قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله خلق سبع سماوات، فاختار العليا فأسكنها خلقه، ثم اختار خلقه فاختار بني آدم، ثم اختار من بني آدم العرب، ثم اختار من العرب بني نضر قريشًا، ثم اختار من قريش بني هاشم، ثم اختارني من بني هاشم، فلم أزل خيارًا في خيار.
وقال أيضًا صلى الله عليه وآله: إن الله اصطفى من ولد بني آدم إبراهيم واتخذه خليلًا، ثم اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، ثم اصطفى من ولد إسماعيل نزار، ثم اصطفى من ولد نزار بني نضر، واصطفى من بني نضر بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفى من بني هاشم بني عبد المطلب، واصطفى محمدًا من بني عبد المطلب. وقال ﵇: ثم اجتذبني أب أفضل من بني هاشم.
وقال العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وآله: إني قلت للنبي ﵇: إن قريشًا جلسوا فتذاكروا أحسابهم، فجعلوا مثلك مثل نخلة في روضة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تعالى يوم خلق الخلق خلقني خيرهم، ثم خير فرقهم فجعلني خير الفريقين، ثم جعلها قبائل فجعلني في خير قبيلة، ثم جعلها بيوتًا فجعلني في خير بيوتهم، وأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما مسني عرق سفاح قط، وما زلت أنقل في الأصلاب السليمة من الرحوم والأرحام البرية من العيوب.
وهذا الحديث يدل على شرف بني هاشم، وطيب أصلهم وفضيلتهم في النفساء والتهذيب والتصفية والتنقيح.
[ ١ / ١٤ ]
وفي الزمن الماضي ما وقع التشاجر بين بني هاشم ومخزوم وأمية وعبد شمس، بل سلموا الفضائل بأسرها لبني هاشم، فلا فضيلة للعرب إلا وهي موجودة في بني هاشم. ولبني هاشم فضيلة المصطفى، وليس لأحد مثل هذه الفضيلة ولهذا قال الشاعر لبني مخزوم وهو يخاطب واحدًا منهم:
ولد المغيرة تسعة كانوا صناديد العشيرة
وأبوك عاشرهم كما نبتت مع النخل الشعيرة
إن النبوة والخلا فة والسقاية والمشورة
في غيركم فاكفف إلي ك يدًا مجذمة صغيرة
وقال الفضل بن عباس: في مكة نحن كإسكانها من قريش، وبنا سميت قريش قريشًا. وقال الشاعر لبني هاشم:
أبوكم قصي كان يدعي مجمعًا جمع الله القبائل من فهر
وأنتم بنو زيد وزيد أبوكم به زيدت البطحاء فخرًا على فخر
واسم قصي زيد وقصي لقبه، وسمي قصيًا لأنه أقصى قومًا وأدنى آخرين. واسم زيد في آل علي بن أبي طالب ﵁ كثير، لأنه اسم جدهم قصي، قصي هو الذي أدخل الحرم كنانة، وأخرج من الحرم خزاعة، ودفع شابور الملك عن مكة، وقيل لهاشم القمر. قال الشاعر.
إلى القمر البادي المقيم دعوته ومطعمهم في الأذل والضيق والجدب
ومن الذي أطعم قريشًا من ماله في الجدب حتى عاشوا سوى هاشم، حتى قال فيه الشاعر:
عمرو العلى هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف
وعبد المطلب هو مطعم الناس والوحوش، إذا هبت الشمال نحر جزورًا وأطعم الناس والوحوش. وهو أكمل العرب جمالًا، وأطهرهم بيانًا، وهو الذي رآه أبرهة الملك صاحب الفيل، فنزل من سريره وجعل معه على البساط احترامًا له، واسمه شيبة الحمد. قال مطرود الخزاعي وهو من المعمرين:
يا شيبة الحمد الذي تثنى له أيامه من خير ذخر الذاخر
المجد ما حجت قريش بيته ودعا هزيل فوق غصن ناضر
والله لا أنساكم وفعالكم حتى أغيب في تراب القابر
وقال حذافة بن غانم العدوي:
بني شيبة الحمد الكريم فعاله يضيء ظلام الليل كالقمر البدر
وقال العبدي:
لا ترى في الناس حيًا مثلنا ما خلا أولاد عبد المطلب
وكل واحد من الشعراء أسلم المجد لبني هاشم ولبني عبد المطلب، حتى قال بعض الشعراء:
إنما عبد مناف جوهر زين الجوهر عبد المطلب
وبعد فمن يناضل ويفاخر رجالًا ولدوا محمدًا المصطفى صلى الله عليه وآله مع ما ذكر، من أن الله تعالى أعطى عبد المطلب من تفجر العيون تحت كلكل بعيره، وأعطاه عند المساهمة وعند المقارعة من الأمور العجيبة، ورد بسببه أصحاب الفيل عن مكة. وأنزل الله تعالى في هذه القصة " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " وكان ذلك في عهد عبد المطلب.
وكانت قصة الفيل عند قريش كالعيان، وكان العهد قريبًا، حتى قالت عائشة: رأيت سائق أصحاب الفيل أعمى يطوف في سكك مكة ويستطعم.
وقد أصاب أهل مكة جدب، فاستسقى عبد المطلب وقام على الصفا وقال: اللهم أنت عالم غير معلم، هؤلاء عبادك يشكون إليك سنة أكلة الجيف والنطف، فأمطر اللهم علينا غيثًا مغيثًا مغدقًا، فما قعد حتى تفجرت السماء بمائها. وقال الشاعر:
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا وقد فقدنا الحيا وأجود المطر
فجاد بالماء جون له سبل دان فعاشت به الأنعام والشجر
منًا من الله بالميمون طائره وخير من شرف يومًا به مضر
مبارك الأمر يستسقى الغمام به ما في الأنام له عدل ولا خطر
وبنو هاشم كانوا أعقل العرب، وأدهى البرية، وأفصح الناس لسانًان لكثرة ما يرد عليهم من اختلاف الأخلاق والألسنة، وليس لقبائل العرب في حلف الفضول نصيب، وهو أشرف حلف، وأكرم عقد كان في قريش إلا لبني هاشم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت.
وذلك الحلف كان اتفاقًا منهم على نصرة المظلوم وقهر الظالم حتى قال قائلهم:
حلفت لنقعدن حلفًا عليهم وإن كنا جميعًا أهل دار
[ ١ / ١٥ ]
نسميه الفضول إذا عقدنا يعز به الغريب لدى الجوار
ويعلم من حوالي البيت أنا أباة الضيم نهجر كل عار
ولم تكن الرفادة والحجاية والسقاية والدار الندوة واللواء والنيران إلا لبني هاشم في الجاهلية، وسائر قريش تبع لبني هاشم. ولا يخفى تفاوت ما بين التبع والمتبوع.
فقريش طلقاء قصي حين رد عنهم شابور الملك، كما تقدم. وعتقاء عبد المطلب حين رد الله عنهم أبرهة صاحب الفيل بدعاء عبد المطلب حين قال: للبيت رب يحفظه. ثم قال: اللهم إن المرء يحفظه في رحله وبيته، فاحفظ بيتك، فأرسل الله على أبرهة طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل.
وكان هاشم يطعم الحاج كل سنة من خاص ماله، ويزود كل فقير حتى يصل بمعونته من مكة إلى بيته، فأراد أمية أن يطعم الحاج سنة فاستأذن، فأذن له هاشم، فنفد مال أمية وما تيسر لهمة الحاج، فغضب من ذلك هاشم، ونحر في الحال من خاص ماله ثلاثمائة جزور، وأمر باتخاذ الفالوذج من العسل المصفى، وأطعم الحاج وردهم إلى مواطنهم، وزود الفقراء منهم، وغضب على أمية وطرده وقال: لم تفعل ما لا تستطيع فعله.
وكان عبد المطلب أيضًا يطعم الحاج، ويوقد المشاعل كل ليلة للحاج، وكانت سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام في يديه، وكان هذا الرسم جاريًا إلى عهد رئاسة العباس بن عبد المطلب، حتى جاء الإسلام وظهر أمر الله.
وليس في بني هاشم أحد إلا وقد اشتق له من فعله الكريم وخلقه العظيم لقب، فأول ذلك هاشم.
وقيل: حضر حرب بن أمية مع عبد المطلب عند نفيل بن العربي للمحاكمة والمفاخرة، فقال نفيل لحرب بن أمية: أنا أتعجب من إقدامك على عبد المطلب للمفاخرة وأنشد:
أبوك معاهر وأبوه عف وذاد الفيل عن بلد الحرام
وذلك أن أمية تعرض لامرأة من بني زهرة فضربه رجل من بني زهرة بالسيف، فأراد بنو أمية إخراج بني زهرة من الحرم، فما تيسر لهم ذلك.
وقال معاوية لدغفل النسابة: ما تقول فينا وفي بني هاشم؟ فقال دغفل: بنو هاشم أطعم للطعام وأضرب للهام. وقد جمع دغفل في كلامه بين السخاوة والشجاعة. ولا فضيلة للعرب وراء هاتين الفضيلتين.
ثم قال لمعاوية: أنت من هاشم في بيت مكرمة، ولا بني المصطفى الصيد للميامين، فحلم عند معاوية وسكت.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما افترقت فرقتان إلا كنت في خيرهما.
وقال صلى الله عليه وآله: بعثت من خير قريش.
وإن كان الفضل تكثر العدد، فولد عبد الله بن العباس وولد زين العابدين ﵁ من الكثرة في حد لا يضبط أعداد أولادهما الحساب، وهل في بني أمية وبني مخزوم مثل زين العابدين علي بن الحسين ﵄، ومثل علي بن عبد الله بن العباس، ومثل علي بن عبد الله بن جعفر الطيار؟ وهل فيهم في السخاوة مثل عبد الله بن جعفر الطيار؟ الذي وهب في يوم واحد للفقراء والمحاويج وأبناء السبيل ثلاثمائة دينار. ومثل عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ومآثره في كتاب ذكر الأجواد مشهورة.
وفي بني هاشم رجل ولدته أمان من أمهات المؤمنين، وهو عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄، ولدته خديجة أم المؤمنين وأم سلمة أم المؤمنين، وولدته مع ذلك فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وفاطمة بنت الحسين ﵁.
قال واحد من بني هاشم:
لما تخير ربي فاصطفى رجلًا من خلقه كان منا ذلك الرجل
لنا المساجد بناها وتعميرها وفي المنابر فقدان لنا ذلل
وإن كانت لقريش فضيلة على العرب بأن رسول الله صلى الله عليه وآله من قريش، فإن لهاشم ذلك الفضل أكثر وأوفر، وإنما فضل العرب برسول الله صلى الله عليه وآله، فبنو هاشم بذلك الفضل أولى من غيرهم.
والخيزران وزبيدة امرأتان من بني هاشم قد بذلتا من الأموال في سبيل الخيرات ما لم يبذله بنو أمية بأسرهم في مدة ملكهم، وآثارهما في طريق مكة باقية.
وكان من حكام قريش في الجاهلية شيبة الحمد عبد المطلب، والزبير بن عبد المطلب. وكانت سيدة العرب وأمناءهم على دينهم بنو هاشم، ومن أجواد العرب في الجاهلية هاشم بن عبد مناف، وقال الشاعر يذكر فيه بني هاشم وقال: يا هاشم، والمراد به بنو هاشم.
يا هاشم الخير إن الله فضلكم على البرية فضلًا ما له أبد
[ ١ / ١٦ ]
وإن بني هاشم أطعموا بالصبا ما هبت، فإذا أمسكت أمسكوا، فلا يدخل بيوتهم جايع إلا شبع، ولا خائف إلا أمن.
وقال الشاعر:
قريش خيار بني آدم وخير قريش بنو هاشم