْتِرِ
رَئمُوا المَذَلَّةَ صاغرينَ وحاذوا صَوْلاتِ ذِي لِبَدٍ هِزَبْرٍ مُخْدِرِ
وهي أكثر من هذا فأقبل عليه أمير المؤمنين المهدي بوجهه، وأعطاه حكمه، فقال:
يا أمين الإله في الشَرْق والغَرْ بِ عليناَ ويا ابنَ عِّم الرَّسُولِ
إنّ حُكْمِي عليك، تفديك نَفْسي وكَثيري وأسْرتي وقَبِيلىِ
مجلِسٌ في العَشِىِّ عندك في المَيْدَانِ والإذنُ مِنْك لي في الدخولِ
ليسَ شيءٌ من الأُمُور وإن كا نَ عظيمًا عندي له بعَديِلِ
فأجابه إلى ذلك، وجعله في جلسائه بالعشى، وخص به، وأصاب منه أموالًا كثيرة، وقطائع رغيبة.
[ ١٢٨ ]
وقال بعد الله مصعب لأمير المؤمنين المهدي، يسأله البيعة لأمير المؤمنين هارون الرشيد، وقد كان بايع لأمير المؤمنين موسى:
أشدُدْ بهارُونَ حبالَ العَقْدِ
ووَلِّهِ بعدَ وليِّ العَهْدِ
فلما بايع له بعد موسى، قال له عبد الله بن مصعب متمثلًا:
لاَ قصَّرا عَنْها ولا بَلَغَتْهُمَا حتى يطُولَ على يديكَ طَوَالُها
حدثنا الزبير قال وحدثني محمد بن أبي خالد الكاتب قال: كان أمير المؤمنين المهدي يقول: ثلاثة أضن بهم عن الولاية، وأراهم أكثر منها: عبد الله بن مصعب الزبيري، وإسحاق بن غرير الزهري، والربيع. قال: وكان إسحاق بن غرير من جلساء أمير المؤمنين المهدي، وكان حلوًا، وكان لعبد الله ابن مصعب صديقًا مثافنًا.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: كان أبي يكره الولاية، فعرض عليه أمير المؤمنين هارون الرشيد ولاية المدينة، فكرهها
[ ١٢٩ ]
وأبى أن يليها، وألزمه ذلك أمير المؤمنين الرشيد، فأقام بذلك ثلاث ليال يلزموها ويأبى عليه قبولها، ثم قال في الليلة الثالثة: أغد على بالغداة إن شاء الله. فغدا عليه، فدعا أمير المؤمنين بقناة وعمامة، فعقد اللواء بيده، ثم قال له: عليك طاعة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فخذ هذا اللواء. فأخذه، وقال له: أما إذ ابتليتني يا أمير المؤمنين بعد العافية، فلا بد لي من أن أشترط لنفسي.
قال له: فأشترط لنفسك. فأشترط خلالًا، منها أنه قال له: مال الصدقات مال قسمه الله بنفسه، ولم يكله إلى أحد من خلقه، فلست أستجير أرتزق منه، ولا أن أرزق المرتزقة منه، فأحمل معي رزقي ورزق المرتزقة من مال الخراج. قال: قد أحببتك إلى ذلك. قال: وأنفذ من كتبك ما أرى، وأقف عما لا أرى. قال: وذلك لك.
فولى المدينة، وكان يأمر بمال الصدقات يصير إلى عبد العزيز بن محمد الدراوردي وإلى آخر معه، وهو يحيى بن أبي غسان الشيخ الصالح، من أهل الفضل، فكانا يقسمانه.
ثم وله أمير المؤمنين هارون الرشيد اليمن، وزاده معها ولاية عكٍ، وكانت عكٌّ إلى والي مكة، ورزقة ألفي دينار في كل شهر. فقال يحيى ابن خالد: يا أمير المؤمنين، كان رزق والي اليمن ألف دينار، فجعلت رزق عبد الله
[ ١٣٠ ]
ابن مصعب ألف دينار، فأخاف أن لا يرضى أحد توليه اليمن من قومك، ومن الرزق بأقل مما أعطيت عبد اله بن مصعب، فلو جعلت رزقه ألف دينار كما كان يكون، وأعضته من الألف الآخر مالًا تجيزه به، لم تكن عليك حجة لأحد من قومك في الجائزة. فصير رزقه ألف دينار، وأجازه بعشرين ألف دينار.
قال: فأستخلف على اليمن الضحاك بن عثمان بن الضحاك، وكلم له أمير المؤمنين، فأعانه على سفره بأربعين ألف درهم. فأقام الضحاك خليفته حتى قدم عليه، فسلم للضحاك، مقام الضحاك إلى أن قدم، الألف دينار التي أرتزق في ولاية اليمن.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: قسم أبي مال اليمن كله في السهمان التي أمر لله بها، ولم يرفع منه شيئًا. فأمضى ذلك أمير المؤمنين الرشيد.
حدثنا الزبير قال، قال عمي مصعب بن عبد الله: وأرسل أبي عبد الله ابن مصعب رسلًا غير قليل يستعفى من ولاية اليمن، فلا يعفيه أمير المؤمنين من
[ ١٣١ ]
ولايتها حتى كنت أن آخر من خرج يستعفي له، فأعفاه. وسار في أهل اليمن من العدل بما هم يذكرونه بعد وفاته. وكانوا يصيحون بأمير المؤمنين الرشيد إذ حج: رد علينا ابن مصعب. فيقول لبعض من معه: واين ابن مصعب ﵀؟ حدثنا الزبير قال، وحدثني عثمان بن عمران بن عثمان بن عبد الله ابن زياد، عن أبيه قال: قال أمير المؤمنين الرشيد: كنا نظن عبد الله ابن مصعب يصحبنا على ما يصحبنا عليه الناس من طلب الدنيا، فعرضناها عليه فلفظها.
وأخرج أمير المؤمنين هارون الرشيد لأهل المدينة على يديه عطاء وكسوة مع العطاء، ونزل قصر عروة بن الزبير بالعقيق، وأخرج لأشراف القريشيين ومشيختهم ووجوه الناس جوائز كثيرة.
ولما ولى أمير المؤمنين الرشيد عبد الله بن مصعب اليمن، استعمل أمير المؤمنين ابنه أبا بكر بن عبد الله بن مصعب على المدينة، ورزقه على ولايتها ألف دينار، وذلك كان رزق واليها.
حدثنا الزبير قال، وحدثني العتبي، عن رجل سماه فأنسيت أسمه قال: أبا بكر بن عبد الله بن مصعب يتكلم فيعجبني كلامه، وأسمع شبيب
[ ١٣٢ ]
ابن شيبة التميمي يتكلم فيعجبني كلامه، فكنت أحب أن أسمع كلمهما مجتمعين لأعرف أبلغهما. فاجتمعا يومًا على باب أمير المؤمنين، فسمعن كلامهما. قال، فقلت له: فأي الرجلين سمعت أبلغ؟ قال: المتكلم حتى يسكت، غير أني رأيت لعبد الله بن مصعب إشارة تقع مع كلامه أعجبتني.
قال الزبير: وكان عبد الله بن مصعب رجلًا حليمًا جوادًا مملحًا، له يقول ابن المولى، محمد بن عبد الله:
ولمَّا رأيتُ الناسَ بينَ مُبَلِّدٍ حَرُونٍ، وصعبٍ ظَهْرُه شرُّ مركَبِ
أخذتُ بحبْلٍ من حِبالِ ابن مصعبٍ قريعِ قريشٍ والهِجانِ المهذَّبِ
وإنَّ أمرًَا بين الزُّبَيْر إذا انتَمى وبين أبي بكْرٍ لَمْحضُ المُرَكَّبِ
فَلَلْتُ به نابَ الزَّمان وقد عَدَا علىَّ بنابٍ ذي شَبَاةٍ ومِخْلَبِ
إليه تخطَّيْتُ المشاربَ كُلَّها إلى مَشْرَبٍ من وِرْده خيرِ مَشْرَبِ
فأتْرَع دَلْوي من هُنَاك وها هُنَا ببَسْطَة بسامٍ مَتَى يُعْطِ يُرْغِبِ
وقد علمت عُلْياَ لُؤَيّ بن غالبٍ إذا مَا لُقُوا بالصَّدْق لا بالتَّكذُّبِ
بأنَّ أبا بكْرٍ فَتاها وأنَّه أخُوها الذي ما يركبِ الليثُ يَرْكَبِ
[ ١٣٣ ]
تحمَّلها بالحِلْم عَطْفًا عليهمُ وألفَوْهُ ذا شَغْب على كل مِشْغَبِ
وأنَّ اقتباسَ العلم مِنْهُ، وأنَّهُ إذا كان منه الرأيُ لم يُتَعَقَّبِ
فإن يجْهلُوا يَحْلُمْ بِبّرٍ ورأْفَةٍ وإن يكُ صَدْعٌ في العَشيرةِ يَشْعَبِ
حدثنا الزبير قال، وحدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي قال: كنا نأتي مسجد رسول الله ﷺ فنجلس فيه، ما ينزعنا إلى الجلوس فيه إلا استماع كلام عبد لله بن مصعب وألفاظه.
قال بلال بن جرير بن الخطفي، يمدح عبد الله بن مصعب:
مَدَّ الزُّبيرُ أبوكَ إذ يَبْنِي العُلَى كفَّيْك حتَّى نالَتَا العَيُّوقَا
ولَوَ أنّ عبد الله فاضَلَ مَنْ مشَى فضَلَ البرِيَّة عِزَّةً وبُسُوقَا
[ ١٣٤ ]
قَرْمٌ إذا كان يومُ نُفُورةٍ جَمَع الزبيرَ عليك والصِّدِّيقاَ
ولئن مَسَاعِي ثابتٍ أو مُصْعبٍ بلغتْ سَناَ أعلى المكارم فُوقاَ
لو شِئتَ ما فاتُوكَ إذ جاريتَهُمْ ولكنتَ بالسَّبْق المُبِرِّ حقيقاَ
لكن أتيتَ مُصَلِّيًا بِرًّا بهِمْ ولقد تَرَى ونَرَى لديكَ طريقاَ
ألقتْ إليك بنُو قُصَيٍ مَجْدَهَا فورِثْتَ أكرمَها سَنًا وعروقاَ
وقال خارجة بن فليح المللى، يمدح عبد الله بن مصعب:
دعانا لعبد الله والدّهرُ باسطٌ علينا جناحَ البُؤْس والجودُ عَاثِرُ
تواتُرُ أخبارٍ يَرِدْنَ بحَمْدِه عليناَ وللمعروف والنُّكْر آثِرُ
فإنّي لِمَا أوْليتَني يا ابن مصعبٍ يدًا بعد أيْدٍ مُنْعِماتٍ لَشاكِرُ
وإنّكَ والحيَّ الذي أنتَ منهُمُ لَكالبَدْر حَفَّتْه النجومُ الزَّواهِرُ
ويسمُو بكُمْ مَجْدُ الزبير وفَخْرُهُ فيكُمُ فتُغْضِى لَها عنك العيون الشوازِرُ
[ ١٣٥ ]
فإن يكُ قومٌ قوَّضُوا عَرْشَ مجدِهْم فقدْ رَبَّ مجدًا أوَّلًا منك آخِرُ
رأيتُكَ تسمُو للمكارمِ والعُلَى فلا زاهقٌ عَنْها ولا أنت قاصِرُ
وتعلُو بك الأيامُ للذِّرْوَةِ التي لَها كَنَفٌ يأوِى إليه المعاشِرُ
لكُمْ مَنْكِباها حيثُ قَرَّ قَرَارُهَا وفرعُكَ منها أيْمنٌ مُتياسِرُ
وجادت يدك المستهلُّ نَداهُما فأغْنَى وأقْنَى سَيْبُك المتظاهِرُ
فلا مجدَ إلاّ منكُمُ فيه أوَّلٌ ولا مجدَ إلاَّ مِنكُم فيه غَابِرُ
ولا حَرْبَ إلاّ قد قَرَعتُمْ كُماتَهَا عليها بكم كانتْ تدور الدوائِرُ
لعمرُكَ ما سُدَّتْ علىَّ مواردِي لديك، ولا ضاقتْ علىَّ المصادِرُ
وهي أكثر من هذا.
حدثنا الزبير قال، وحدثني من سمع خالد بن الأسود بن عمرو الفزاري، يحدث عن أبيه، عن جده: أن بني سيار بن عمرو بن جابر لما شاركت قريشًا، قالت بنو حصن بن حذيفة بن بدر، وتأمروا بينهم: " لا تزوجوا من قريش إلا لبابًا "، ليدركوا ما فاتهم به لف منظور. قال: فكان يرغب في شركتهم المصلصل، فإذا حمدوا حسبه ذموا نشبه، فإن تواليا له، ضاق
[ ١٣٦ ]
عن مبلغ غايتهم جاهه، فإن كرم حسبه وكثر نشبه وأوسع جاهه، لم يرضوا حركاته وهزته فيما عراهم. فإن لم يسخطوا ذلك منه، نالتهم عجارفه. فإن أمنوا بوائقه، لم يعدموا منا صماد حيا يحلق الشعر، ويكلم البشر، ويغمض البصر. فكانوا بذلك شطر دهرهم، حتى شاركوا أبا بكر عبد الله بن مصعب، فكان نسيج وحده.
حدثنا الزبير قال، وحدثني مصعب بن عثمان قال: كان عبد الله ابن مصعب يأمر من قريش من يفتش له عن خلتهم، ليتعاهد ذلك منهم، فيسد خلتهم، ويصلح شأنهم. فقال في ذلك ابن الوليد بن عدي النوفلي:
أتاَنِي عَنْك أنَّكَ قلتَ يومًا لذي رَحِمٍ وكنتَ به خبيراَ
تبَغَّ لِيَ السواقِطَ من قريشٍ لِتَنْعَشَهَا وكنتَ بِه جَديراَ
ومثْلُك يا ابن مُصْعَبَ للَّتِي قد سَبقت بفضْلها، جَبَر الكسيراَ
أبانَ اللهُ فيك لمنْ تَوَخَّى سِرَاجَ الخيرِ حين براكَ نُوراَ
وقومُكَ أهلُ مملكة كِرامٌ يَرَوْنَ العارَ مُطَّلَعًا كبيراَ
إذا نَظَرتْ إليك بنو قُصَيٍ رأوْا قمرًا بساحتهمْ مُنيراَ
[ ١٣٧ ]
وقال أبو عاصم، عبد الله بن حمزة الأسلمي، يمدح عبد الله بن حمزة الأسلمي، يمدح عبد الله ابن مصعب، إذ كان واليًا على اليمامة:
مَنْ كان عن سُوقٍ لمجدٍ سائلًا فيه النَّدَى، فلَهُ بِحَجْرٍ سُوقُ
سُوقٌ لعبد الله من يَحلُلْ بِهِ فلَهُ صَبُوحٌ من نَدًى وغَبُوقُ
جمُّ الفوائد ما يُفِيدُ فَوَائدًا إلا أفيد له بهنَّ حقُوقُ
يأكُلْنَها حتَّى يدعْنَ شريدَها فَلَلًا، ويحمَدُ غِبَّها المرْهُوقُ
أنت المهذّبُ من قريشٍ والذي لفروعِه فوق الفُرُوع بُسُوقُ
فلكُلّ بابِ نَدًى بكفِّك مِفْتَحٌ ولكلِّ معروفٍ عليك طريقُ
وإذا أكُفُّ القوم لم تَنَلِ العُلَى مدَّ الزبيْرُ يديْكَ والصِّدّيقُ
فبلغتَ ما لا يبلغون، وعَادةٌ لكم التوسُّع حين يُخْشَي الضِّيقُ
قَرْمانِ ما تركاَ لخيرٍ غايةً إلاَّ لهَا سببٌ إليكَ وثيقُ
وإذا المَنَاسِبُ حَصَّلتك تعطَّفَتْ من كُلّ ذِي كرَمٍ عليك عُرُوقُ
وقال أيضًا يمدحه إذ كان واليًا على اليمامة، ويمدح أبنه أبا بكر ابن عبد الله:
أبا بكْرٍ ذكرتُكَ حين ضاقتْ علىَّ الأرْضُ وأمتنَع الهُجُوعُ
دعوتُك والحوادث مُوبِقاتٌ نِبالُ الكُرْهِ أكثرُها القُروعُ
وبِتُّ مُرَوَّعًا مِنْهنَّ حتَّى أجَبْتَ فزاحَ عنِّي ما يَرُوعُ
[ ١٣٨ ]
دعوتُكَ فاستجبتَ وكان بيني وبينَك ما يَصَمُّ بِهِ السَّمِيعُ
ولم يبلُغْك صوتِي حين أدْعُو ولكن بَّلغ الحسَبُ الرفيعُ
وعندي بالبلادِ معي رجالٌ وعندك كُلُّهم لِيَ مُسْتَجِيعُ
تركتُهُمْ إليك بغير ذمٍ كذلكَ يَغْنَمُ القَرْمُ القريعُ
وحقِّي واجبٌ تَرْعاهُ منِّي إذا ما ضيَّع الحقَّ المُضِيعُ
ووُدٌّ ثابتٌ منَّا مُقِيمٌ عليه الله يشهَدُ والبقيعُ
بَقيعُ بني الزُّبَيْر وكلُّ خيْرٍ إلى آل الزبير بهِ ذَرِيعُ
هُمُ الرأسُ المقدَّمُ من قريشٍ وغيرُهُمُ هُمُ الذَّنَبُ القَدِيعُ
تَرَى عنه الحوادثَ نَابَياتٍ كما يَنْبُو عن العَلَم الصَّقيعُ
وقال عبد الله بن عمرو بن أبي صبح المزني، يمدح عبد الله ابن مصعب بن ثابت بن الزبير، وأبنيه أبا بكر ومصعبًا ابني عبد الله:
[ ١٣٩ ]
يا أيُّها الرجُلُ المُهْدِي الغِنَاءَ لَهُ من كلّ شِعْبٍ يُدَانِي ثم يختَلِفُ
دَعْ عنْكَ ليلَى، فما ليلَى بجازيةٍ لا تجهَلَنَّ ولا يَلْجَجْ بك الكَلَفُ
وأذكُرْ بأحسَنِ قولٍ أنت قائُله آلَ الزبير فقد أعطوْا وقد عَطَفُوا
وقد سَقَوْكَ بسَجْلٍ من سِجَالهُم حتى رَوِيت وقد زادوا وقد لطُفوا
وقد كفاك نَدَاهم نَوْءَ غَيْرهِمُ فلا تَعُولُ على الغَرْف الذي غرفُوا
قد كان لي في أبي بكر ووالدِه ومصعبٍ ذي النَّدى من تالِدٍ خَلَفُ
والثابتُّونَ قَوْمٌ في ودادهُمْ غُنْم الحياةِ وفي أحقادهم تَلَفُ
أللاحظونَ بنُور الله إن غضبُوا والشاملُون بُيْمنٍ حيثُ ما انصرفُوا
والفارطونَ فلا تُوبَى حِيَاضُهُمُ بالوَاردين وإن ذُوّادُها قَصَفُوا
إنّ ابنَ مصعبٍ الميمونَ طائرُهُ ثَبَّى على خير ما سَدَّى له السَّلَفُ
لا يُدْرك الناسُ في المَجْراةِ غايتَهُ ولو تعاَلَوْا ولو خَبُّوا ولو خَنَفُوا
تمشي الملوكُ على أذيالِ لأمَتِهِ إن سَار ساروا وإن أوْ مَا قِفُوا وقفُوا
[ ١٤٠ ]
يا ابنَ الزبير قد فرّجْتَ من كُرَبي ورفَّلَتْنِي لك الفَيْضاتُ والتُّحَفُ
وقد جَبَرتَ جناحِي بَعْدَ رقّتِهِ حتَّى أنتهضْتُ وحتى مَسّنِي التَّرَفُ
وقد تَخَلَّصْتَنِي من بين مَأْسَدَةٍ أذَلَّنِي لَهُمُ السُّلْطانُ والصُّحُفُ
أدركتنيِ بعد مَا دارتْ عُقَابُهمُ وقد بَلَلْتُ لهَا رأسي وقد وَحَفُوا
وقال أيضًا عبد الله بن عمرو بن أبي صبح، يمدح عبد الله ابن مصعب الزبيري، وأبنه أبا بكر بن عبد الله:
أكرِمْ بذي شَرَفٍ ألفَى مَكارمَهُ فوقَ الثريَّا فعَلَّى فوقَ ما وجَدَا
ذاك ابنُ مُصْعبٍ المُوفِي بذمّتِه أعطى الجزيلَ وأوْفَى كُلَّ ما وعدَا
من فتيَةٍ صبَرُوا في كُلَّ نائبةٍ حتى نَفوْا عنهُمُ ما عابَ فانتَقدَا
بِيضٌ بهاليلُ سيماَ المُلْك شامِلُهُمْ لا يسألُ الناس عنْهم من هُمُ أبدَا
إن أمتدحْكُمْ فقد جَلَّتْ صَنائِعكُمْ مَجْرَى المديح وقد راخَيتُمُ الأمَدَا
قدْ رِشْتُموني فهذا رِيشكُمْ خَضِلٌ بادٍ علىّ وقد أنعمْتُمُ رَغَدَا
[ ١٤١ ]
إن الحَواريّ والصدّيقَ وأبنَهُمَا وابن الرَّبَابِ بنَوْا بُنْيَانكُمْ صُعُدَا
ثم الأميرانِ شدَّا عَقْدَ عُرْوتكُمْ ولا سبيلَ إلى حَلّ الذي عَقَدَا
نِعْمَ الأميرَانِ بكّارٌ ووالدُهُ ما أشرفَ الوالدَ الميمونَ والولَدَا
المالئانِ بَعْدلِ الله قبضَتَهُ والمصلحانِ بإذن الله ما فسَدَا
والحافظانِ لما أوصَى الإلهُ بِهِ من حقّ ذي الحقّ إن غابا وإن شهدَا
والصادرانِ معًا عن كُلّ ما تركاَ والواردانِ جميعًا كلَّ ما وَرَداَ
والطاعنانِ صدورَ الخيل مُقْبِلًة والضاربانِ إذا غابَ القَنَا قِصَدَا
أعْززْ بمنْ كان عبدُ الله ناصِرَهُ ومن يكونُ أبو بكْرٍ له عَضُدَا
وله أيضًا يقول ابن أبي صبح المزني:
لعمرُك إن المُنْتَمِي بابنِ مُصْعَبٍ لَمُعْتدِلُ الَمجْرَاةِ جَزْلُ المواهبِ
وإن امرَأً بين الزبير إذ أنْتُضِى وبين أبي بكر لمَحْضُ المضَارب
وله يقول محمد بن عبد الملك الأسدي:
حَيَّاكَ يا ابنَ مُصْعَبٍ حَيَّاكاَ
ربُّ السَّموات الذي أعطاكاَ
مكارمًا وَرثْتَها أَباَكاَ
لا تنبَغِي لأحدٍ سِوَاكاَ
إنّ الحَوَاريَّ إذا عَزَاكاَ
[ ١٤٢ ]
عازٍ وصِدِّيقَ الهُدَى جَدّاكاَ
فخيرُ كَهْلَىْ رَجُلٍ كَهْلاكاَ
كم من غَنيّ كان من غِنَاكاَ
ومن فقيرٍ عاش في ثَراكا
ومن أسِيرٍ كانَ في أسْرَاكاَ
فَفكّ عَنْه غُلَّهُ تَقواكاَ
وقال أيضًا محمد بن عبد الملك الأسدي يمدحه:
حيَّا الإلهُ أبا بكْرٍ وكرَّمَهُ وزادهُ الله من تفضيلِهِ شَرَفاَ
إنا نراهُ أدامَ الله مُدّتَهُ من الحواريّ إلا سَبْقَهُ خَلَفا
هو الحُلاحِلُ حِلْمًا والحَيَا كرمًا والليثُ عيْنًا إذا ما همّ أو عَسَفَا
كأنه حين يَعْتَنُّ البيانُ بِهِ غيثٌ يَسُحَّ سِجالًا لم تكُنْ نُزُفَا
في وابلٍ بَرِدٍ يحتثُّ وابِلَهُ منه صَبِيرٌ ترى في نَقْعهِ غُرَفَا
إنِّي وجدتُكَ في جُرْثُومة فَرَعَتْ فرعَيْ قريشٍ إذا ما واصفٌ وصَفَا
إنّ الحواريَّ والصدّيقَ إن نُسِباَ جَدَّاكَ نالا العُلَى واستوجباَ الغُرَفَا
وحمزةُ الليثُ والعبَّاسُ إن ذُكرَا خالاكَ لم يُوِرثاَ ضَيْقًا ولا حَفَفَا
[ ١٤٣ ]
فأنتَ من هاشمٍ في سِرِّ نَبْعتها بحيثُ حَلَّتْ وسِيطًا لم تكن طَرَفَا
وأنتَ من أسَدِ العُزَّي لأِكرمِهَا كهْلًا وافضَلهِا إن عَدَّدَتْ سَلَفاَ
وقال أبو المعافي، يمدح عبد الله بن مصعب:
أقولُ لناقتِي ما تشكَّتْ أظَلَّيْها مِنَ امْعَزَ ذِي نِقَال
إذا بَلَّغتِ عبدَ اللهِ رَحْلِى أبا بكُرٍ فمُوتِى لا أبَالِي
حواريُّ النبيّ أبوهُ، بَخْ بَخْ وفارسُهُ إذا دُعِيَتْ نَزَالِ
ببدرٍ كان فارسَهُ المُسَمَّى إذا اعتنقُوا غَداةَ هَبٍ وهَالِ
ويومَ يهودِ خيْبَرَ فَضَّ جَمْعًا وغادَرَ ياسرًا تحت العَوَالي
ويوم حُنَيْنَ إذ وَلَّوْا وخامُوا وعينُ الله تنظُرُ في مَجالِ
ويومَ الخندقِ الحامِي لَظاهُ وقد زاغَتْ قلوبٌ من رجالِ
ويوم قَفَا الحَجُونِ وكان يومًا تَشِيبُ له مَقاديمُ القذَالِ
ويومَ بني قُرَيْظَةَ كان فيهِ بحمد الله محمودَ الفَعَالِ
وبالصِّدِّق نَفْخُر، إنّ بيْتًا هُما رَفعاَ دعائمَهُ لَعَالِ
[ ١٤٤ ]
فلم يَحْوِ الرِّياسَة من بعيدٍ ولم يَرِثِ السَّماحَة من كَلالِ
وما قَصُرتْ يداكَ عن المعالِي وما طاشت سِهَامك في نِضَالِ
فأين لنا نظيرُك من قريشٍ يُجيٍر كما تُجيرُ من الليالِي
وأين لنا نظيركَ من قُريشٍ لقد بَعُدتْ يمينٌ من شِمالِ
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: قال شبيب بن شيبة لأمير المؤمنين المهدي في عبد الله بن مصعب بن ثابت: لا والله ما كان في آبائه أحد إلا وهو أكمل منه، ولا والله ماله في الناس نظير في كماله.
ومديح عبد الله بن مصعب كثير.
وحمل الحديث عن عبد الله بن مصعب بن ثابت.
وحدثنا الزبير قال، وحدثني مصعب بن عبد الله قال: مات عبد الله ابن مصعب بن ثابت، وهو ابن سبعين سنة.
[ ١٤٥ ]
حدثنا الزبير قال، وحدثني أبي وكل من سألت من أصحابنا: أن عبد الله بن مصعب بن ثابت مات وهو ابن ثلاث وسبعين سنة بالرقة، يوم الأحد لثلاث ليال بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين ومئة.
حدثنا الزبير، قال وحدثني اليسع بن أيوب قال، حدثني ذفافة ابن عبد العزيز العبسي قال، حدثنا الفضل بن الربيع قال: مات عبد الله بن مصعب وقد فتح أمير المؤمنين هارون العرق، فدخلت عليه فقلت: يا أمير المؤمنين: مات عبد الله بن مصعب. فنكس ونقر الأرض بقضيب في يده، ثم رفع رأسه إليَّ فقال: يا فضل، مات أبو بكر؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين! ففعل ذلك ثلاث مرات، كل ذلك يقول لي: يا فضل، مات أبو بكر؟ فلما قال ذلك في الثالثة وقلت له: نعم يا أمير المؤمنين، قال:
جَبَلٌ تضعضَعَ ثم مالَ بجُمْعِهِ في البحر لا رتَقَتْ عليه الأبْحُر
حدثنا الزبير قال، حدثني عبد الله بن نافع بن ثابت قال: وفدت إلى عبد الله بن مصعب ومات وأنا عنده. وكان أمير المؤمنين الرشيد قد فتح العرق يوم مات عبد الله بن مصعب، فأرسل أبنه عبد الله المأمون فصلى عليه، وبلغ معه قبره فجلس عليه.
[ ١٤٦ ]
وجلس معه أبو البختري وهب بن وهب، وهو يومئذ قاضي القضاة، فنزلت في قبره، وصحت بأبي البختري: أنزل يا أبا البختري. فقال لي: لا أقدر أنزل. قلت له: أنزل كما أقول لك. فقال: لا أقدر والله أنزل. فقلت له: لمن تخبأ نفسك بعد أبي بكر؟ فقال: أني رجل بادن، أخاف الله إن نزلت في قبره أن أموت! قال: ثم قال أمير المؤمنين الرشيد للفضل بن الربيع: يا فضل، إن عبد الله أبن مصعب كان مثوى للوفود، يفدون إليه وينزلون عليه، فيصلهم فيكلمنا فيهم، فأخافأن يكون عنده منهم من عجل عليه الموت قبل أن يكلمنا فيهم، فأعرفهم وأحصهم لي. فأحصانا الفضل وأخبره بنا، فكنت فيهم أنا، وعبد الله ابن محمد بن المغيرة الزهري، ومحمد بن عبد الله الأكبر بن نافع بن ثابت. فأمر لي أمير المؤمنين الرشيد بخمسمئة دينار، وأمر لعبد الله بن محمد بن المغيرة الزهري بخمسمئة دينار، وأمر لمحمد بن عبد الله الأكبر بن نافع بن ثابت بثلاثمئة دينار. وكتب إلى أبنه أبي بكر بن عبد الله بن مصعب، وهو عامله على المدينة، يعزيه به، ويذكر شركته إياه في مصيبته.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عثمان بن عبد الرحمن قال: لما كان اليوم الذي أظهر فيه أبو بكر بن عبد الله وفاة أبيه عبد الله بن مصعب، دخل الناس عليه ليعزوه عنه. قال: فسبقني حسين بن زيد بن علي بن حسين بن علي ابن أبي طالب بكلام كثير جزل من تخطبه، فاتني ولم أحضره، وألفيته ولم ينصرف. فلما راد الوثوب للقيام، أقبل عليه فقال: أيها الأمير، لم يفقد ممن
[ ١٤٧ ]
خلف مثلك في صلتك الرحم، ورعايتك الحرم، إلا جاهه وشخصه، فأحسن الله عقباك، ورحم أباك.
حدثنا الزبير قال، وحدثني سعد بن بعد الله بن سعد بن ثابت أبن عبد الله بن الزبير قال: لما أظهر أبو بكر بن عبد الله بن مصعب نعى أبيه عبد الله بن مصعب، جاءه حسين بن زيد، وعمرو بن عبد الرحمن بن سهل، وهو إذ ذاك قاض، فأجلسهما كنفتيه، فكانا يعيشان تعزية من عزاه، ودعاء من دعا، بكلام جزل فخم بليغ، حتى قاما في أخريات الناس. فلما ناء عمرو أبن عبد الرحمن للقيام قال: النهار قصير، والكلام كثير، ولم يهلك من ترك مثلك أيها الأمير.
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن حسن المخزومي قال: سمعت إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، يوم أظهر أبو بكر ابن عبد الله بن مصعب نعى أبيه عبد الله بن مصعب، وهو يقول له يعزيه: أيها الأمير، إن لكل شيء بصائر، والجهالة عمياء، وقد رفع الله قدرك عن أن يجهل أحد أمرك، وليس للمختصر المبلغ، ولا المعن المكثر المسقع، أن يتناول
[ ١٤٨ ]
واحد منهما حالك، ولا ينتهي إلى كل مالك، فقد عظمت عندنا بأبيك الرزية، وكثرت بك بعده لنا البقية، فأحسن الله مثوبتك، وجبر مصيبتك، وأمتنع بك رعيتك، وبعد هذا فأنا الذي أقول:
إذا ذكرتْ مُصِيبتَها قريشٌ بعبد الله أخضَلتِ الدُّمَوعَا
عليه، إنهّ حَدَثٌ جليلٌ فأظهرت التفجُّعَ والخضوعَا
فإن ذَكرت أبا بكْرٍ تراخَتْ بها الآمال وارتاحتْ جميعاَ
خليفة والدٍ أوْمَتْ إليه بنو فِهْر وكان لها قريعاَ
وقال مصعب بن عبد الله، يرثى أباه عبد الله بن مصعب، وعمه محمد ابن مصعب:
ألا قدْ أرى أن لاَ بقاءَ على الدَّهرِ وأن المناياَ يّطلِعْنَ مع الفَجْرِ
وأن غَدًا غادٍ عليكَ بحادثٍ وبعد غدٍ حتى تُساَق إلى القبرِ
أبعدَ أبي بكْرٍ إذا ما ذكرتُهُ دعتْهُ المنايا فاشتَعَبْنَ فتى الدهرِ
وبعد أخيه الخيرِ يَتْبَعُ إثْرَهُ أرجِّى ثَراءٍ أو أزالُ على وَحْرِ
مضى سَلَفُ الأيام في كل حادثٍ ولم أرَ يومًا مثلَ يوم أبي بكْرِ
أقلَّ عزاءً لامرئ ذي جَلادةٍ وأثلَجَ للمُسْتوغِرِ الحَسِكِ الصَّدْرِ
فلا يَهْنِئ الأعداء أن أخطَأَتْهُمُ صروف اللَّيالِي واختلاف يَدِ العَصْرِ
فقد حَسِبوا أن يجعلونا أكُولَةٌ بها لَطَفٌ بين الجآجئ والصَّدْرِ
[ ١٤٩ ]
فإن التي مَنَّيتُمُوها نفوسَكُمْ أبتْ الأعادي أن تَلين على القَسْرِ
ويأبَى لَها أن يُعْلفَ الضّيْمَ ربُّها غِضابُ الموالي يَدَّعُونَ إلى النَّصْرِ
متى أدعُ فيهم دعوةً آل ثابتٍ ترى المُعْصَباتِ الشُّوسَ تفرغُ بالسُّمْرِ
كأنّ الأسُودَ الزُّرْقَ ركّبْنَ فوقها بإرماحِهمِ بين الحَمَاحِمِ والزَّجْرِ
وقال محمد بن عبد الملك الأسدي، ثم الفقعسي، يرثي عبد الله ابن مصعب:
ذكرتُ أبا بكرٍ على حين أشرفتْ عليّ العَوَادِي والعيونُ اللوامِحُ
فقلتُ ولم أملِكْ سوابقَ عَبْرةٍ لَهَا وَشَلٌ من ذارِفِ الدمع سَافحُ
سقَى جدَثًا بين الحُزَانَةِ والرُّبَى رُبَى رَقّة الشأم الذِّهابُ الروائحُ
فماذا حَوَى من سُودَدٍ ومروءةٍ ومن شرفٍ تُطْوَى عليه الصفائحُ
وزيرُ الملوك وابنُهُمْ وأخوهُمُ وأكرم من ناحتْ عليه النَّوَائِحُ
كأنّ أبا بكرٍ أخا الجودِ لم تّزُرْ بِهِ حَرَم البيتِ العتاقُ الطلائِحُ
ولم يشهَدِ الأبطالَ في يوم غارةٍ يعومُ بِهِ طرْفٌ من الخيلِ سابِحُ
ولم يقرع البابَ الذي لا يرومُهُ وحاجبَهُ إلا القُروم الجحاجحُ
أألآنَ لمّا أسْنَدَ العِزُّ رُكْنَه إليكَ ومَاحتْكَ الدِّلاء الموائحُ
[ ١٥٠ ]
ذهبتَ وأخليتَ البلادَ وعُرِّيَتْ رِكابُ الوفودِ والأمورُ الفوادحُ
ألا قاتل اللهُ المَقَادير والمُنَى وطيرًا جَرَى منها سَنيح وباَرحُ
وإكذابيً الأخبارَ حتى تتابعتْ ونادى بها داعٍ عَدُوٌّ وكاشِحُ
وقولي لنفسِي: إنما الطيرُ هاجسٌ فدعْهاَ ولا تَذْعَرْك منها السَّوانحُ
فلما تبينّتُ اليقينَ وباحَ لي ببعض الذَّي قد كنتُ حاذَرت بائحُ
تجلّدتُ للأعداء ثُمّتَ عَزّني على الصبْر حُزْنٌ أضمرتْه الجوانحُ
فظِلْتُ تَجَلاَّني من الوجَد غَشْيَةٌ ومايَحَ من عَيْنَيّ دمعٌ مُمَايحُ
عَلَى رَجُلٍ أمّا نوافلُ جٌودِه فتُجْدِى، وأمّا الوجْهُ منه فَوَاضِحُ
وقال ابن أقيصر السلمي، يرثي عبد الله بن مصعب:
لعمرُكَ لا آسَى على هُلْكِ هالكٍ من الناسِ بعد الهِبْرِزيِّ ابنِ مُصْعبِ
فتًى كان للدنيا وللدّين عِصْمةً وللجار والمولَى الفقِير المعصَّبِ
تقَضَّتْ بعبد اله عنَّا غَضَارةٌ مِنَ العَيْشِ ما فيها لنا وجهَ مطْلَبِ
[ ١٥١ ]
وكانَ لنا رُكنًا نَلُوذُ بظهرِهِ إذا نحنُ خفْنَا حَد نابٍ ومخلَبِ
كريمٌ نماهُ للمكارمِ والعُلَى أبٌ ماجدُ الأعراق مَحْضُ المركَّبِ
فلَهْفي على ما فاَتَ من حُسْنِ هَدْيتهِ ومذهبِهِ للخير في كُلّ مَذّهَبِ
ولَهْفِي على القبر الذي غال وجهَهُ ولَهْفِي عليه من كريمٍ مُغَيَّبِ
لقد غيَّبَتْ منه المقابرُ سيِّدًا همُامًا جوادَ الكفّ غيرَ مُؤَنَّبِ
عليه سلام الله ما ذَرّ شارقٌ لِميقَاتِهِ أو حانَ وقْتٌ لمْغرِبِ
ولا زالَ مُنْهَلٌّ يُساقُ لقبرهِ حثيثُ العَزَالِي ذو رَبَابٍ وهَيْدَبِ
وقال عبد الله بن عمرو بن أبي صبح المزني، يرثي عبد الله ومحمدًا أبني مصعب بن ثابت:
قُلْ للأمير جزاهُ الله عارفَةً وأهِل وُدّي جميعًا من بني أسَدِ
إنِّي نذرتُ إنِ الرحمنُ سَلَّمَنِي حتى أقومَ صحيحًا غير ذِي أوَدِ
مَشْيًا بحقِّكُمُ حتَّى أؤَدّيهُ هل يُبْرِدَنْ ذلك من حَرٍ على كبدِي
أو يُنْشِرَنْ ذاك عبدَ الله لي أبدًا أو يُنْشِرَنْ لي أخاهُ آخِرَ الأبَدِ
[ ١٥٢ ]
إن يشمَتِ اليومَ حُسّادي بمَوْتهما فقد يموتون قبل اليوم من حَسَدِي
وقد أرانا وعبد الله يَحْمِلُنا كحامِلِ الغَيْث بين الغَوْر والنُّجُدِ
فإن جَزِعتُ فمثلُ الشرِّ أجزعَنِي وإن صبرتُ فأدنَى لي إلى الرَّشدِ
وإن شكرتُ فقد أبقى الإلهُ لَنَا خلائِقًا من بنيه ثُبَّتَ العَمَدِ
إن يُعقِب الله يومًا من مصيبتهِ فبالأمر، وإلاّ لجَّ بي كَمدِي
وقال حماش بن الأبرش الكلابي، يرثي عبد الله بن مصعب:
لقد كفّنُوا عند الخليفة منهُمُ فتًى كان لا يرضَى بضْيمٍ سَمَيْدَعَا
فتًى يرهبُ الأعداء جانبه الذي يكون به صعْبًا على القومِ أرْوَعَا
ولو جُمِع الأقوامُ إذْ أنتَ وسْطنَا لَما عَدَلُوا في موطنٍ بك إصبَعَا
فلا يحسَبِ الأعداء أن قَناتَهُمْ تلينُ وإن عضَّ الزمانُ فأوجَعَا
لقد بقيتْ منْهُمْ قناةٌ صَليَبةٌ ستَسْقِى عُدَاها السمَّ حتى تُضَلِّعَا
إذا مَا زُبَيْريٌّ مَضَى لسَبِيِلِهِ رَجَوْنَا زُبَيْريًّا وإن كان مُرْضَعَا
[ ١٥٣ ]
وقال أبو المشمعل، ويعرف بأبي المضاء كثير، مولى عبد الله ابن مصعب الزبيري، يرثيه:
بكيتُ أبا بكْرٍ وقد حِيلَ دُونَهُ وحُقَّ لأِن أبْكِي عليه وأجزَعَا
مضَى لا تُرَبِّى حُرةٌ فِي ثيابِهَا لَهُ شبَهًا ما عفَّتِ الريحُ أجرَعَا
وما طردَ الليلُ النَّهارَ وساقَهُ وما طَار قُمْريُّ الضُّحَى وتفجَّعَا
وما أستلَم البيتَ الحجيجُ وزارَهُ وما أذْمَلُوا العيسَ الحَراجيجَ خُضَّعَا
وما رحَلوها من بعيدٍ لِحَجَّةٍ وما تَهَمُوها سالماتٍ وظُلَّعَا
وسادَ معَدًّا ناشِئًا في شبابهِ وسَرَّ الذي ربَّى صغيرًا وأرضَعَا
[ ١٥٤ ]
وسادَ مَعَدًّا كلَّها في شبابهِ وزادَ عليها كُلهَّا إذْ ترعرَعَا
فأنَّى كعبد الله يُرْجَى لكُرْبَةٍ وأنَّى كعبد الله للضَّيْم مَدْفَعَا
يُنِيلُكَ ما لا يُدْركُ الناسُ بَذْلَهُ هَنيئًا وللعاتِي العُتَاهِيّ مِرْدَعَا
وأرزنُ عند الجهل من رُكْنِ حَالكٍ تَظَلُّ وتُمْسِي حَوْله الطيرُ وُقَّعَا
وأقطَعُ عند الحقّ من حَدَّ صارمٍ حُسَامٍ، وأحيَي من فتاةٍ وأودَعَا
وأجرأ عند البأسِ من سِيدِ غابَةٍ وأمضَى حِضَارَ الموتِ منه وأسرَعَا
فلمَّا انقضتْ سبعونَ كانتْ نُهًى لَهُ وزاد على السبعين أن كان أربَعَا
[ ١٥٥ ]
دَعَاهُ مليكٌ لا يُعَاصَي وقَدْرُه فوافَى وَفاءً بالجزيرةِ مَضْجَعَا
فيا لحُتوفِ الدِّهر إذ ما أصبْنَهُ ويا لكَ مصروعًا ويا لك مَصْرعَا
ويا كبدًا كادت من الوجْدِ لَوْعةً على أبن الحوَارِي بَغْتةً أن تصدَّعَا
ويا كبدًا إن ضنَّ مولًى برِفْدِه عليكَ، وسِيمَ الرَّغْمَ جهلًا فأسرَعَا
لعمري لقد هَدَّ المدينَةَ هُلْكُهُ ومكةَ والمِصْرين والشَّأْمَ أجْمَعَا
لعمري لقد عَضَّ الزمانُ وريْبُهُ قريشًا بنابٍ جَارحٍ ثم أوْجعَا
بِهُلْكِ ابن أسماءَ النجيبِ الذي بهِ تلوذُ، فأمْسَى أمْرُها قد تضعْضَعَا
فمن لليتاَمَى والأرَاِمِل بعدَه بطَيْبةَ والمولَى إذا كان مُقْطَعَا
حَوَى الدهُر عَنْهم نَفْعَهُ ونَوالَه جميعًا، فكُلٌّ نَفعُهُ قد ترفَّعَا
وأبو بكر بن عبد الله بن مصعب بن ثابت، أمه: أم عبد الله عبيدة بنت طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وأم طلحة
[ ١٥٦ ]
ابن عبد الله: عائشة بنت طلحة بن عبيد الله وأمها: أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وهي التي قال أبو بكر الصديق لعائشة بنت أبي بكر أم المؤمنين: " ذو بطن بنت خارجة " أمها: مليكة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير، من بلحارث بن الخزرج خارجة بن زيد، عقبى بدري، استشهد بأُحد.
وحمل الحديث عن أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وعن أبنتها عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، عن عائشة أم المؤمنين. وحمل الحديث عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.
وقال أبو بصير البكائي، يمدح طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق.
إنّ فَتَى تَيْمِ بن مُرّةَ لَلّذِي لِعائشة الصُّغْرى ولأبن أبي بكر
عائشة الصغرى: عائشة بنت طلحة، وعائشة الكبرى أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق.
[ ١٥٧ ]
ولطلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق يقول الحزين الديلي:
إن تَكُ يا طَلْحَ أفْقَرْتَنِي عُذَافِرَةً تستخِفُّ الضَّفَارَا
فما كانَ نَفُعك لي مَرَّةً ولا مرَّتيِن ولكنْ مِرَارَا
أبوك الذي صَدَّق المصطَفى وسَارَ مع المصطَفى حَيْثُ سارَا
وأمُّكَ بيضَاء تَيْميّةٌ إذا نُسِبَ الناسُ كانتْ نُضَارَا
حدثني الزبير قال، وحدثني من سمع محمد بن أبي ضرار السعدي،
[ ١٥٨ ]
من سعد بن بكر، يحدث عن سليمان بن عياش السعدي قال: قدم النظار الأصغر الأسدي، ثم الفقعسي، المدينة، فأعتمد دور القرشيين يسأل في جائحة أصابته، فلم يصنع به أحد شيئًا، حتى أتى طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق في داره دار أبي يسار، فشكا إليه مصيبته وما لقيه به الناس، وفي دار طلحة يومئذ خمس خليات كأنهن القباب، فقال له طلحة: يا أخا بني أسد، وما الذي يكفيك حتى أعطيكه ولا تذم قومي؟ فقال: خلاياك أولاء. قال: فهن لك. قال: فقال النظار:
قَرَعْنَا دُورهُمْ بَابًا فبابًا فخيرُ الدُّورِ دارُ أبي يَسَارِ
بها مِنْ سِرّ تَيْمٍ مَضْرَحِىٌّ يُهينُ كرائِمَ الكُوم العِشارِ
لِصِدِّيق النبيّ أبوه، بخْ بخْ وأمُّكُ بنتُ تَيَّار البحارِ
هما اجتمعا عليكَ فجئتَ خِرْقًا تُبارِى الرّيحَ من كَرَم النِّجَارِ
[ ١٥٩ ]
قال: وجعل النظار ينشدها في المسجد وفي الأسواق. فسمعه رجل من قريش قد أسماه فقال: هيا أعرابي، ما فضيلة دار طلحة على سائر الدور؟ فقال: بفضل ربها أرباب الدور، وإنما فضلهم بفضل أبيه آباءهم، أفعن كان طلحة جوادًا تعنف أخا بني أسد يا أخا قريش؟ فقال القرشي: لشيء ما قيل: لا تعرض الجواب.
وأم عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: قريبة الصغرى بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وأمها: عاتكة بنت عتبة ابن أبي ربيعة بن عبد شمس وأمها: صفية بنت أمية بن حارثة بن الأوقص بن مرة ابن هلال بن فالج بن ذكوان، من سليم وأمها: أمة بنت نوفل بن عبد مناف ابن قصي وأمها: قلابة بنت جابر بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ابن لؤي وأمها: تماضر بنت الحارث بن حبيب بن جذيمة بن مالك بن حسل ابن عامر بن لؤي.
ولأخيها هشام بن الحارث بن حبيب، يقول حسان بن ثابت
[ ١٦٠ ]
يمدحه في إمساكه دور من هاجر من قومه عليهم، ويذم بعض من باع دور من هاجر من قومهم:
أخنَى بنو خَلفٍ وأخنَى قُنْفُذٌ وابنُ الرَّبيع، وطابَ ثوبُ هِشامِ
من معشَرٍ لا يغدِرُون بذمّةٍ والحارثِ بن حُبَيِّب بن شِحامِ
[ ١٦١ ]
اضطرته القافية فقال لحبيب حبيب. و" شِحام "، وهو جذيمة بم مالك ابم حسل، كان يقال له شحام.
وكانت قريش قد استعملت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص على سفهائها، أو من أستعمله منهم، فأحدث الحارث بن أمية الأصغر حدثًا، فطلبه ففر منه، فهدم داره، فقال الحارث بن أمية في ذلك:
أفرِّزُ بالأباطِحِ كُلَّ يومٍ مخافَةَ أن يُشَرِّدَ بي حَكِيُم
[ ١٦٢ ]
وأم تماضر بنت الحارث بن حبيب: الصماء بنت سعيد ابن سهم وأمها: عاتكة بنت عبد العزي بن قصي وأمها: ريطة الكبرى بنت كعب بن سعد بن تيم بن مرة وأمها: قيلة بنت حذافة ابن جمح.
وكان أبو بكر بن عبد الله مصعب، ناب قريش ومدرهها شرفًا وبيانًا ولسانًا وجاهًا وأبهة، وحدبًا عليها، وبرًا بها، وحسن أثر عندها.
واستعمله أمير المؤمنين الرشيد على المدينة، فأقام عامله عليها اثنتي عشرة سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يومًا.
وكان أمير المؤمنين الرشيد به معجبًا، وإليه مفوضًا، وكان عنده وجيهًا أثيرًا، وأخرج لأهل المدينة على يديه نصف عطاء وكسوة وقسمًا في سنة إحدى وثمانين ومئة. وأخرج على يده في سنة ست وثمانين ومئة قسمًا لأهل المدينة كثيرًا. وأخرج على يديه ثلاثة أعطية وكسوة فاخرة في سنة ست وثمانين ومئة.
قال: فأخبرني عمران بن محمد بن مصعب بن محمد بن مصعب بن ثابت قال: أرسلني
[ ١٦٣ ]
أبو بكر بن عبد الله أقبض ثلاثة أعطية، وقد نزلوا ببيت مال أمير المؤمنين الرشيد، دار عائشة الصغرى، فقبضت منها ثلاثة أعطية، وذلك ألف ألف دينار ومئتا ألف دينار، كل عطاء أربعمئة ألف دينار.
وأخرج على يده في سنة ثمان وثمانين ومئة، نصف عطاء وكسوة وقسمًا كثيرًا.
وكان أمير المؤمنين الرشيد إذا كتب إليه كتب: " من عبد الله هارون أمير المؤمنين إلى أبي بكر بن عبد الله "، وكان محبًا له.
وكان عماله وجوه أهل المدينة فقهًا وعلمًا ومروءة وشرفًا. وقل بيت بالمدينة لم تدخل له صنيعة. وكان جوادًا، قوي السلطان، متفقدًا لمصالح العوام، شديدًا على أهل البدع.
حدثنا الزبير قال: أخبرني من سمع بعض أهل البادية بعد وفاته يذكره وأمان الناس في سلطانه، فيقول: أما والله لنعم راعي صريمة الأريملة كان أبو بكر.
[ ١٦٤ ]
وكانت العرب تسميه: " راعي المخاض "، لأمانها عليها في سلطانه. وإن بعير أحدهم ربما أقام عنه الأشهر ذات العدد لا يراه ولا يخاف عليه.
وفي ذلك يقول ابن أبي صبح المزني، يمدح أبا بكر ابن عبد الله:
أمْسىَ الحجازُ أمِنتْ أصْرامُهْ وصحَّ بَجْدٌ وبَرَا سَقامُهُ
رَقَّعَةُ وقد وَهَتْ أخصامُهُ بالعَدْلِ حتى سكنتْ عُرَّامُهُ
ثُمْتَ جادتْ بالنَّدى رِهامُهُ فهو كغيثٍ مُسْبِلٍ غَمَامُهُ
إرْزَامُهُ بالوَبْل وانهِزامُهُ ما فال فيه بَصَرٌ يَشَامُهُ
عدْلُ أبي بكْرٍ ولا سلاَمُهُ ولا الحَوَاريُّ ولا إقدامُهُ
[ ١٦٥ ]
وله أيضًا يقول عبد الله بن عمرو بن أبي صبح المزني:
كأنْ لم تَرَىْ غِبَّ ارتحالِي وغَيْبتي وعَرْفَ أبي بكْرٍ بِسَجْل على سَجْل
مَدحتُ أبا بكْرٍ فما خابَ عندهُ مديحي وما ألفيتُهُ عَنْه ذا شُغْلِ
وما كَذَبَتْنِي سُنَّحُ الطْير دونَهُ وما كذَبتْ رؤياي إذ نِمْتُ بالرَّمْلِ
أنخْتُ فلمّا مِلْتُ في نشوة الكَرَى رأيْتُ علىَّ الريشَ أخضَرَ كالبَقْلِ
وأبصرتُنِي أسمُو إلى البَدْرِ طالعًا وأعقِدُ في أسبابِ أحبُلهِ حبْلِى
وأغرفُ من فَيْضِ الفُراتِ وأكتفي من النِّيل عَبَّابًا فأسقِى به نَخْلِي
فُقلْتُ لأصحابي جَرَتْ طيرُ أسْعُدٍ لكُمْ فَوْتَ أعناقٍ الغُرَيْريّة الفُتْلِ
ورؤياك أخذَ الكفِّ بالكفِّ بَشَّرتْ بيومِ ندًى من ذي ندًى واسعِ الفضْلِ
متى تهبطُوا أرضَ الزُّبَيْريّ تُعْتِقوا خِشَاش المطاياَ من سَآمٍ ومن هَزْلِ
أثابَكَ عنَّا اللهُ حُسْنَ ثَوَابهِ بعدلِكَ في الأحكامٍ والخلُقِ الجَزْلِ
خَلَفتَ لنا الصدّيقَ تَهدِي كهَدْيهِ وهِدْىِ الزُّبَير حَذْوَك النعلَ بالنَّعْلِ
وسِرْت إلينا والبلاُد كأنَّها لِمَا غَبَّ من أدْوائها مِرْجَلٌ يَغْلِي
فداويتَها حتّى إذا ما شَفَيْتَها من الداء والتامَتْ جميعًا على العدْلِ
[ ١٦٦ ]
وطِئتَ على سِيسَائها فكأنَّمَا رسَا وَرِقَانُ فوقَها وقُرَى تُبْلِ
فأصبحتَ يا ابن الخير تنمِي إلى العُلَى على حَنَق الأعداء والحَدَقِ الشُّهْلِ
وإنّ أمير المؤمنين لعارفٌ غَناءَك عنْهُ في البلاء الذي تُبْلِى
وإنّي لمُثْنٍ بالذي قد فعَلْتُم بني ثابت في الناس ما أشْتَدَّ لي عَقْلِي
وإني لأدعُوكم إذا جَلَّ حادثٌ من الدهْرِ أو ضاقتْ بنا عُرْوة الحَبْل
وأعلَمْ لولا الزُّهْرُ من آل ثابتٍ لمرَّتْ ببعضِ القوْمِ خَفَّاقَةُ الرِّجْلِ
ولكنهم جادُوا وسادُوا وأنعمُوا وقادُوا وردُّوا بالندى طَيْرة الجَهْلِ
وماحُوا وراحوا بالندى حين لم تَرُحْ بدِرّتِها أمٌّ عَوَانٌ على طِفْلِ
وقال حماس بن الأبرش الكلابي المقعد، يمدح أبا بكر ابن عبد الله بن مصعب:
أبلغ أمير المؤمنين ودونَهُ أرضٌ يُخافُ بهَوْلِها أعْرَاضُها
[ ١٦٧ ]
إن الزُّبَيْري الذي استعملتَهُ فتّالُ مِرَّاتِ العِدَى نقّاضُها
رُفِضت وعُطّلتِ الحكومةُ قبلَهُ في آخرينَ وملَّها رُوَّاضُها
حتَّى إذا ماَ قامَ ألّفَ بينَها بالحقّ حتَّى جُمّعَتْ أرْفاضُها
مَرِضتْ قبائلُ قبلَهُ فرأيتُها شُفِيَتْ لصولَتِه بِها أمراضُها
وقال عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، في ولاية أبي بكر بن عبد الله بن مصعب الزبيري:
فلوْ علِم الطَّاهُر المصطَفَى بما بشّر الله من سِيَرتِهْ
لسُرَّ النبيُّ وفوق السُّرورِ بما نَشَغَ الله من سُنَّتِهْ
بنو عَمه قادةٌ الأنامِ بنو الهُدَى وبنو عّمِتهْ
هُما أختلجَا عِرْقَه كُلّهُ وقادا العِبَادَ إلى مِلّتِه
لِيَهْنِ الأميرَ جميلُ الثناء فإنِّي قَدَ أصبحْتُ من شِيعتِهْ
[ ١٦٨ ]
وقال خارجة بن فُلَيْح المللىُّ، يمدح أبا بكر بن عبد الله ابن مصعب:
بين البُرُوج أبو بكْرٍ ووالدُهُ حيث استوَى فوقَ طَرْف الناظِر القَمرُ
في منزلٍ بين مَضْحَى الشمسِ مُعْتَدِلٍ ومَخفَقِ النجْم يَعشُو دونَه البَصَرُ
أنتَ الإمامَ الذي بالبرّ نعرفُهُ اِعتامَهُ لدَوامِ النِّعْمة القَدَر
يوماك يومٌ تَعُمُّ الناسَ رأْفتُهُ ويومُ حُكْم لدين الله مُنْتَصِرُ
كم من يدٍ لكَ لا تَبْلَى صنيعَتُها مَرْهوبة الثَّدْى مَعْلولٍ بها البَشَرُ
تُضْحِى لديكَ جنودُ الرأيِ عاكفةً يعتامُها عكَرٌ من خلفها عَكَرُ
تسمُو بك الأرضُ عُلْوًا في مناكبها حيث انتَحَى بكَ من أقْطَارها قُطُرُ
أكرِمْ بأوَّلكُمْ في الناس من سَلَفٍ والآخِرينَ إذا ما عُدَّت الأخَرُ
إن يسبقُوك أبا بكرٍ بأسِّهِمُ تحت البِناء فقد شَيَّدتَ ما عمَرُوا
مُرَفَّهُ الشَّأْوِ سَبَّاق على مَهَلٍ مُسْتحصِدُ الرأيِ لا كَهْلٌ ولا غُمُرُ
[ ١٦٩ ]
مُسْتَعْجِمٌ عن أذاةِ القَوْمِ مَنْطِقُهُ مُسْتَسْمَعُ القَوْلِ لا دعِىٌّ ولا هَذَرُ
مَدَّ الزبيرُ له باعًا على شَرَفٍ مطهَّرُ البيت والقُطّانُ قد طَهرُوا
ما تدلُكُ الشمْسُ إلا حَذْوَ منكبِه في حَوْمةٍ تحتها الهاماتُ والقَصَرُ
آلُ الزَبْير نجُومٌ يُسْتَنَارُ بها إذا دَجَا الليل من ظَلْمائِهِ زَهَرُوا
قومٌ إذا شُورسُوا لَجَّ الشِّماسُ بهم ذاتَ العِنادِ وإنْ ياسرتَهُم يَسَروا
خُصَّ المديحَ أبا بكْرٍ ووالدَهُ وعُمَّهم منك إن غابوا وإن حَضروا
حدثنا الزبير قال: وقال أيضًا يمدح أبا بكر بن عبد الله ابن مصعب:
[ ١٧٠ ]
أرى البرقُ يدنُو من يدٍ مُصْعبَّيةٍ إليناَ ويذكُو في صَبِيرٍ مُنَضَّد
يدٌ عوّدتنا أن يرُوحَ غَمَامُها عليَنا بنَجْوٍ مُسْتَهِلٍ ويغتَدِي
بسَيْبِ أبي بكر نُفَادُ بِدَولة على سالفٍ من عيْشِنا غيرِ مُرْغِدِ
وما زال مَوْلِىَّ التحيَّةِ بالنَّدَى وما زال مشفوعَ النَّوال بموعِدِ
إذا هُزَّ هزَّتْهُ عُرُوقٌ كريمةٌ يؤُول إليها المجْدُ من كُلّ مَحْتِدِ
ترَى سُبُل المعروف نحو سِجَالِه عوامِرَ بالجادِين من كُلّ مَوْرِدِ
أغرُّ زبيريٌّ نَمَتْهُ جُدُودهُ بنو مالكٍ في بيت مَجْدٍ مُشيَّدِ
كأن على عِرْنيِتهِ وجَبيِنهِ شُعَاعْينِ لاحا من سِمَاكٍ وفرْقَدِ
لهُ نسَبٌ بين الزُّبيرِ وهاشمٍ رفيعٌ وصدِّيقِ النبيِّ محمَّدِ
هو السابقُ التالي أباهُ كما تلا أبوهُ أباهُ، سيَّدٌ وابنُ سِّيدِ
أهابُكَ إجلالًا وأرجوك للّتي تلينُ بها للراغبِ المتوَدّدِ
[ ١٧١ ]
لَهُ لَحْظةٌ فيها لنا اليَسْر بالغِنَى وأخرّى رَمُوقٌ للعَدُوِّ بَمرْصَدِ
لقد لاذ مْنُه العائدون من الرَّدَى بركْن منيع السَّاحتين مُؤَيَّدِ
لَهُ عَطَنٌ رَحْبٌ وحوضٌ وفارطٌ يَعُلُّ وُفودًا أولَهتْ بتوقُّدِ
وقال حماس بن الأبرش المقعد الكلابي، يمدح أبا بكر ابن عبد الله بن مصعب الزبيري:
ياَ ناقُ جِدّي واتركي التعرُّجَا فقد لقيتِ مغنمًا وفَرَجَا
إذا بلغتِ الملكَ المتوَّجاَ فاستبِطني في الصَّدْر منكِ ثَلَجَا
إنّ أبا بكرٍ إذا الجِبْسُ عَجَا وانشنَجتَ يميُنهُ تشنُّجَا
[ ١٧٢ ]
بحرُ بحُورٍ لم يكنْ مُمَزِّجَا نِعْمَ مُنَاخُ العِيسِ يشكُون الوَجَا
إلى ابن عبد الله ناقلنَ الدُّجَا والبُعْدَ حتى كلَّ منهنّ العُجَا
يطُلبْنَ نجمًا من قُريشٍ أبلجَا لا كَدِىَ الجُودِ ولا مُزَلَّجَا
أروعَ ذا قُدْموسِ مجدٍ أثبجَا لو خاصَمَ الناسَ وقد تحجَّجَا
بالمجدِ في آبائه لفلَجَا تسعَى تُحَيِّيه الملوكُ هَدَجَا
يبْدُو إذا سَحْقُ القميص أنْهَجَا وأنضَرَجَت أعطافُه تضَرُّجَا
لا مُقْرِفَ اللّوْنِ ولا مُهَبَّجَا ورُبّ راعِي هَجْمَةٍ قد أحرِجَا
بالقُفّ من تيماءَ أو تضجّجَا أو هَمَجَ الرَّمْلِ الذي تهمَّجَا
[ ١٧٣ ]
أو حيث دانَي من أضَاخٍ مَنْعِجَا أمَّنْتُه فبثَّها أو هَّيجَا
وهوَ عليها آمنٌ أن تُخْلَجَا فأصَبح الظّالمُ قد تحرَّجَا
خوفًا وما كان من الإثم نَجَا يا ابن حواريّ النبيّ المرْتَجَى
إني لآتيكَ ولوْ تَدَحْرُجَا زَحْفًا على كُوعِ يَدي أوْ زَلَجَا
حدثنا الزبير قال، وقال يحيى بن محمد بن مروان بن عبد الله ابن أبي سليط الأنصاري، يمدح أبا بكر بن عبد الله بن مصعب:
يا ابنَ الحواريّ وعبد المطّلِبْ وابنَ أبي بكر فبَخْ بَخْ لم تُشَبْ
[ ١٧٤ ]
أنتَ المُنَقَّى والمُصَفَّى في النَّسَبْ وأنت أنقى الناسِ عرضًا منْ وَكَبْ
آلَ الزبيرِ أنتُمُ أنْفُ العَرَبْ طِينَتكُمْ مِسْكٌ وأنتُم من ذَهَبْ
جوهَرةُ الياقوت لا خُوصُ الكَرَبْ وأنجمُ البطحاء في ماضي الحِقَبْ
والغيثُ في قَحْطِ الزمانِ واللَّزَبْ جِيبَتْ قريشٌ لَكُمُ جَوْبَ القُطُبْ
توسُّطًا في العَدِّ مِنْها والحَسَبْ
وقال أيضًا يحيى بن محمد بن مروان، يمدح أبا بكر بن عبد الله ابن مصعب:
عَمِرتْ بَحْرةُ الرَّسُول بمَحْضٍ كانَ من صُنْعِ ذي الجلال حُسَامَا
مصعبيٌّ كأنّهُ حين يَبْدُو قَمرُ الإضْحِيَانِ جَلىَّ الظّلامَا
[ ١٧٥ ]
فوقَ أنماطِهِ، إذا ما أجتَلَتْهُ أعينُ الناسِ نكَّسُوا إعظامَا
وأساخوا للحظَةٍ منه تمضِي بنوالٍ أو صَوْلةٍ اِنْتِقَامَا
ذاكَ من لا نَذُقْ له الدَّهرَ فَقْدًا لأبي بكرٍ اقرِئَاهُ السَّلامَا
فلقد سَرّني الذي طارَ عنْهُ من ثناء كالمِسْك فَضّ الخِتامَا
فرشَ الناسَ بالمدينةِ عَدْلًا والتحفْنَا أمانَهُ حين قَامَا
وأفَرَّ المُرِيبَ ذا الطِّنْء مِنْها وأنامَ البرئ فيها فَنَامَا
وقال أحمد بن موسى السلمي، ثم الشريدي، يمدح أبا بكر بن عبد الله بن مصعب الزبيري:
رأتْ خلفاء الله من آل هاشمٍ من الرأْيِ أن يُسْتأمَنُوا أو يُنَفَّلُوا
أخذتَ الذين استكبروا وتجبَّرُوا بحُكْم حدود الله حتى تَنَكَّلُوا
فرَأْىُ ابن عبد الله لا رأْىَ غيرُهُ عن النَّاس أجزَى في الأمور وأجزَلُ
[ ١٧٦ ]
ورأيُكَ من رَأى المشُيِرين كُلِّهِمْ غداةَ اختلاف الرأيِ أرْأي وأعدَلُ
إذا خَصْلتان أشكل الرأيُ فيهما فسَعْيُك في شِعْبِ التي هي أجمَلُ
وأبلخَ قد جلَّيتَ عنْه عَمايةً وقوّمتَه من زَيْغِهِ وهو أميلُ
ومُضْطَهَدٍ فرّجْتَ بالعدل كَرْبَهُ وأذهبتَ عنه بعد ما كاد يؤكَلُ
فأهْمَلَ واستَرْخَى عن المال كُلِّه وما كان يَسْتَرخِي وما كان يُهْمِل
وأغْبرَ قد جلّيْتَ عَنْه قَتَامَهُ فأصبَح ذا ثَرْبٍ وقد كاد يُهْزَلُ
أتاك وقد ضاقتْ عليه بلادُهُ فأعطيتَهُ فوق الذي جاء يسألُ
كشفَ صدورَ الناسِ عن كل قَرْحَةٍ وعن كُلّ داء في الصُّدور يُزَمَّلُ
وقال أيضًا يمدحه:
يا ابن الحوَاريِّ بك المَجَارُ من ظالِمٍ هِمَّتُهُ الضِّرارُ
والرَّوْغُ والتطويلُ والفِرارُ أنا امرؤٌ قد غَمَّنِي الإسارُ
[ ١٧٧ ]
حولًا وأفنَى ما لِيَ الإجارُ وهلك الدِّرْهَمُ والدينارُ
والشاهُ والبعيرُ والحمارُ سَلْ هل شكاني من مَعَدّ جارُ
وإنّما تُخْتَبَرُ الآثارُ إليكَ لمَّا ظَهَر السِّرَار
ألقتْ مقاليدَ النُّهَي نِزَارُ إذا الرّجالُ الحُلَماءُ طارُوا
جهلًا، فمنكَ الحِلْم والوَقَارُ
وقال جعفر بن مدرك الجعدي، يمدح أبا بكر بن عبد الله:
اعمِدْ أبا بكر كفَى لك منْ غِنًى إن تأتِهِ لاقيتَ ثَمَّ سُعُودَا
يا أبن الأطايب والجحاجحة الأولَى نالُوا مكارمَ مَا تُنَالُ قُعُودَا
حَسَرَ الرجالُ وقصَّرتُ أيديهمُ عمّا بلغتَ من الفَعَالٍ وليدَا
أحييتَ ما قد كانَ مات من النَّدَى وجعلتَ عُرْفكَ مَنْهَلًا مورُودَا
وقال إبراهيم بن يسار النساء، يمدح أبا بكر بن عبد الله، ولا نعلمُه مدح أحدًا غيره وغير عبد الله بن محمد بن عمران الطلحي، فقال يمدح أبا بكر بن عبد الله:
[ ١٧٨ ]
إنّ الزِّمَامَ زِمَامَ الخيرِ نعرفُهُ وابنَ الزِّمامِ زِمام الخيرِ بَكّارِ
لذلك أقسمتُ بالبيتِ العتيق ومن يَطَّافُ بالبيتِ من وَقْفٍ وزُوَّارِ
لا أخلِطُ الدَّهْرَ ودِّيكُمْ بغيركُمُ منْ يجعلُ الفضة البيضاءَ كالقارِ
حدثنا الزبير قال، أخبرني يحيى بن مسكين بن أيوب بن مخراق قال: حضرت أبا بكر بن عبد اله بن مصعب، جاءه أبن حراث، رجل من أهل المدينة، فأستعانه في زرع يريد أن يزرعه، فقال له أوب بكر: على كم تزرع؟ قال: على ناضحين. قال: فإذا زكا زرعك، كم يأتيك حبه، وبكم يأتيك تينه؟ قال: بكذا وكذا دينارًا وكثر على أفضل ما يأتي الزرع، فدعا له بثمن زرعه على ما تمنى فيه من الزكاء والغلاء، فقال له: هذا ثمن زرعك فخذه، فقد طرح الله ﷿ عنك مؤونة النضج. فأخذه ابن حراث وأنصرف وهو يقول:
طَابَ بَذْرِي في الزبيريّ وقَدْ يُنْجِبُ الزرعُ إذا طابَ البَلَدْ
لم يُصِبْنَا نَكَدٌ في زَرْعِنَا بل زرعْنَا في سَخَاخٍ وثَأَدْ
فحصَدْنا لم نُعَالْج نَضَحًا والذي ينضَحُ في عيشٍ نَكِدْ
[ ١٧٩ ]
وقال المؤمل بن طالوت، يمدح أبا بكر بن عبد الله:
إلى أبي بَكْر وما مَنْ زارَهُ بعائِلِ
خير امرئِ من غالبٍ لراكب أو راجِلِ
ترى الوفودَ عندهُ مِنْ قاربٍ وناهِل
والناسَ في أذْرائه مُخْتَلِطِي القبائِلِ
من راغبٍ وراهبٍ ونازلٍ وراحِلِ
لدَى أميرٍ عادِلٍ ما خبرٌ كعاذلِ
ولا بخيلٌ ممسِكٌ كذى فضولٍ باذِلِ
بدرُ قريشٍ والذي بَرَّز في المحافِل
ذو تُدْرَإٍ ومِدْرهٌ في كُلّ أمرٍ نازِل
[ ١٨٠ ]
وذو لقاء صادقٍ وذو وَفاءٍ فاضِلِ
ومُنْصِفٌ لا يتَّقِي في الله عَذْلَ العاذلِ
وراجحٌ لا تُمْتَرَي دِرَّتُهُ بالباطلِ
أبلجُ إن تَنْزِلْ به تنزِلْ بَبّرٍ واصلِ
بِقُلَّبِيّ حُوَّلٍ فيما عَنَى حُلاَحِلِ
مستقبِلٍ مُسْتدبِرٍ مُخالِطٍ مُزَايِل
لا فاحشٍ لا طائشٍ لا واهنٍ لا خاذِل
ليس بِخَبٍ خادعٍ ولا بِغِرٍ غافِلِ
ولا تراهُ قائلًا إلا بقولِ الفاعلِ
نِعْمَ الفتَى لخائفٍ ونِعْمَهُ لآمِلِ
ونِعْمَ راعي ما رَعَى منْ صابِرٍ وهامِلِ
ونِعْمَ مِسْعَارُ الوغَى في اليوم ذي البلابلِ
[ ١٨١ ]
جاءتْ به من غالبٍ شمسٌ لبدرٍ كاملِ
تَيْمّيةٌ بكْرِيَّةٌ في الحَوْم ذي الغياطلِ
لأسَدِيّ ماجِدٍ مُبارَك الشمائلِ
قَرْمٍ زُبَيْرِيٍ له قالت قريشٌ فاضِلِ
جَلْدٍ جميلٍ بارعٍ ماضٍ مُحَامٍ كاملِ
مُشهَّرٍ مقدَّمٍ مُقَاصرٍ مُطَاولِ
رَكّابِ أمرٍ مُصْعَبٍ خَوّاضِ هَوْلٍ هائلِ
كان ثِمالًا ثَامِلًا ومَعْقِلًا للعَاقلِ
وكان قَوّالًا إذا أفحِمَ كُلَّ قَائلِ
من فتيةٍ جَحَاجحٍ ما فيهمُ من خاملِ
كم أقعصُوا من مُتْرَفٍ وجبَروا منْ عائلِ
وكم أبادُوا من حِمًى ذي لَجَبَاتٍ آهلِ
بالخيل تَرْدِى في الوَغَى بكُلّ ليثٍ باسلِ
[ ١٨٢ ]
وقال المؤمل بن طالوت أيضًا يمدحه:
أنّ الخليفةَ لا فقدنَا وجْهَهُ هارونَ ليس من الأمور بنائمِ
شدّ المدينة حين خاف نُشُوزَها بأغرَّ من وَلَد الزُّبَيْرِ قُمَاقمِ
فكفى وأحكمَ أمرهَا بسياسةٍ وكانتْ مُباركةً وأمرٍ حازمِ
وتكشَّفتْ منه الأمورُ عن امرئ مُرِّ المريرة ذي قضاءٍ صارمِ
جمع النَّصيحة للإمام وإنَّهُ لا يَتَّقِى في الحقِّ لومة لائمِ
مَلْكٌ خُوَيْلِدُ حينَ يُنْسَبُ جدُّه ولَهُ صفيَّة جدّةٌ من هاشمِ
ومن الزُّبَيْر له فواضلُ جمّةٌ كانت دعائمهُنَّ خيرَ دعائمِ
ولَهُ من الفيَّاض طَلْحَةَ حُرْمَةٌ غَلْبَاءُ ذاتُ مناكبٍ وغلاَصِمِ
ومِن ابنِ أسماءَ المحافِظِ في الوَغَى ورث السَّنَاءَ وكُلَّ عزٍ دائمِ
وقال أبو المشمعل كثير مولى عبد الله بن مصعب، ويعرف بأبي المضاء، يمدح أبا بكر بن عبد الله بن مصعب:
ذكرتُ أبا بكْرٍ لِمَا بي ودونَهُ سَبَاسِبُ مَوْمَاةٍ من الأرض بلقعُ
إليك ابنَ عبد الله هاجَتْ مَطيّتي من السَّرْوِ أو غَوْرَيْ تِهامة تَهْبَعَ
[ ١٨٣ ]
وعندي ثناءٌ للكريم يزينُهُ وشَيْنٌ لِمنْ شاحَنْتُهُ لك أشنَعُ
إليك تشَكِّيَّ الزمانَ، وعَوْنَهُ عليّ، وخَلاَّتي التي كنتَ ترقَعُ
تُرَجَّى أيادي المُفْضِلينَ وسَيْبُهَا وتكفي الذي يرجُو نَوَالَكَ إصْبَعُ
جمعتَ خِصَالَ المجدِ حتّى حَوَيْتَهَا فليس لمن جاراك في الجودِ مَطْمَعُ
وما بلغ المُدَّاحُ ما فيك كُلَّهُ ولو وصفتْ جنٌّ وإنسٌ فأجمعُوا
تداركنا عَدْلُ الخليفة بعد مَا هَلِعْنَا وكِدْنَا خشيةَ الجَوْر نَخْلعُ
يَسُوقُ جميعَ الناسِ بالحقّ عّدْلُهُ سِيَاق صباحٍ ليلَهُ حين يَصْدَعُ
مُقيِمٌ قِوامَ الحقِّ أمّا عَتِيُّهُمْ فُيرْدَى وأمَّا ذا الضعيفُ فيُرْفعُ
أغرُّ زُبَيْريٌّ نجيبٌ كأنه صقيلٌ بأيدي الهْند والقلبُ أصْمَعُ
إذا جاودتْ يُمْنى يديه شِمالهُ أصابك منه نَائلٌ لا يُمَزَّعُ
له طينةٌ بيضاء من طِيبِ تُرْبِهاَ على الدَّهر لا تُكْدرِي ولا هي تَطْبَعُ
[ ١٨٤ ]
حدثنا الزبير قال، حدثني يحيى بن مسكين قال: أصبح أبو بكر بن عبد الله يومًا خاثرًا، فغمنا ذلك منه، فلما خلا قال له بعضنا: قد غمنا أصلحك الله خثورك منذ اليوم. فقال: إني سهوت أمس فأخللت بكلمة لحنت فيها، فما نمت البارحة غما بها، فذلك ما رأيتم من خثوري. قال: فبلغ ذلك عمرو بن عبد الرحمن بن عمرو بن سهل العامري فقال: والله لئن لم ينم تغممًا بلحنة سها عنها، إنه لنؤوم على غيظ الرجال! وله يقول ابن أبي صبح المزني، في لأرجوزته التي يقول فيها:
يا بَكرُ أدْعُوكَ وفيًّا صادِقاَ
ثم قال فيها:
وقد رأينا الحَلَقَ المَصَالقَا وهي تُسَامِي تُرْسِل الشقاشِقَا
إن نظرتْ يومًا إليه باسِقَا أو كَرَّ فيها ناظِرًا أو ناطِقَا
ألقَتْ على الأرْضِ له العَنَافِقَا
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن راشد قال: اختلف ما بين أبي بكر
[ ١٨٥ ]
ابن عبد الله بن مصعب، وبين أخيه مصعب بن عبد الله، فدخلت يومًا على مصعب ابن عبد الله، فوجدته يقول:
أيزْعُمُ أقوامٌ رمَوْهُ بظِنَّةٍ بأن سوفَ تأتيني عقاربُهُ تَسْرِي
ووَدّ رجالٌ لو تمادَتْ بنا الخُطَى إلى الغَيِّ أو تُلْقَي علانيةً تَجْرِي
أبتْ رَحِمٌ أطّتْ لَنَا مثرْجَحِنَّةٌ أمانِي العُدَى والكاشح الحَسِكِ الصَّدْر
فقُلْ لوُشَاة النّاسِ لن تُذْهِبَ الرُّقَى ولا نافثاتُ السِّحْر وُدَّ أبي بَكْرِ
قال: فترويتها، ثم خرجت حتى استأذنت على أبي بكر فحدثته عن مدخلي على أخيه مصعب، وأنشدته شعره هذا، فرق وبكى حتى نشف دموعه بمنديلٍ، فأمرني فجئته به، فكان ذلك صلحًا بينهما.
وقال أبو المضاء مولى عبد الله بن مصعب، يترضىض أبا بكر ابن عبد الله من موجدة وجدها عليه:
أمولايَ إنّي قد جُفِيتُ وشفَّنِي حوادِثُ جَمٌّ شَعْبُها المتشاجِرُ
ولَسْتُ بذي ذنبٍ فَيُولَى بذنْبِهِ وليسَ لذي ذنبٍ إذا فاتَ عاذِرُ
ولستُ بناسٍ مِنْكُمُ فَضْلَ مِنَّةٍ علىَّ ولكَّنِي بها الدَّهرَ شاكِرُ
ولستَ مُخَيفًا من أجرْتَ ولو وَهَى ولا ماجيًا منكَ الشَّموسُ المحاذِرُ
[ ١٨٦ ]
ولا قاطِعًا وُدًّا إذا مَا وصلْتَهُ ولا طالبًا بالوُدّ منْ هُوَ نافِرُ
ولا ناقِصًا حُكْمًا إذا ما حَكَمْتَهُ ولو نُقِضَتْ بعدَ الحُكومِ المرائِرُ
فدًى لكَ نفسِي والعِظامُ ومُخُّها وما جَنَّ صدري كُلُّهُ والضمائِرُ
أتنزِعُ منّي نائِلًا قد بذلتَهُ ولي خَطَرتْ قبل النَّوالِ الخواطِرُ
وقال إسماعيل بن يعقوب التيمي، يمدح أبا بكر بن عبد الله ابن مصعب، ويهجو رجلًا:
أضْحَتْ نجومُ بني الزُّبيْر مُضِيئةً ورُمِى بنجْمِ أبيك في البَحْرِ
وإذا تنكَّرَت البلادُ على امرِئ نادَى لحاجتِه أبا بَكْرِ
وتوفي أبو بكر بن عبد الله بن مصعب ليلة الاثنين لعشر ليال بقين من شهر ربيع الآخر، من سنة خمس وتسعين ومئة، فقال مصعب بن عبد الله ابن مصعب يرثيه:
تولَّى أبو بكْرٍ حَميدًا وأصبحَتْ رقابٌ تَسَامَي بعد ما كُنَّ خُضَّعَا
فَقُلْ في غدٍ إمّا تعجَّلْتَ قِيلَهُ لِعَاتٍ عُتَاهِيّ إذا عَضّ أوجعَا
أزِحْ أزَمَاتِ العَضِّ إن أنت لم تَجِدْ لنابَيْكَ في ذِي رِمّة القبرِ مَقْطَعَا
[ ١٨٧ ]
كأنّ الذُّرى من ثافِلٍ قُلّعتْ بِهِ عشَّيةَ لما زالَ عَنْهم فودذَعَا
وكان متَى يُسْأَلِ الحقَّ يُعْطِهِ هَنيئًا ويُنْكِى حَدُّهُ منْ تَتَرّعَا
وأنْوَكَ رَكّاضٍ إلى الغَيّ رُعْتَهُ على حينَ أن جَدَّ اعتزامًا وأوضَعَا
بمَسْمُومةٍ ممّا تخيَّرت العِدَى صِيَابٍ، شَبَاها خالط السَّمَّ مُنْقَعَا
وقد قلتُ إياك التي لا شَوَى لَهَا من اللائِى يُجزَي مثلَها القَرْضَ أشْنَعَا
فلمّا أبَى أهتالَتْ له وهو راغِمٌ يدَاكَ الهَصُورانِ الوفاءَ المَنزَّعَا
وقد كُنْتَ ممّا تَغْفِرُ الذنبَ قُدْرةً وتمنَعً هَوْنًا ما أردْتَ لِتَمْنَعَا
وقال محمد بن الضحاك بن عثمان الحزامي، يبكيه:
قُلْ للَّذِين تباشَرُوا بنَعِيِّهِ ضَيْرٌ على الرجُل المُجَنّ قليلُ
ما مَات حتى لم يَدَعْ ذَحْلًا لَهُ وعليه منْ تِرَةِ الرجالِ ذُحُولُ
وقال جعفر بن حسين اللهبي، يرثيه:
[ ١٨٨ ]
ألا قدْ أرَى أن لا بقيَّةَ للدَّهْرِ ولا خيرَ في الأيَّام بعدَ أبي بَكْرِ
أبعدَ ابن عبد اللهِ أبكى لهالكٍ وأحفِلُ ما تأتي به نَوْبَةُ الدهْرِ
قَريعِ بني فِهْرٍ وحامِي ذِمارِهَا وسبَّاقِ غايات المكارمِ من فِهْرِ
ثَوَى بين أطْباقِ التُّرَاب مُخلَّفًا بمُوحِشةٍ غبراءَ مُظْلمِةِ القَعْرِ
لقد ضَمَّ ذاك القبرُ حِلْمًا ونائلًا سَقَتْهُ الغيوثُ المسْتَهِلَّةُ من قَبْرِ
أقامَ به مَنْ هدَّ رُكْنِي مُقَامُهُ وغادَر أحزانًا تَجدَّدُ في صَدْرِي
ولو نالَ بالمجْدِ السّلامةَ واحدٌ فخُلِّد في الدُّنْيا خَلَدْتَ إلى الحَشرِ
فإن تكُنِ الأيّامِ نالك رَيْبُها فواراك منضُودٌ من التُّرْب والصخْرِ
وأخْنَى عليك الدهرُ من بعد عِزّةٍ فصِرْتَ غريبَ الدَّارِ بالمنزلِ القَفْرِ
فأشهدُ أنْ قد فُتَّ بالوِتر أهلهُ ومَا فاتكَ الأعداءُ إذْ مُتَّ بالوِتْرِ
ولا ضاعَ ثَغْرٌ كنت أنت سِدادهُ ولا لأنَ عند العَجْمِ عُودُك للكسْرِ
وأنْ كنتَ في الدُّنيا جمالًا ومَعْقِلًا تُسَاجِلُ من سَاجلتَ في العُرْفِ والنُّكْرِ
عَطُوفًا على القُرْبَى ثقيلًا على العِدَى جوادًا لدَى المِقْرَى تَريش ولا تبْرِي
تُجازِى أخَا الوُدّ الكريمَ بوُدّهِ وتَجْرحُ بالنَّابِ العَدُوَّ وبالظُّفْرِ
وكم من فقيرٍ قد جَبْرتَ وعائلٍ وكم مِنْ أسيرٍ قد فَككْتَ من الأسْرِ
وأرمَلَةٍ تبكِي عليكَ وصِبْيَةٍ بوجْهِك كانوا يأمنونَ من الفقْرِ
فإن يقطع اليأسُ الرَّجَا ويفُوتُنا بك الدَّهْرُ يا ذا الجُودِ والنائل الغَمْرِ
فمنْ لِقراعِ الخَصْمِ في يَوْمِ مَأقِطٍ تَسامَى لهُ الأبْصَارُ بالنَّظَر الشَّزْرِ
[ ١٨٩ ]
ومن لِطَرادِ الخليلِ في حَوْمة الوَغَى إذا أفترَّ نابُ الحْرب عن عُصُلٍ كُشْرِ
ودارت رَحَاها واستطارَ شرارُهَا وأبرَزَتِ البِيضُ الخِدَامَ من الذُّعْرِ
ومن يحمِلُ الجُلَّى ويهتضِمُ العِدَى ويَحْنُو على الَموْلَى ويَجْبُرُ ذا الكَسْرِ
وقال عباد بن عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، يرثي أبا بكر بن عبد الله:
لقَدْ هَدَّ رُكْنِي حينَ أنْ لِيَ حُقِّقتْ وَفاُة أبي بكْرٍ وفارقنِي صَبْرِي
وأوحشتِ الدُّنْيَا وبان أكتئابُها وضاقت بمنْ فيها لفَقْد أبي بَكْرِ
فيا عينُ بكِّى ذا السَّماَحةِ والنَّدَى وذا العُرْفِ والإحسان نابَ بني فِهْرِ
فقد كانَ مأمولًا يُخَاف ويُرْتَجَي وَصُولًا لأسباب القرابَةِ والصِّهْرِ
يَعُودُ إلى المولَى ويَحْمِلُ كَلَّهُ ويكفيهِ أحداثَ النوائبِ والدَّهرِ
هو السِّيدُ المفقود، كانتْ وفاتُهُ مُصَابًا لأهْلِ الله في البَرِّ والبَحْرِ
وقال يحيى بن الزبير بن عمرو بن عمرو بن الزبير، يرثى أبا بكر ابن عبد الله:
لَمْ يُغْرِقِ الواصفُ المختارُ في صِفَةٍ أقصَى مَدَى غايةِ الإحسانِ والكرَمِ
[ ١٩٠ ]
أنْ قالَ ذاك لبَكْرٍ خالِصٌ أبدًا دونَ البريّةِ من مُقْصّى وذِي قَدَمِ
يَا واصِلَ الرَّحمِ المقطوعِ ما وَصَلتْ منكَ القرابةُ بالإفضالِ والنِّعَمِ
قد قلتُ حين توَلَّوا مُسْرعِينَ بِهِ نَحْوَ البقيِع ألاَ للهِ مِنْ رَجَمِ
لو يعلُم المَيْتُ ما يَلْقَي المُصَابُ بِهِ عَلِمتَ أنِّيَ ذو حظٍ من الألَمِ
إن تُمْسِ رَهْنَ ضَرِيحٍ وسْطَ بَلْقَعَةٍ فقد تكُونُ لنَا حِرْزًا من العَدَمِ
كُنْتَ النجيبَ ومَلْجّا في الخُطُوبِ لنَا يَجْلُو جبينُك عَنَّا حالكَ الظُّلَمِ
أورثتنا المجدَ مجدًا لا يدافِعُهُ ضِدٌّ عَدُوٌّ كثير الفنّ في الكَلِمِ
إلاّ بما قد يقول الناسُ كُلُّهُمُ زَاَلتْ ذُرَى أجَأٍ والفِنْدُ من خِيَمِ
وقال يعقوب ابن إسحاق المخزومي، من ولد عبد الرحمن بن أبي ربيعة ابن المغيرة، يرثي أبا بكر بن عبد الله الزبيري:
ولَّى أبو بكْرٍ فُقلْتُ وقَدْ ولَّى ودمعِي مُخْضِلٌ سَجْلُ
إن يَنْسَكَ الإخوان والأهلُ أو يُنْسَ منك الشخْصُ والفِعْلُ
فلقد غَنِيتَ وأنت أكمَلُ أهْلِ الأرض مَالك فيهمُ مِثْلُ
[ ١٩١ ]
متصرّفًا للحمْدِ محتمِلًا للِثِّقْل فِعْلُك فاصلٌ جَزْلُ
وقال أيضًا يرثيه: مَنْ لحمْلِ العظيمِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ ومن للقريبِ أو للبعيدِ بعد ذي المجد والفعَالِ أبي بكرٍ وذي العُرْفِ والفقيدِ الحميدِ كان للجار واليتاَمَى وللسَّفْرِ وللمُجْتدِي وللمجْهُودِ فثَوَى بالبَقيع في قعْرِ رَمْسٍ تعتفيه الأرواحُ في مَلحودِ يا لهَا من مُصيبَةٍ ليس ما قد كانَ مِنْها براجِعٍ مَرْدُودِ عينِ فأبِكي على الكريم المُصَفَّى والمَهِيبِ المهذَّب الصِّنديدِ واذكرى ما دَهَاكِ من حَدَثِ الدَّهْرِ وأذرى الدُّموعَ سحُّا وجُودي وإذا كفَّكِ المُعَزُّونَ عن فَيْضِ دُمُوعٍ فجدِّديها وزِيدِي إن يَفُتْنِي بكَ الزَّمانُ أبا بكْرٍ فقد نالَ رَيْبُهُ مَجُهودِي وقال عمر بن عبد العزيز الديلي، يرثيه:
يا لَ الرِّجال ليومِ سَوْءٍ عارمٍ فجَعَ الحجازَ برَوْنقِ الأقوامِ
ولَّي أبو بكْرٍ وكان مُدَافعًا عَضْبَ الشَّكيمةِ حَاسِرَ الإقدامِ
يأتي المشارقَ والمغاربَ هُلْكُهُ فلسوفَ تفقدُهُ على استعجامِ
[ ١٩٢ ]
ولَوُ أنْطِقَتْ لَتَفجَّعتْ لنَعِيِّهِ نُجْدُ البلاد وغَوْرُ كُلّ تَهَامِ
إنّ الجراءة والسماحَ كِلَيهما جُمِعَا لَهُ وتوقُّرُ الإسلامِ
يأتي الخليفةَ أنّ حامل نُصْحِهِ يُحْثَى عليه التُّرْب بين الهَامِ
طُوبَى لأعراقٍ هناك وبَهْجةٍ ووِلادةٍ زَخَرَتْ به وعِظامِ
ومَهابةٍ وجَلادةٍ ودَمَاثةٍ وصَرَامة في المَأْزِقِ القَمْقامِ
يا ابن الحَوارِي قد تركتَ بلادنا عُطُلًا عليها غُبْرَة الإقتامِ
قد كنتَ للجادِي الغريبِ ومن له رحِمٌ وكنت لدَرْدَقِ الأيتامِ
فأذْهب فقيدًا قد عَمِرْتَ بنِعمةٍ غَيْداقةٍ وغَنِيتَ غيرَ كَهَامِ
ما ضَرَّ ذا الرجُلَ المفلَّجَ عُمْرُه أن قِيل فاضتْ مُهْجَةٌ لِحِمَامِ
قد كانَ طَلاَّبَ التِّراتِ مُظفَّرًا وتَّارَ أقوام أولِى أجْرَامِ
فسقى الإلهُ ضريحَهُ متهلِّلًا سَحًّا يُسَلْسَل من متُون غَمامِ
وقال أبو ميمون البكائي يرثيه:
[ ١٩٣ ]
زارَ القبورَ أبو بكْرٍ وما بلغَتْ منْهُ العُدَاةُ الذي رامُوا وما انتَصَرُوا
كان السِّمَام لأعداء إذا بَرَزوا وللصديقِ حَيًا ما أخلفَ المَطرُ
أذهَبْ إليك فقد فارقتَ مُفْتقَدًا يا ابنَ الحواريّ منك الجودُ والظَّفَرُ
سَهْلًا لمن يبتغِي المعروفَ جانِبُهُ ماضِي الجَنَانِ إذا ما ضاقت الثُّغَرُ
لو كانَ صُوّرَ سيفًا قبلَهُ رجُلٌ لكان صُورتَه الصَّمصامُة الذكَرُ
يُدِيرُ عينَيْ قُطّامِيٍ بمَرْقَبَةٍ في مَرْكَضِ الطَّرْفِ لا وَقْرٌ ولا عَوَرُ
عليه نورٌ يُجَلى حين تُبْصِرُه كما يُجّلِّى دُجَى ظَلْمَائه القمَرُ
لِيَبْكِهِ مُرْمِلٌ طاوٍ حقيبتَهُ ومستغيثٌ بنَصْرٍ ليسَ ينتَصِرُ
وقال عمران بن محمد بن مصعب بن ثابت، يرثيه:
ألا هَلْ هاجَكَ النّاعِي المُشِيدُ غداةَ نَعَى وأسْرَتُه شُهودُ
[ ١٩٤ ]
زُبَيْريًا يزيدُ عن التَّنَاهي فليسَ بمُنْتهٍ أبدًا يزيدُ
كريمٌ لا نوافِلُهُ صِغارٌ غزيرُ الجودِ خابطُهُ سَعِيدُ
أبِيٌّ للأبَاةِ من قُصَيٍ تَحُلُّ به على العِلَلِ الوفودُ
فلَهْفي لَوْ يُعَمَّرُ فَرْعُ فِهْرٍ بمَنْعَةِ معشرٍ لهُمُ عديدُ
يُصال بدونِ صَوْلته فيأتِي على رَغْمٍ وإن كرِهَ العَنُودُ
لأخْلِدَ خالدًا أبدًا لدينَا أبو بكْرٍ لعمَّرَهُ الخُلُودُ
وإمّا قال قائلنا: أنيلُوا فجودٌ لاَ يُعَدُّ إليه جُودُ
وإما قال قائلنا: تعالَوْا أتى الهيجَا مَسَاعيرٌ أسُودُ
ترى فُرْساننا لَهِجُوا بضَرْبٍ تَزايَلَ حينَ خالطَهُ الحديدُ
وكُلُّ مَناقبِ الخيراتِ فينَا بَدِئ بَدِيعِها وبِنا تَعُودُ
تَرى كُلّ البريَّة إن غَضبنَا غَضَابَي مُذْعنينَ لما نُرِيدُ
فمن ذا بعدنا لمّا أحِلَّتْ بسَاحتنا المنَّيةُ لا يبيدُ
فلا يبعَدْ أبو بكرٍ ورَوْحٌ عليه وبعدَهُ البُعْدُ البعيدُ
[ ١٩٥ ]
فقِدْمًا كان محتمِلًا حميدًا ألا لاَ يَبْعَدِ الرجُل الحميدُ
وقال عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الوهاب بن يحيى بن عباد ابن عبد الله بن الزبير، يرثيه:
عجبًا لريْبِ حوادث الدَّهرِ وتقلُّب الأيّامِ والأمْرِ
ما إن يَفُوتُ بقُوّةٍ أحدٌ يَغْدُو على البادِين والحَضْرِ
والموتُ ترمينا فجائُعُه بنوافذٍ كتلهُّبِ الجَمْرِ
من كان في حِرْزٍ أحاط بِهِ ويُحيطُ بالعَصْماءِ في الصَّخْرِ
لا شيءَ يُخْلُدِه لعّزٍ ثابتٍ ولو كانَ ذاك لكان في الحَبْرِ
قد تمَّ فيه كلّ ما جَمَع الفتَى من خيرهِ أعني أبا بَكْرِ
أعني الذي كانت تدين لَهُ بالفضل عند تحجُّرِ القطْرِ
عُلْيا مَعَدَّ وكان يسمُو للعُلى فوق التي تُعتامُ للفخرِ
جَمع السوابق والفواضل والنَّدَى يَهدِي بخير شرائِعِ البِرِّ
وإذا قريشُ تنَاسبت أكفاؤها ونُسِبْتَ كنت كصَفْوةِ التِّبْرِ
لذَوِي القرابة واصلٌ مُتعطِّفٌ تحنُو على الأرْحامِ والصِّهْرِ
تُرْجَى لكُلِّ مُلِمّةٍ عَظُمتْ عالي الفَعال ومنتهى الذّكْرِ
فَيَؤُوبُ محمودًا كريمًا مُفْضِلًا قد حَازَ ما فيها من الأجْرِ
[ ١٩٦ ]
قل للّذِين لهُمْ غداةَ نَعِيِّهِ زَجَلٌ يزيدُهُمُ على البِشْرِ
لن تَعدِلُوا في طول دهركُمُ مِنْهُ كمثل قُلاَمة الظَّفْرِ
ما إن لَهُ عِدْلٌ سَمِعْتُ بِه في كُلّ نائبةٍ من الدَّهرِ
مَأوَى الأراملِ واليَتَامَى عنده في كل آزمَةٍ من الغُبْرِ
سَبَقَ العباد بكُلّ أمرٍ زائِن فلقد رُزِيناهُ على قَدْر
لو عَدَّ عُدَّادُ البريّة كُلّهم ما فيه عند اليُسْرِ والعُسْرِ
من كُلّ مكرُمَةٍ ووعدٍ صادقٍ لم يأتِ عدُّهُمُ على العُشْرِ
عجبًا لعيني كيف لا تُذْرِي دمًا يجري على الخدَّين والصَّدْرِ
ولقد ذكرتُ بدمع عينِي إذوَنَي بيتين قِيلاَ قبلُ في الشّعْرِ
فلئن بكيناهُ فحقَّ لنَا ولئن تركنا ذاك للكُبْرِ
فلمثلِهِ بكت العيون دمًا ولمثله جَمدَتْ فلم تَجْرِ
يتلوه في الجزء الذي يليه: ومصعب بن عبد الله بن مصعب، وأمه أمة الجبار بنت إبراهيم ابن جعفر بن مصعب بن عبد الزبير.
الحمد لله وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الأكرمين.
[ ١٩٧ ]