لم يخلف حجيلان بن حمد بعد مقتل ابنه إلّا أربع بنات، إذ ليس له ولد ذكر غير ابنه عبد الله.
ولقد وصلتنا وصية (قوت) بنت حجيلان بن حمد وهي وصية حافلة جديرة بأن تكون وصية ابنة أمير كبير مثل حجيلان بن حمد.
وهذه الوصية التي وصلتنا منقولة عن أصل بعد أصل، فقد كتبت للمرة الأولى بخط عثمان بن صالح بن سيف في عام ١٢٥٠ هـ أي بعد وفاة والدها حجيلان عام ١٣٣٤ هـ بست عشرة سنة.
ثم نقلها من خط عثمان بن سيف سليمان بن سيف ونقلها من خطه الكاتب العالم الثقة الشهير ناصر بن سليمان بن سيف في ٥ ذي الحجة سنة ١٣٣٠ هـ ونقلها من خط ناصر بن سليمان السيف إبراهيم السعود الفوزان في خمسة عشر رمضان سنة ١٣٥٧ هـ.
و(قوت) هذه هي زوجة محمد بن عبد الله الحسن والد الأمير الشهير عبد العزيز المحمد آل عليان، ولها منه عبد الله وعبدالعزيز وعبدالمحسن وعبدالرحمن.
وابنها عبد الرحمن الذي ذكرت في الوصية أنه وكيلها هو أصغر أولادها حسبما نعرف.
[ ١ / ١٩٩ ]
وابنها عبد الله وابنه فهد المذكوران في الوصية هما من بني عليان كما هو ظاهر.
وهذا نص الوصية:
[ ١ / ٢٠٠ ]
وفي وصية قوت بنت حجيلان هذه أشياء تحتاج إلى إيضاح بالنسبة للجيل الجديد من القراء.
أولها قولها: أنا يا (قوت) نازعة ثلاثمائة وزنة من صيبتي من البستان: بستان أبوي ﵀.
ومعنى نازعة أنها قد خصصت ثلاثمائة وزنة تمر من صيبتها أي حصتها أو لنقل نصيبها من البستان: بستان والدها حجيلان.
وفسرت ذلك بقولها: مائة منها بضحيتين وقربتين، والأضحية معروفة وهي الذبيحة التي تذبح في عيد الأضحى، وأما القربتين وهما تثنية قربة، وهي التي يوضع فيها الماء.
والمراد هنا القربة التي تملأ بالماء وتعلق في المسجد، أو في الشارع يشرب منها الناس الماء في الصيف مجانًا.
ويدلنا هذا على نفاسة التمر عندهم: إذ مائة وزنة تمر وهي التي تعني مائة وخمسين كيلوغرامًا يمكن الحصول من ثمنها على ذبيحتين في عيد الأضحى وعلى نفقات قربتين اللتين لابد فيهما من حساب ثمن القربة التي هي من جلد خروف أو شاة مدبوغ.
ولو حسبنا قيمة مائة الوزنة من التمر في الوقت الحاضر وهو في الغالب يكون من الشقر، وحسبنا الكيلو الواحد منه لكانت قيمتها ٧٥٠ ريالًا على اعتبار أن الكيلو من هذا التمر قيمته خمسة ريالات الآن، فلا يكفي ذلك لأضحيتين ونفقة قربتين.
وقولها: أنا مخشرة والدي بها الضحايا والقرب لي أنا ولوالدي ضحية، ولعبدالله ومزنة وأبوهم ضحية.
[ ١ / ٢٠١ ]
فقولها: مخشرة، أي مشركة والديّ، من اخشره بكذا إذا أشركه فيه أي جعل له نصيبًا فيه، والمراد بقولها: مخشرة والدي والأغلب أن والدي مثني وذلك يعني الأب والأم، ولم يضع الكاتب شدة على الياء توضح ذلك إذ قد يفهم منه أن المراد والدي أي أبي دون الأم والأغلب أنه مثنى.
والإشراك هنا بالضحية والقرب أنها جاعلة ثواب أجرها عند الله لها ولوالديها فالإشراك أو الخشرة هنا هي في الثواب.
ثم قالت: ولعبدالله ومزنة وأبوهم ضحية وعبدالله هو ابنها قطعًا وأما مزنة فإنها ابنتها افتراضًا وأبوهم هو زوجها.
ولا شك في أنهم ماتوا قبلها وإلا لما أشركتهم في ثواب الأضحية والقربة.
ثم قالت: واللي يفذ من المائة الثانية خمسة عشر وزنة للإمام وعشر للمؤذن وخمس وزان للسراج وخمس وزان للدلو.
يفذ بمعنى يبقى وقد انتقلت من ذكر ما خصصته من مائة الوزنة الأولى إلى الكلام على مائة الوزنة الثانية من التمر، فذكرت أنها خصصت خمس عشرة وزنة للإمام أي إمام المسجد، وهي بلا شك عندي تتكلم على المسجد الجامع الذي هو الجامع الكبير الذي صار اسمه الآن (جامع خادم الحرمين الشريفين) لأنه الذي أعاد بناءه ووسعه جزاه الله خيرًا، وهو أول مسجد جامع في بريدة وبقي كذلك لقرون.
وقالت: وعشر وزان للمؤذن أي عشر وزنات من التمر ويساوي ذلك خمسة عشر كيلو غرام، ولو بيعت الآن لما زاد ثمنها على خمسين ريالًا، ولكن النقود كانت عزيزة في ذلك الوقت، والوزنات العشر من التمر لها قيمة معتبرة.
ثم قالت: وخمس وزان للسراج، والمراد السراج بالتعريف وهو سراج
[ ١ / ٢٠٢ ]
المسجد، فتريد أنها يشترى بثمن خمسة وزنات من التمر ودكًا يكون وقودًا لسراج المسجد كما كانوا يفعلون في تلك الأزمان.
وقالت: وخمس وزان للدلو، والمراد به دلو حسو المسجد أي البئر الذي في جانب المسجد، ويخرج الماء من البئر بذلك الدلو الذي هو كالسطل إلا أنه من الجلد.
والمقصود من إخراج الماء من البئر هو بالدرجة الأولى أن يتوضأ منه من يريد الوضوء ويغتسل منه من يحتاج إلى الاغتسال، من غريب أو من صاحب بيت لا يوجد في بيته بئر يأخذ منها الماء.
ثم قالت: وما فدَّ من هذه المائة الثانية: فذ معناها بقي كما سبق، فيدفع على قريب أي على شخص من قرابتها، ويعشي به، أي يطبخ منه عشاء يأكله الناس أو يصرف في باب برّ - أو شيء ينفع.
ثم قالت: والمائة الثالثة يعني من وزنات التمر الثلثمائة، إن اعتاز أي احتاج أحد من العيال تريد أولادها، أو عيال العيال: أولاد الأولاد، والبنات، فتدفع إليه، وإلَّا تباع كل سنة لين تحصل الحجة أي إلى أن يجتمع من ثمنها ما يكفي لأداء حجة واحدة إلى مكة المكرمة، وذلك بأن يتفقوا بأن يحج رجل ممن سبق لهم أن أدوا فريضة الحج عن أنفسهم ويكون ثواب تلك الحجة وأجرها لمن ذكرته.
وقالت بعد ذلك: ونخلتي الطلوعة ببستان أبوي ﵀.
المراد بالطلوعة هنا: النخلة التي تستثنى من تحمل مصاريف البستان حتى إذا بيع أو أستأجره مستأجر ليفلحه شرط عليه البائع أو المؤجر أن تلك النخلة (طلوعة) أي لا يؤخذ من تمرها شيء مقابل سقيها وإصلاحها.
وذكرت أن تلك النخلة بعد موتها تكون لابنها عبد الله ﵀ بمعنى أن ثواب ما تغله من تمر يكون لابنها.
[ ١ / ٢٠٣ ]
ووكيلها فهد ابن ابنها عبد الله أي الوصي عليها إن اشتهاها فهي له، وإلا يظهرها بأبواب البر.
وقد قالت ذلك على افتراض أن حفيدها غني ربما لا يحتاج إلى ثمن تلك النخلة.
وقالت بعد ذلك: والسنة التي يستافيني الله به على الإسلام إن شاء الله يصمل صيبتي من مكنات أبوي.
وظاهر أن يستافيني الله تعني موتها، وصيبتي نصيبي، ومكنات أبوها: جمع مكان وهو الحائط من حيطان النخل.
ثم قالت: إنه يحب - بعد موتها - أن ينزع ثلث نصيبها ويفرق على عيال بناتي: بنات البريدي، وبنت ابن غانم يعطن على خمسة أريل، وميراثي من ولدي عبد الله تراي موهبته ابنه فهد.
واستدركت أيضًا قائلة: ووكيلي أي الوصي على إنفاذ وصيتها هذه: هو ولدي عبد الرحمن ولمسجد الجرادة خمسة عشر وزنة، أي وزنة تمر، خمس للإمام وخمس للمذن (المؤذن) وخمس للسراج، وأيضًا خمس وزان لدلو الجردة أي دلو مسجد الجردة وهذا المسجد هو الذي عرفناه (بمسجد ناصر) إضافة إلى ناصر بن سليمان السيف، لأنه ظل مدة طويلة هو الذي يؤم الناس في الصلاة فيه، وقد هدم هذا المسجد التاريخي وأدخل في ساحات السوق المركزي لبريدة.
ونصت على أن العشرين الوزنة الأخيرة من نخلات السلمية، والسلمية تقع في شمال الصباخ.