يحيى، ومحمد، وعثمان، بنو عروة بن الزبير وأمهم: أم يحيى بنت الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس.
[ ٢٧٦ ]
كان محمد بن عروة جميلًا بارع الجمال. وأنشدني مصعب " بن عثمان للأخطل يضرب بجماله المثل ":
تُكلفّني فتَاةُ بني نُمَيْرٍ ولو كانَ ابن عروةَ ما رَجَاهَا
وكان أحلى ولد عروة في صدره.
وروى عنه ابن شهاب عن أبيه.
وتوفى بالشأم مع أبيه.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري: أن عروة بن الزبير تخلف يومًا عن الدخول على الوليد بن عبد الملك، فأمر أبنه محمدًا بالدخول عليه، وكان حسن الوجه، فدخل عليه، وله غيدرتان، في ثياب وشىٍ، وهو يتبختر يضرب بيديه، فقال الوليد: هكذا والله التغطرف، وهكذا تكون فتيان قريش! فعانه. فقام من الليل متوسنًا، فوقع في إصطبل الدواب، فلم تزل تطوه حتى مات.
[ ٢٧٧ ]
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: توفي محمد بن عروة مع أبيه، وعروة يومئذ عند الوليد بن عبد الملك، وفي ذلك السفر أصيبت رجل عروة. وكان محمد بن عروة من أحسن الناس، وكان عروة يحبه حبًا شديدًا. قال: فنام محمد بن عروة على سطح فيه جلى، فقام من الليل فسقط من الجلي في إصطبل الدواب، فتخبطته حتى مات. وكان الماجشون مع عروة بالشأم، فكره أصحاب عروة وغلمانه أن يخبروه خبره، فذهبوا إلى الماجشون فأخبروه. فجاء من ليلته فأستأذن على عروة، فأذن له في مصلاه، فقال له: هذه الساعة! قال: نعم، يا أبا عبد الله، طال الثواء وذكرت الموت، وزهدت في كثير مما كنت أطلب، وخطر ببالي ذكر من مضى من القرون قبلي. فجعل الماجشون يذكر فناء الناس وما مضى، ويزهد في الدنيا، ويذكر بالآخرة، حتى أوجس عروة فقال: قل فيما تريد، فإنما قام من عندي محمد آنفًا! فمضى في قصته ولم يذكر شيئًا، ففطن عروة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، واحتسبت محمدًا عند الله. فعزاه الماجشون عليه، وأخبره بموته.
قال الزبير: فأنشدتني أم كلثوم بنت عثمان بن مصعب بن عروة، لعبد الله بن عروة يرثى أخاه محمدًا:
مَا بالُ عَيْنِي لا تَنامُ كأنَّما لُذِعَتْ بواطِنُ مَدْمَعي بِشِهابِ
[ ٢٧٨ ]
تبكِي على نفرٍ أصِيبَ سَرَاتُهم من بين مُكْتَهِلٍ وبين شَبابِ
تبكِي ميتًا هالكًا سَمْحَ السَّجيّةِ طاهرَ الأثْوابِ
لا يَجْتَويِهِ جارُهُ ونزيلُهُ ويَذِلُّ للقُرْبَى بغير عِتَابِ
لو كنت أعْلمُ أنّ حَتْفَكَ عاجلٌ لقَضَيْتُ من أرَبٍ إليك جَوَابي
كانت منيّتُهُ برَمْحَه بَغْلَةٍ قدَرًا فسِيقَ لِمُكْتِبِ الكُتَّابِ
حدثنا الزبير قال، وأنشدني عمي مصعب بن عبد الله، ومصعب ابن عثمان، لإسماعيل بن يسار النساء، يرثى محمد بن عروة بن الزبير، يزيد أحدهما على صاحبه:
تِلكَ عَرْسى رَامَتْ سَفاهًا فَرَاقي واسْتَملَّتْ فَما تُواتِى عِنَاقِي
زعمتْ أنَّها مِلاَكي مَعَ المَا لِ وأنّي مُحَالِفُ الإملاقِ
[ ٢٧٩ ]
ثم نامَتْ عُيونُها بَعْدَ وَهْنٍ حُشِى الصّابَ جَفْنُها والمآقِي
وتناسَتْ مُصِيبَةً بدِمَشْقٍ أشخَصَتْ مُهْجَتِي فُوَيْقَ الترَاقِي
يوم أدْنَوْا إلى ابن عُرْوَة نَعْشًا بين أيْدِي الرِّجالِ والأعْناقِ
فأسْتَقَلُّوا به سِراعًا إلى القَبْرِ ومَا إنْ يَحُثُّهم من سِباقِ
لِمَقَامٍ زَلْخٍ فلما أجَنُّوا شَخْصَه وارتَقَوْا ولَيْس بِرَاقِي
كِدْتُ أقضِي الحياةَ إذ غيَّبُوهُ فِي ضَرِيحٍ مُرَاصَفِ الأطباقِ
[ ٢٨٠ ]
فاعْتَراني الأسَى عليه بوَجْدٍ سَدَّ مكبوتُهُ مَجِيء الفُوَاقِ
فتَولّيتُ مُوجَعًا قد شَجانِي قُرْبُ عَهْدٍ به وبعدُ تلاقِي
عارفًا بالزَّمانِ أعلُم أنّي لابسٌ حُلّةً بعيشٍ رَمَاقِ
ولَعَمْرِي لقد أصِبْتُ بفَرْعٍ ثَاقِبِ الزَّنْد مَاجِد الأعْراقِ
ولقد كنتُ للحُتُوفِ عَلَيه مُشْفِقًا لو أعاذَه إشفاقِي
فإذَا الموتُ لا يُرَدُّ بحِرْصٍ من حرِيصٍ ولا برُقْيَهِ رَاقِي
وغَنِينَا كابْنَي نُوَيرةَ إذْ عَا شَا جَميعًا بغِبْطٍة واتِّفَاقِ
قال، وأنشدني مصعب بن عثمان، لإسماعيل بن يسار النساء، يرثي محمد بن عروة بن الزبير:
وأرَى الوُفودَ لَدَى المنازلِ من مِنًى شهدوا، وأنّك غائِبٌ لم تَشْهَدِ
صلَّى الإلهُ على امرِئ غَادَرْتُهُ بالشَأمِ في جَدَثِ الضَّريحِ المُلْحَدِ
[ ٢٨١ ]
بوّأتُه بِيَديّ دارَ مُقامةٍ نَائِى المَحَلّة عن مَزَارِ العُوّدِ
أعني ابنَ عروةَ، إنَّه قَدْ هدَّني فَقْدُ ابن عُروةَ هَدّةً لم تَقْصِدِ
وغَبَرتُ أعوِلُهُ وقد أسلمتُه لشَبَا الأماعِزِ والصفيحِ المُسْنَدِ
مُتَخَشِّعًا للدهرِ ألبَسُ حُلَّةً في النائباتِ بَعوْلةٍ وتبُّلدِ
فإذا ذَهبتُ إلى العزاءِ أرومُهُ لأرِى المكاشحَ بالعزاء تجلُّدِي
مَنَع التعَزِّي أنَّنِي لفِراقِهِ لَبِسَ العدُوَّ علىَّ جِلْدَ الأرْبَدِ
ونأى الصديقُ فلا صديقَ أعدُّهُ لدِفاعِ نائبة الزمان المُفْسِدِ
إذ خانني عَنَتُ الزمان وفَاتَني بِأغرَّ ذِي فَجَرٍ كَرِيمِ المَشْهَدِ
[ ٢٨٢ ]
مُتَبَلِّجٍ للخيرِ يُشْرِقُ وجْهُهُ كالبَدْرِ لَيْلَتَهُ بسَعْد الأسْعُدِ
وأرى لفقدِكَ كلَّ أرضٍ جُبْتُها وَحْشًا وأن أهِلَتْ بمن لَمْ يُحْمَد
كانَ الذي يَدْرَا العَدُوَّ بدَفْعِه فَيرُدُّ نخْوَةَ ذِي المِراح الأصَيدِ
حدثنا الزبير قال، وحدثني أبو غزية محمد بن موسى الأنصاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة قال: لما أصيب عروة برجله وبابنه محمد قال: اللهم إنهم كانوا سبعة فأخذت واحدًا وأبقيت ستة، وكن أربعًا فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثًا، فأيمنك لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت ابتليت لقد أعفيت.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عثمان بن المنذر وغيره: أن هشام بن عروة قال: لما قدم عروة من الشأم في سفره الذي أصيب فيه برجله وبابنه محمد، فبلغ قصره بالعقيق، حملناه لننزله من محمله، فسمعناه يقول: (لَقَدْ لَقِينَا مِنْ
[ ٢٨٣ ]
سَفَرِنَا هذَا نَصَبًا) .
وأما يحيى بن عروة، فكان من أشرف بني عروة، وهو يلي عبد الله في الشرف.
وهو الذي يقول:
أشِرْتُمْ بلُبْسٍ الخَزّ لمّا لَبِستُمُ ومِنْ قَبْلُ لا تَدْرُون من فَتَح القُرَى
قُعُودًا بأبوابِ الفِجاجِ وخَيْلُنَا تُسَامِى سِمامَ الموتِ تَكْدِسُ بالقَنَا
[ ٢٨٤ ]
فلما أتاكُمْ فَيْئُنَا برِمَاحِنَا تكذَّبَ مَكْفٌّيِ بَعْيبٍ لَمِنْ كَفَي
قال الزبير: أنشدنيها عمي مصعب بن عبد الله، ومصعب بن عثمان، ومحمد ابن الضحاك.
حدثنا الزبير قال، حدثني مصعب بن عثمان قال: وفد يحيى بن عروة على عبد الملك بن مروان، فجلس ببابه، فسمع حاجب عبد الملك يتناول من ابن الزبير، فضرب يحيى وجه الحاجب فأدماه. فدخل الحاجب على عبد الملك فقال: من فعل بك؟ فقال: يحيى بنعروة. قال: أدخله. فأدخله وقد استوى عبد الملك على فراشه، فقال ليحيى: ما حملك على ما صنعت بحاجبي؟ فقال له يحيى: عمي عبد الله بن الزبير رحمة الله عليه، كان أحسن جوارًا لعمتك منك لنا، والله إن كان ليقول لها: " من سب أهلك فسبي أهله "، وإن كان لينهي حامته وحشمته أن يسمعوها فيكم قذعًا، أنا والله المعم المخول،
[ ٢٨٥ ]
تفرقت العرب عن عمي وخالي، فكنت كما قال الشاعر:
يَدَاهُ أصَابَتْ هذهِ حَتْفَ هذهِ فلَم تَخْتَرِ الأخْرَى عَليها مُقَدَّمَا
قال: فاضطجع عبد الملك، ولم يزل يعرف ذلك فيه، إكرامًا ليحيى ابن عروة.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمامة بن عمرو السهمي، عن رجل من خزاعة، عن مولى لمحمد بن ذكوان، فارسي قال: لما عزل عبد الرحمن بن الضحاك الفهري، واستعمل النصري، وقد كان قبل ذلك ولي الطائف، فطرح له كتاب على المنبر فيه: " جمل بني جذيمة في البحر، يدي في ذنبه، وذنبه في يدي "، فقام على المنبر فقال: يا أهل الطائف، يا قصار الخدود، يا لئام الجدود، يا بقية ثمود، من كتب هذا الكتاب فرجلى كذا وكذا من أمه.
فلما جاء عمل النصري قريشًا بالمدينة، أظهرت شتم بني مروان. فلما قدم أعظمت قريش عمله.
[ ٢٨٦ ]
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمامة بن عمرو، عن مسور بن عبد الملك اليربوعي قال: فقال عبد الله ويحيى ابنا عروة بن الزبير: نحن نرتاد لكم خبره. فدخلا عليه، فقال عبد الله: أصلح الله الأمير، إن هذا أخي ليس بذي علو في سِنّه، ولاذى هدى في السيرة، ولا رضى عند العشيرة. قال فقال له يحيى: أصلح الله الأمير، هذا أخي وأسن مني، وأبي بعد أبي، قيض لي شهود زور يخرجونني من ميراث أبي. قال فقال النصري: لستما كما قلتما، بل أنتما كما قال الله ﷿: (بَلْ هُمْ قوْمٌ خَصْمُون)، يا سعد، أغن عني قومك يريد سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. فخرجا على القرشيين فقالا: ليس بالرجل بأس.
ويحيى بن عروة الذي يقول:
نَمانِي في فرعَيْ كِلاَبٍ وعِزِّها وفي إرْثِ مَجْدٍ من لُؤَيِّ بن غَالبِ
أبٌ لِي، أبيٌّ الخَسْف قد تعلمونَهُ وفارسُ معروفٍ رئيسُ الكَتَائبِ
[ ٢٨٧ ]
ولي من أبي العاصي أغرُّ كأنَّه إذ فُرِّجتْ عنه المصارِيُع حاجِب
مُنِيرٌ بدَا من بعدِ ظَلْمَاءَ فاخْتبَتْ لرؤيتهِ بادي عِظام الكواكِبِ
حدثنا الزبير قال، واخبرني عثمان بن عبد الرحمن: أنه سمع أبي ينشد ليحيى بن عروة بن الزبير:
فما صحبَ النبيَّ مُهَاجريٌّ ولا الطُّلَقَاء والأنصَارُ طُرَّا
يَنُوطُ بأمِّنا أمًّا وإنّا لَنَعْلَمُ فِيهِمُ حَسَبًا وسِرًّا
صَفِيّةُ أمُّنا كَرُمت وطابتْ وعَظَّمها رَسُول بِرَّا
عَجُوزُ عجَائز الفِرْدَوسِ أمِّي مُهذَّبُة الوَشَائج هاتِ جَرَّا
تَخَيَّرتِ الأبُوَّةَ في قريشٍ إلى أن رشَّحَتْ في المَهْدِ صَقْرَا
تُفَدِّيه بوالدِهَا وتدعُو بأن لا يَخْذُلَ الرَّحْمنُ زَبْرَا
إلى العَوَّام يَنْمِي يوم بَدْرٍ وتعرِفُ نفسُهُ أحُدًا وبَدْرَا
تولَّى الناسُ في أحُدٍ سِراعًا وجَالَدِ حِسْبَةً منْهُ وصَبْرَا
[ ٢٨٨ ]
يَذُبُّ عن النبيِّ بمَشرِفّيٍ لَهُ، لم يلقَ ياسِرُ منْه يُسْرَا
ويومَ الخَنْدَقِ المَشْهورِ فيه أبانَ فضيلةً وأزاحَ كُفْرَا
ويومَ الفَتْح يومٌ شَادَ فيه لَهُ ذكْرٌ وكان النَّاسُ صِفْرَا
قال: وقال إسماعيل بن يسار النساء، يرثي يحيى بن عروة بن الزبير، أنشدني ذلك مصعب بن عثمان:
ألا يا عَيْنُ فأنهمِرِي بغَزْرِ وفِيضِي عَبْرةً من غَيْرِ نِزْرِ
ولا تَعِدِي عَزَاءِ بعد يحيىَ فقد غُلِبَ العَزاءِ وعِيلَ صَبْري
ومَرْزِئَةٍ كأنَّ الجوفَ منْها بُعَيْد النَّومِ يُسْعَرُ حَرَّ جَمْرِ
على يَحْيى، وأيُّ فتًى كيَحْيَى لعَانٍ عائِلٍ غَلِقٍ بوِتْرِ
وللخصْمِ الألدّ إذا دَعانِي ليأخذَ حَقَّ مَقْهُورٍ بقَسْرِ
وللأضْيَاف إن طَرقُوا هُدُوًّا وللكَلِّ المُكِلِّ وكُلّ سَفْرِ
إذا نزلَتْ بهم سَنَةٌ جَمَادٌ أبِيُّ الدَّرِّ لم تُكْسَعْ بغُبْرِ
[ ٢٨٩ ]
هُنَالك كان غيثَ حَيًا تَلاقَتْ يَدَاهُ في جَنَابٍ غيرِ وَعْرِ
وأحْيَا من مُخَبَّأَةٍ حَيَاءً وأجرأُ من أبي شِبْلٍ هِزَبْرِ
هَرِيتِ الشِّدْق ريِبالٍ إذا مَا عدَا لم تُنْهَ عَدْوَته بزجْرِ
تَدِينُ الجَاذِياتُ له إذا مَا سمعنَ زئيرَهُ في كُلّ فَجْرِ
فإمّا يُمْسِ في جَدَثٍ ضَريحٍ بمُغَبّرٍ من الأرواح قفْرِ
فقد يَعْصَوصِبُ الجَادُون مِنْه بأرْوَع ماجِدِ الأعْراقِ غَمْرِ
إذا ما الضَّيفُ حَلَّ على ذَراهُ تلقَّاهُ بوَجْهٍ غير بَسْرِ
ندًى صافٍ يَبِينُ العِتْقُ فيه يُبَيِّنُ قُبْلَ مَقْدَعةٍ ونُكْرِ
[ ٢٩٠ ]
تُفَرَّجُ بالنَّدَى الأبوابُ عنهُ ولا يكْتَنُّ دُونَهُمُ بسِتْرِ
دَهاَني الحادثاتُ بِهِ فأمسَتْ عَلَىّ هُمُومُها تَغْدُو وتَسْري