من كهلان: الأزد، بفتح الهمزة وسكون الزاي ودال مهملة في الآخر وأصله: أزد، والألف واللام فيه للمح الصفة، التي هي الأَزَد وهو الذعر. ويقال فيهم: الأسد، بالسين المهملة بدل الزاي.
وهم: بنو الأزد بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان.
قال الجوهري: وهو بالزاي أفصح.
قال أبو عبيد: كان له من الولد: مازن، ونصر. والهِنْءَ، وعبد الله، وعمرو.
واعلم أن الأزد من أعظم الأحياء وأكثرها بطونًا وأمدها فروعًا.
وقد قسمها الجوهري إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أزد شنوءه بإضافة أزد إلى شنوءه، بفتح الشين المعجمة وضم النون وواو ساكنة ثم همزة بعدها هاء، وهم: بنو نصر بن الأزد. وشنوءة لقب لنصر غلب عليه.
والثاني: أزد السراة: بإضافة أزد إلى السراه. وهو موضع بأطراف اليمن نزلت به فرقة منهم فعُرفت به.
[ ٩١ ]
والثالث: أزد عُمَّان: بإضافة أزد إلى عُمان، وهي مدينة بالبحرين نزلتها طائفة منهم فعرفوا بها.
ومن أزد عمان: ابنا الجُلَنْدَي، ملك عمان، كتب إليهما النبي ﷺ يدعوهما إلى الإسلام مع عمرو بن العاص - ﵁ - كتابًا فيه، بعد البسملة: من محمد بن عبد الله إلى جَيْفر وعبيد ابني الجلندي: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما وإن أبيتما أن تُقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما وخيلي تحل بساحتكما وتظهر نبوءتي في ملككما. وكتب أُبي بن كعب.
وفي رواية ذكرها أبو عبيد في كتاب الأموال أنه ﷺ كتب إليهما: من محمد رسول الله لعباد الله الاسْبَذين ملوك عمان وأسد عمان، من كان منهم بالبحرين، أنهم إن آمنوا، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأطاعوا الله ورسوله، وأعطوا حق النبي ﷺ، ونسكوا نسك المسلمين، فإنهم آمنون، وأن لهم ما أسلموا عليه، غير أن مال بيت النار لله ورسوله، وأن عشور التمر صدقة ونصف عشور الحب، وأن للمسلمين نصرهم ونصحهم، وأن لهم على المسلمين مثل ذلك، وأن لهم الرحى يطحنون بها ما شاءوا.
قال أبو عبيد: وبعضهم يرويه لعباد الله الإسب، اسمًا أعجميًا نسبهم إليه.
قال: وإنما سموا بذلك لأنهم نسبوا إلى عِبادة فرس، وهو بالفارسية: إسب، فنسبوا إليه. وهم قوم من الفرس، وقيل من العرب، ويجوز أن يكون الكتاب لهؤلاء.
[ ٩٢ ]
فلما وصل عمرو عمان اجتمع بعبيد ثم ناجي جيفر، فأسلما جميعًا. وكان من كلام جيفر: والله لقد دلني على نبوة هذا النبي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول من أخذ به، ولا ينهي عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يَغْلب فلا يبطر، ويُغْلب فلا يضجر.
قال في مسالك الأبصار: وبزُرَع وبُصرى، من بلاد الشام، قوم من الأزد.
ثم المشهور من الموجودين منهم ثلاثة بطون: البطن الأول:
الأوس، بفتح الهمزة وسكون الواو وسين مهملة في الآخر، والخزرج، بفتح الخاء المعجمة وسكون الزاي وفتح الراء المهملة وجيم في الآخر. وهم: بنو الأوس والخزرج، ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء بن مازن بن الأزد.
كان للأوس من الولد: مالك، ومنه جميع أولاده.
وكان للخزرج من الولد: عمرو، وعوف، وجشم، وكعب، والحارث.
ويقال لكلتا القبيلتين بنو قيلة، بفتح القاف وسكون المثناة من تحت وفتح اللام وهاء في الآخر. لهم ملك يثرب قبل الإسلام، نزلوها حين خرج الأزد من اليمن، ولم يزالوا بها إلى حين هاجر النبي ﷺ فآمنوا به ونصروه، فسمُّوا: الأنصار.
وتفرع منهم أفخاذ كثيرة يطول ذكرها. وانتشروا في الفتوحات الإسلامية في الآفاق شرقًا وغربًا، وهم موجودون بكل قطر إلى الآن، إلا أنه قل منهم من يعرف نسبه من الأوس والخزرج، بل اكتفوا بالنسبة إلى الأنصار.
قال المهمندار: ومن بني حسان بن ثابت - ﵁ - من الأنصار: بنو محمد، بحريّ منفلوط.
[ ٩٣ ]
ومن بني سيد الأوس سعد بن معاذ: بنو عكرمة، بحريّ منفلوط أيضًا.
ومن بني سعد بن عبادة سيد الخزرج: بنو الأحمر، ملوك غرناطة بالأندلس، وأول من ملك منهم: محمد بن يوسف بن نصر، بعد الستمائة وقد آلت الآن منهم إلى أبي الحجاج يوسف بن محمد بن يوسف.
البطن الثاني من الأزد: غسان، بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة وألف ثم نون. وهم: بنو جفنة، والحارث - وهو محرّق - وثعلبة - وهو العنقاء - وحارثة، ومالك، وكعب، وخارجة، وعوف، بنو عمرو مزيقياء.
قال أبو عبيد: وإنما سموا غسانًا لماء اسمه غسان، بين زبيد ورِمَع نزلوا عليه عند خروجهم من اليمن وشربوا منه فعُرفوا به.
قال بعض الأنصار:
أمَّا سألتَ فإنَّا معشرٌ نُجب الأزد نِسْبتنا والماء غَسّانُ
قال أبو عبيد: ولم يشرب بقية بني عمرو، وهم: وائل، واسمه ذهل - وعمران، وأبو حارثة، من الماء فلا يقال لهم غسان.
وقال ابن الكلبي: يقال لبني عمرو كلهم: غسان. وكان لهم ملك بالشام تلقوه عن الضَّجاعة من سَليح. وأول من ملك منهم: جفنة بن عمرو بن ثعلبة ابن عمرو مُزيقياء.
[ ٩٤ ]
قال صاحب حماه: وذلك قبل الإسلام بما يزيد على أربعمائة سنة، وبقي بأيديهم إلى أن كان آخرهم جبلة بن الأيهم في زمن النبي ﷺ. فكتب إليه رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام فأسلم وكتب بإسلامه إلى رسول الله ﷺ وأهدى هدية، وبقي بأرضه إلى خلافة عمر ﵁، وقيل: بل بقى على الكفر إلى زمن عمر فأسلم.
قال صاحب زبدة الفكرة: ثم كتب إلى عمر ﵁ يستأذنه في الحضور، فأذن له فحضر. فأكرم نزله، وأقام بالمدينة إلى زمن الحج، فخرج عمر من المدينة حاجًّا فخرج معه فحج، وطاف بالبيت، فوطئ إزاره رجل من فزارة فانحل، فرفع جبلة يده فلطمه فهشم أنفه، فاستعدى عليه عمر - ﵁ - فقال له: إما أن تُرضي الرجل وإما أن أقيده منك، فقال جبلة: فيُصنع بي ماذا؟ قال: يهشم أنفك كما فعلت به. قال: كيف يا أمير المؤمنين وأنا ملك وهو سوقة! قال: الإسلام جمعك وإياه. قال جبلة: قد ظننت يا أمير المؤمنين أني أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية. فقال: دع عنك هذا إن لم ترضه، وإلا أقدته منك قال: إذن أتنصر. قال: إن تنصرت ضربت عنقك. فلما رأى جبلة منه ذلك، قال: أمهلني الليلة حتى أنظر، فأمهله، فلما كان الليل تحمل هو وأصحابه بخيله ورجله إلى الشام على طريق الساحل، ثم سار في خمسمائة من قومه حتى القسطنطينية فدخل على هرقل فتنصر هو وقومه، فسُر بذلك وظن أنه فتح من الفتوح عظيم، وأقطعه ما شاء وزوَّجه بنته، وقاسمه ملكه وجعله من سُماره.
ثم إم عمر كتب كتابًا إلى هرقل يتعلق بالمسلمين وبعثه مع كنانة بن مُساحق
[ ٩٥ ]
الكناني. فقدم به على هرقل، فأجاب عمر إلى قصده، فلما عزم على الرجوع إلى عمر، قال له هرقل: هل لقيت ابن عمك جبلة؟ قال: لا. قال: فالقه. قال: فأتيت باب جبلة فرأيت عليه من البهجة والخدم ما لم أره على باب الملك، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت عليه، فقام فاعتنقني وعاتبني في تركي النزول عليه وإذا هو في بهو عظيم على سرير من ذهب، وحوله من التماثيل ما لم أُحسن وصفه، فأمرني أن أجلس على كرسي من ذهب. فأبيت وقلت: إن رسول الله ﷺ نهانا أن نجلس على مثل هذا. ثم سألني عن عمر والمسلمين، وألحف في المسألة، فظهر على وجهه آثار الحزن، قلت: فما يمنعك من الإسلام؟ قال: بعد الذي كان؟ قلت: نعم. فقال: دع عنك هذا، ثم وضع أمامنا مائدة من ذهب، فقلت: لا آكل عليها. فوضع أمامي مائدة من خَلَنْج. فآكلني؛ ثم أتى بصحاف من ذهب يُدار فيها الخمر، فاستعفيت من ذلك، ثم غسل يده في طست من ذهب، ثم استدعى بجوار عشر، فجلس خمس منهن عن يمينه وخمس عن يساره على كراسي الذهب، وأقبلت جارية وفي يدها اليمنى جام من ذهب فيه طائر أبيض، وفي الجام مسك وعنبر سَحيق، وفي يدها اليسرى جام آخر لم أر مثله، فنفَّرت الطائر فتقلب في الجام، ثم انتقل إلى الجام الآخر، ثم طار فسقط على صليب في تاج جبلة، ثم حرك جناحيه فنثر ذلك المسك على رأس جبلة ولحيته، ثم شرب أقداحًا واستهل واستبشر، ثم قال للجواري: أطربنني، فخفقن بعيدانهنّ واندفعن يغنين هذه الأبيات:
لله دَرُّ عصابة نادمتُهم يومًا يجلّق في الزمان الأَولِ
أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المُفضل
[ ٩٦ ]
يَسقون مَن وَرد البَريص عليهمُ راحًا تُصَفَّقُ بالرَّحيق السَّلسل
بيضُ الوجوه كريمة أحسابهم شُم الأنوف من الطَراز الأول
يُغشَون حتى ما تَهر كلابهم لا يسألون عن السَّواد المُقبل
فطرب ثم قال: أتعرف لمن هذا الشعر؟ قلت: لا، قال: لحسان بن ثابت، فينا وفي ملكنا. ثم قال للجواري: ابكينني. فوضعن عيدانهن ونكسن رؤوسهن وغنّين:
تنصَّرت الأشراف من عار لَطمة وما كان فيها لو صبرتُ لها ضَررْ
تكنّفني منها لَجاج ونَخوة وبِعت لها العَين الصحيحة بالعور
فيا ليت أُمِّي لم تلدني وليتني رجعتُ إلى القول الذي قاله عمر
ويا ليتني أَرعى المَخاض بقَفْرة وكنتُ أسيرًا في ربيعة أو مُضر
أَدين بما دانوا به من شَريعة وقد يصْبر العَوْد الكبير على الدَّبر
وانصرف الجواري فوضع وجهه على كمه وبكى حتى نظرت موعه على خديه كأنها اللؤلؤ الرطب وبكيت معه رحمة له، فقال: يا جارية، هاتي خمسمائة دينار هرقلية. فأتت بها. فقال: خذ هذه صلة لك. فقلت: لا أقبل صلة رجل ارتد عن الإسلام. فقال: اقر على عمر مني السلام. فلما تقدمت على عمر ذكرت ذلك له، فقال: قاتله الله! باع باقيًا بفانٍ.
قال في مسالك الأبصار: وبالبلقاء طائفة من غسان. وباليرموك منهم الجم الغفير، وبحمص منهم جماعة.
[ ٩٧ ]
البطن الثالث من الأزد: خُزَاعة، بضم الخاء وفتح الزاي المعجمتين وألف ثم عين مهملة وهاء في الآخر.
وهم: بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن مزبقياء بن مازن بن الأزد.
قال أبو عبيد: وعمرو هذا أبو خزاعة كلها، ومنه تفرقت بطونها، فولد له، كعب، بطن؛ ومُليح، بطن؛ وعدي، بطن؛ وعوف، وسعد.
وذكر في موضع آخر أن خزاعة هم: أسلم، ومالك، وملكان، من بني أفصى بن عامر بن قمعة بن إلياس بن مضر.
وذكر في العبر: أن خزاعة: بنو عمرو بن عامر بن ربيعة، وهو لُحيّ بن عامر بن قمعة.
قال في العبر: وقال القاضي عياض: المعروف في نسب خزاعة أنه عمرو بن لحي ابن قمعة بن إلياس بن مضر، وإنما عامر عم أبيه أخو قمعة، فتكون خزاعة من العدنانيين.
وقال السهيلي: كان حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر خلف على أُم لحي بعد أبيه قمعة، فتبناه حارثة فانتسب إليه. فالنسب صحيح بالوجهين.
قال ابن الكلبي: وسموا خزاعة لأن بني مازن بن الأزد لما تفرقت الأزد من اليمن في البلاد نزل بنو مازن على ماء يقال له غسان، على ما تقدم، وأقبل بنو عمرو بن لحي فانخزعوا عن قومهم، فنزلوا مكة، ثم أقبل بنو أسلم ومالك وملكان فانخزعوا عن قومهم أيضًا، فسمي الجميع: خزاعة.
قال في العبر: وكانت مواطنهم مكة ومَرّ الظهران وما بينهما، وكانوا من
[ ٩٨ ]
حلفاء قريش، وكان لخزاعة ولاية البيت بعد جرهم، ولم تزل بيدهم حتى باعها أبة غُبشان من قُصي بن كلاب بزِق خمر، على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وبقايا خزاعة بأرض الحجاز وغزة.