- و- اوضاعها الأخرى جالت أقلام الكتاب والمؤرخين في مواضيع لم تحافظ على مكانتها إلا قليلًا وكانت الدواعي لطرق مباحثها متوفرة خصوصًا ما كان منها رديئًا، أو مخالفًا للعقائد الإسلامية فتراعى فيه المقابلة وبيان مزايا الشريعة الغراء..
وأهم ما يدور عليه الكلام ما يتعلق ببعض العوائد، والعبادات الوثنية، والمجوسية، وعقائد الزندقة، واليهودية، والنصرانية، وعبادة الكواكب فتقص هذه الأمور، وتذكر انكحة العرب، وانتهاك المحرمات كل هذه كان يبحث عنها وتدقق لمصلحة الإسلامية ووسائل تأييدها، وبيان قوة عقيدتها، وصلاح عباداتها بالنظر لعقائد العصور السابقة وتقاليدها فغطت على الكل، وقبلها غالب العرب، وفي مدة قليلة تم انتشارها وكادت تقضي على التقاليد والأديان الأخرى..
وكل ما عرف ان الزرادشتية وسائر الديانات الفارسية كالمانوية لم تؤثر على العرب، ولم تقبل العرب عقائد اولئك بسهولة من جراء انها عبادة اشخاص، وسيطرة على النفوس وتذليل لها.. فكانت في الغالب وثنية، فشت فيها الزندقة وعبادة الكواكب.. ومن أوثان قبائل العراق (الضيزنان)، و(سبد) . وباقي الأوثان معروفة عند كل المعتقدين بها في الجزيرة وشاعت في بعض القبائل اليهودية، وفي أخرى النصرانية، وفي القليل المجوسية.. إلا ان النصرانية انتشرت في أيامها الأخيرة ولما جاءت الإسلامية طمى سيلها، وقبل بها الاكثر
وهكذا يقال عن عاداتهم القديمة وهي كثيرة إلا ان اقتباسهم من العجم قليل بالرغم من المجاورة، فلم تنل رغبة لما للعرب من شمم ومكارم أخلاق لا توجد عند اولئك، أو لا تتألف وما اعتادوه.. كما أن العقائد كذلك. وإنما تسلطت الإسلامية ونفذت في اعماق قلوب القوم فغيرت من عوائدهم لما في عقائدها من سهولة وقوة وبساطة وأحكام.. ومحت الكثير مما كانوا عليه فكان لها أثرها في نفوس القوم.. ومن حين قبلت هذه القبائل بالعقيدة الإسلامية عادت متحضرة وسكنت المدن.. وقضي على الكثير من أحكامهم البدوية واعتياداتهم الشائعة آنئذ.. فتركوا ما كانوا عليه من عرف بما استطاعوا امتثالًا لآية (أفحكم الجاهلية يبغون) ..
ولايهمنا اثارة المندثر مما كانوا عليه وإنما بعض عوائدهم الباقية هي التي ستكون موضوع بحثنا عند الكلام على القبائل الحاضرة، ومن ثم نكون قد جعلنا مواضيع اليوم ذات مساس مباشر بالماضي ودرجة نفوذه.. وحينئذ تخرج الأبحاث عما كانت عليه من حاجة الماضي للبحث فيها.. وصار موضوع اليوم العوائد الحاضرة مراعىً فيها القديم وأثره في نفوس القوم.
[ ٣٧ ]
وعلى كل حال جدت المباحث وتماسها بالأوضاع الحاضرة، وتدقيقها تاريخيًا من نواحي العلاقة والارتباط بالماضي القريب والبعيد.. كل هذا سننظر فيه في عشائرنا الحاضرة لتكون أقوى صلة وأشد علاقة.. وفي الكتب الأخرى ما يبرد غلة الماضي وما كان عليه العرب في أزمانهم الغابرة مما لم يبق لغالبه أثر الآن
ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن من أكبر الأبحاث علاقة واتصالًا بنا المناسبات بين القبائل وحالاتهم في جوارهم وحربهم، وكلأهم وحياة مواشيهم.. وكل هذه سندققها في حينها مع ملاحظة ما كانت عليه في ماضيها قدر الطاقة..
* * * - ١٥ -