الحمد لله الذي خلق الخلائق من بسائط متبائنة الأقسام، ونظر من وسائط متغايرة الأقسام، وصير عقولهم شواهد على استنهاج مسالك الأفكار، حتى يوافقوا بها ويخالفوا، قال الله تعالى " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا ".
وفرق بين الأسباط والقبائل والبطون والأفخاذ، تفريق روضة بودائع البدائع ناضر، وبحره بلطائف المواصلة والمصاهرة زاخر، ووصل حبل التناسل بعد الثبات، وجمع شمل التوالد بعد الشتات، وقدر أسباب القدرة والقرابة تقديرًا، " وخلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا وكان ربك قديرًا " فالقلوب متفكرة في هذه الصنائع، والألسنة ناطقة بتلك البدائع.
هذا وإن لم يقدر العبد على شرح جلاله وكبريائه، فالروضة مع عجمها ينعي الثناء على الحياء فيفوح، والحمامة على لكنتها تبكي على ألف ناي فتنوح، فسبحانه من إله صير خطوط المحررة كالمناطق، وعقول الإنسان معبرة عنها وهي غير بواسط.
وخلق الثريا كلف بشر إلى الطريق إذا صلت الحداء، والبدر المنير كملك له النجوم عفاء. وصير الآفاق كطرف له اليل سواد، وشعاع النجوم بياض والإنسان فيه فداه.
وجعل الفلك مثل أديم شد الفارس خرامه، أو مثل در تناثر ودع نظامه، وأبدع النجوم مثل درر حملتها ديباجه زرقا، والآفاق مثل كؤوس له الشهب حباب، والدجى ماء جمده أولى بأن تسرف في ترصيع رصفه من أصداف الأفكار درر الكلام. وتسرعف لوصفه أنابيب الأقلام.
والصلاة على سيد الأولين والآخرين محمد المصطفى الذي وجد الناس حطى الكلام في بيان مناقبه فساحًا، وصارت الآمال الخرس بميامن نبوته فصاحًا.
وكانت له صلوات الله عليه عزائم فاد بها خيولًا، ما لها إلا من المعجزات الباهرات سكائم شريعته كحنة حفت بالآداب الغر الأرج سرر الطباء، وعند هبوب نسيم ألفاظه العذاب كبا جود دخان الكباء، من أمن به آنس من نفسه الرشد، وكحل ما يمد الهداية العيون الرمد. فطوبى لمن تقلد طوق مننه، وسلك سنن سننه.
ثم على آله الذين رتعوا من أكلاء الطهارة بين النحلة والخمس، وأهل بيته الذين هم كما جاء في الحديث النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض وطيروا نواهض فراخ الحسب والنسب بأجنحة السعادة وأحسنوا بالحسنى وزيادة، ورذائل صور أفعالهم بصيقل التنزيل مجلوة، وسور مناقبهم من اللوح المحفوظ متلوة.
ونهضوا من بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، نهوض الليث من الآجام، وطلعوا من آفاق النبوة والرسالة طلوع البدر في خلال الظلام، وملكوا من الفضل أعجازه وصدوره، واستضاؤا ببدر يأبى إلا أن يتم نوره.
ولم يزل نصرة دين الله محروسة في أسنتهم اللامعة، وهلاك الأعداء مجنو في سيوفهم القاطعة، وانتشرت في البرايا أشعة معروفهم، وأدركوا ما لا كانت مفاتيحها بنص سيوفهم، فهم شرح في الظلام تزهر، وسحب في الجذوب تمطر، فعلهم من العار عار ورند فضهلم وار، وقصد تلقاء حضرتهم من قطر مطر ومن كل واد حاد، ومن كل دار سار.
وقد دامت نضارة رياض مراتبهم، وأغصان محاسن مناصبهم مكان الأمير، السيد الأجل الكبير المؤيد الرضي عماد الدولة والدين جلال الإسلام والمسلمين، أخص سلطان السلاطين، مجتبى الخلافة، ظهير الأنام، صفي الأيام، ذخر الأمة، شرف الملة، غوث الطالبية، كمال المعالي، فخر آل رسول الله صلى الله عليه وآله ذي المناقب، ملك السادات، نقيب النقباء في الشرق والغرب أبي الحسن علي بن محمد بن يحيى العلوي مرتضى أمير المؤمنين.
أطال الله ببقائه بقاء المعالي، وأدام بجماله جمال الأيام والليالي، له فضائل مجلت، وكانت خافية مباديها، ومناقب كلت، وكانت قبلة أدام الله أيام علائه عاطلة تراقيها رعى لأسلافه الأشراف.
ومما واجباني زمان فتنة العمياء من علم الأنساب، ومما حلمه يزاحم منكب الطود الأشم، وجوده سارى عوارب البحر الخصيم، لم يخلق الله تعالى إلا لليقل والتوفيق، وقدمه إلا للمحل الرفيع، ولسانه إلا للنهي والأمر، وشخصه إلا لحفظ البيضة وسد الثغر. فله من كل شيء صفوه ولبابه، ومن كل شرف أسبابه، وذلك من عناية الله لمن بقي من العلماء بخراسان قطوف الأماني.
[ ١ / ١ ]
فصارت بيهق بمكانه معاني الشعب طيبًا في المعاني، وإن سكت الشاكرون لأنعمه، فقد أثبت عليه الحقائب ثناء أطيب من نسيم الأزاهر، وأنفاس المجامر، وأطرب من ترجيع المزامر.
وللعلماء في زمان كرمه آمال يترقبون الصحة أسفارًا، ويشمون حضرته قبل العشي أطيب من عرار نجد عرارًا، فطلع المال لديه نضيد، وطالع الإقبال في أفقه سعيد، والله تعالى على ذلك شهيد.
ولا شك أن أولى الناس بالكرم والمروة والفضل والشرف والفتوة، من كانت له النبوة، ومن كان جده المصطفى ﵇، فقد اشتمل على الفضل والإفضال، اشتمال الأصداف على الدرر، وجف بالمناقب الزهر والمراتب الغرحفون الاعكان بالسرر.
هذا في زمان بلفظ أنامل الأفكار فيه خرزات الوساوس، ويحكم الدنيا ساكنها ولياليها حبالى وهي لا تنام في الحبادس وحشو أفئدة الليل والنهار من عجائب الآثار ونوادر الأدوار، ما كمن كمون النار في المزج والعفار مما في الأوقات انفساح، ولا للصدور إلا في حضرته انشراح، بمكارمه ولطائفه رفعت القلم، وألفت الكلم، وضرب نسبيًا لعلوي الرياح، وضربت الكسور في الصحاح، وأعرضت عن تشوية الماء القراح.
ووصلت اليسير بالسرى، وجمعت بين الأعنة والبرى، واسترقت درر أصداف الدفاتر، واستزلت درر سحايب والمحابر، وفرت بقلب على سكة ولاية مطبوع، والمعاني غير مجذوع، وكل فاضل فارق حضرته، فإنه أمسى شحي في حلوق الليالي رائحًا، وغدى في مقلة الصبح غاديًا، وكفى رعانه مناديًا، فالأفضل من نعمه في روضة يحبرون، ومن شكره آناء الليل والنهار لا يفترون.
ولما أشار إلى جمع كتاب في أنساب أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله من أبناء الحسن والحسين ﵄ رسمت منزلي بالاشمين، وشكرت الله على هذه النعمة، ولزمت الاعتكاف في المحاريب، ومحوت وقوم نعوت الجادر في ذي الأعاريب، والفحل وإن كانت ركبته معقولة لحمى الثول والمرء وإن شات وتغيرت أحواله، وقلت أمواله، يدحر شياطين الهموم عن قلبه، بقوله لا قوة إلا بالله ولا حول هذه.
ولما أن عجبتني الفتنة العمياء الصماء بنيشابور عن مجانمي، أقمت عشر سنين في ظلال لطائف المجلس العالي النبوي العمادي الجلالي المكي، في بلاد بها نيطت علي تمائمي. وهي أول أرض مس جلدي ترابها، واطفأ غلي شرابها، وفتحت علي من أسباب المعيشة أبوابها، وما ذقت بسبب انعامه حر القلائل، ذقت برد الطلال، وما أثرت الفتن في تأثير النار في سليط الذبال.
وكنت في حضرته أنسها الله في دوام رفعته كحليس قعقاع بن شور، وجادا في داود ممتطيًا غوارب نيل كل مراد، بعد ما زلنا وزال الدهر في براد، وحمدت سراي عند الصباح، وما قال لي صرف الزمان حيدي حياد وقبحي قباح.
ورسمت مطايا أمثال هذه الإشارة بعد ما صليت الاستخارة، وأنصفت على قدر الإمكان في مرامات القادة، وأنشدت ما قيل:
وهل يقبل التقصير أو يعذر الوني ومثلي مأمور أو سلك آمر
واشتغلت بابتداء هذا الكتاب يوم السبت في أواخر جمادى الآخر سنة ثمان وخمسين وخمسمائة.
وأقول: اللهم اجعل رضاك عنا غاية، وأمد وهيىء لنا من أمرنا رشدًا، وارزقنا قناعة وحياة طيبة، وحكمة، وآتنا من لدنك رحمة، وأصلح أمورنا، واشرح بنور التوفيق صدورنا، وكثر حسناتنا، ووفر صالحاتنا، واغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيآتنا، وأنعم علينا بجمع شملنا، ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا، إنك أرحم الراحمين، وخير الغافرين، وولي المؤمنين.