وفائدته ومسيس الحاجة إليه لا خفاء أن معرفة الأنساب من الأمور المطلوبة، والمعارف المندوبة؛ لما يترتب عليها من الأحكام الشرعية، والمعارف الدينية. فقد وردت الشريعة باعتبارها في مواضع: منها: العلم بنسب النبي ﷺ، وأنه النبي القرشي الهاشمي الذي كان بمكة وهاجر منها إلى المدينة وتوفي ودفن بها، فإنه لا بد لصحة الإيمان من معرفة ذلك، ولا يعذر مسلم في الجهل به وناهيك بذلك.
ومنها: التعارف بين الناس حتى لا يعتزي أحد إلى غير أبيه، ولا ينسب إلى سوى أجداده. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: (يأيُها الناس إنا خلقناكُم من ذَكر وأُنثى وجعلناكم شُعوبًا وقبائل لتعارفوا) . ولولا معرفة الأنساب لفات إدراك ذلك وتعذر الوصول إليه.
ومنها: اعتبار النسب في الإمامة التي هي الزعامة العظمى. فقد حكى الماوردي في الأحكام السلطانية الإجماع على كون الإمام قرشيًا، ثم قال: ولا اعتبار بضرار حيث. فجوزها في جميع الناس. فقد ثبت أن النبي ﷺ، قال: الأئمة
[ ٧ ]
من قريش. قال أصحابنا الشافعية: فإن لم يوجد قرشي اعتبر كون الإمام كنانيًا من بني كنانة من خُزيمة، فإن تعذر اعتبر كونه من بني إسماعيل ﵇، فإن تعذر اعتبر كونه من بني إسحاق ﵇، فإن تعذر اعتبر كونه من جرهم، لشرفهم بصهارة إسماعيل ﵇، بل قد نصوا أن الهاشمي أولى بالإمامة من غيره من قريش.
فلولا المعرفة بعلم النسب لفات وتعذر حكم الإمامة العظمى التي بها عموم صلاح الأمة، وحماية البيضة، وكف الفتنة، وغير ذلك من المصالح.
ومنها: اعتبار النسب في كفاءة الزوج للزوجة عند الشافعي ﵁، حتى لا يكافئ الهاشمية والمطّلبية غيرها من قريش، ولا يكافئ القرشية غيرها من العرب ممن ليس بقرشي، ولا يكافئ الكنانية غيرها من العرب ممن ليس بكناني ولا قرشي على الأصح.
وفي اعتبار النسب في العجمي أيضًا وجهان: أصحهما الاعتبار. فإذا لم يعرف النسب تعذرت هذه الأحكام.
منها: مراعاة النسب الشريف في المرأة المنكوحة، فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «تنكح المرأة لأربع: لدينها، وحسبها، ومالها، وجمالها» فراعى ﷺ في المرأة الحسب، وهو شرف الآباء.
ومنها: جريان الرق على العرب في أحد قولي الشافعي ﵁ وموافقيه، فإذا لم يعرف النسب تعذر ذلك، إلى غير ذلك من الأحكام الجارية هذا المجرى.
ثم ليعلم أنه قد ذهب كثير من أئمة المحدثين والفقهاء، كالبخاري، إلى جواز الرفع في الأنساب احتجاجًا بعمل السلف، فقد كان أبو بكر الصديق ﵁
[ ٨ ]
في علم الأنساب في المقام الأرفع والجانب الأعلى، وذلك أذل دليل وأعظم شاهد على شرف هذا العلم وجلالة قدره.
وقد حكى صاحب الريحان والريعان عن أبي سليمان الخطابي ﵀ قال: كان أبو بكر ﵁ نسّابة فخرج مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فوقف على قوم من ريبعة فقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة، قال: وأي ربيعة أنتم، أمن هامتها أم من لهازمها؟ قالوا: بل من هامتها العظمى. قال أبو بكر: ومن أيها؟ قالوا من ذُهل الأكبر. قال أبو بكر: فمنكم عوف بن مُحلِّم الذي يقال له: لا حُرّ بوادي عوف؟ قالوا: لا. قال: فمنكم بِسطام بن قيس أبو القِرَى ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا، قال: فمنكم اَلْحوفزان قاتل الملوك وسالبها أَنْعُمها؟ قالوا: لا. قال: فمنكم المزدلف الحرّ صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا. قال: فمنكم أخوال الملوك من كِندة؟ قالوا: لا. قال: فمنكم أصهار الملوك من لَخم؟ قالوا: لا. قال: فلستم بذُهل الأكبر بل ذهل الأصغر. فقام إليه غلام من شيبان يقال له: دِغْفَل حين بَقَل وجهه فقال: إن على سائلنا أن نسأله: يا هذا إنك قد سألت فأخبرناك ولم نكتمك شيئًا من خبرنا، فمن الرجل؟ قال أبو بكر: أنا من قريش. قال: بخٍ بخٍ أهل الشرف والرياسة، فمن أي القرشيين أنت؟ قال: من تَيم بن مُرة. قال الفتى: أمكنت والله الرامي من سواء الثُّغرة، فمنكم قُصي الذي جمع القبائل من فِهر وكان يُدعى مُجمعًا؟ قال: لا. قال: فمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه؟ قال: لا. قال: فمنكم شيبة الحمد مطعم
[ ٩ ]
طير السماء؟ قال: لا. قال: فمن المفيضين بالناس أنت؟ قال: لا. قال: فمن أهل الندوة أنت؟ قال: لا. قال: فمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا. قال: فمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا. قال: فمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا. واجتذب أبو بكر ﵁ زمام ناقته، فقال الفتى:
صادف دَرُّ السيل درًّا يدفعه يَهيضه حينًا وحينًا يصدعُهْ
أما والله يا أخا قريش لو لبثت لأخبرتك أنك من رعيان قريش ولست من الذوائب. فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فتبسم. فقال عليّ ﵁: يا أبا بكر، لقد وقعت من الغلام الأعرابي على باقعه. فقال: يا أبا الحسن، ما من طامة إلا وفوقها طامة.
ودِغْفل هذا هو دغفل ابن حنطلة النسابة الذي يُضرب به المثل في معرفة النسب، قدم مرة على معاوية بن أبي سفيان في خلافته فاختبره فوجده رجلًا عالمًا، فقال: بِم نلت هذا يا دغفل؟ قال: بقلب عَقول، ولسان سؤول، وآفة العلم النسيان.
وممن اشتهر بمعرفة الأنساب أيضًا ابن الكيّس، من بني عوف بن سعد ابن ثعلب بن وائل وفيهما يقول مسكين بن عامر:
فحكِّم دِغْفلًا وارحل إليه ولا تَدِع المعطيَّ من الكَلالِ
أو ابن الكيِّس النَّمري زيدًا ولو أمسى بمُنخرق الشمال
[ ١٠ ]
وقد صنف في علم الأنساب جماعة من جلة العلماء وأعيانهم، كأبي عبيد القاسم ابن سلام، والبيهقي، وابن عبد البر، وابن حزم، وغيرهم؛ وذلك دليل شرفه ورفعة قدره.
[ ١١ ]