نحن نتصور طبقًا لما سمعناه من الإخباريين وما حدثنا به أشياخنا القدماء أن منطقة بريدة في القرن التاسع أو العاشر الذي ذكروا أن (راشد الدريبي) جاء فيه إلى بريدة واشترى البئر الذي كان فيها من ابن هذال وسكنها أنها لم تكن قد اتخذت شكل مدينة، بل ولا بلدة صغيرة، وإنما كان في مكانها، وما حولها مجموعة من المنازل في النخيل يسكن فيها أهلها، وهم متفرقون وعددهم قليل.
ويؤيد ذلك ما سمعناه من ثقات الإخباريين أن منطقة بريدة لم يكن فيها
[ ١ / ٥١ ]
في العهد القديم مسجد جامع، فأراد أهل المحلات غير المتصلة فيها أن يبنوا لهم مسجدًا يصلون فيه الجمعة، فتشاجروا كل يريد أن يكون المسجد عنده، ثم اصطلحوا على أن يكون في أرض فضاء كانت بينهم.
ثم تشاجروا فيمن يتحمل بناءه فاتفقوا على أن أهل كل جهة يبنون الجهة التي تليهم من المسجد، وكان ذلك المسجد هو (جامع بريدة) الآن الذي سمي أخيرا (جامع خادم الحرمين الشريفين) وقد بقي ذلك المسجد قرونًا وهو مسجد الجمعة الوحيد في بريدة، أدركت ذلك ومن هم في سني.
أما من ناحية الموضوع فإن الذين كتبوا نتفًا من تاريخ القصيم على أخطائها وأكثرهم من أهل عنيزة ذكروا أن الذي حكم بريدة بعد راشد الدريبي هو ابنه حمود، وذكروا تاريخ وفاة حمود في عام ١١٥٠ أو ثلاث وخمسين أو سنة ١١٥٥ على اختلاف بينهم في ذلك، ومنهم الشيخ إبراهيم بن عيسى نفسه الذي أورد قصة شراء راشد الدريبي لبئر نزله هو والذين معه وسمي بعد ذلك بريدة، وأن ذلك كان في القرن التاسع.
فكيف يكون راشد الدريبي في القرن التاسع أو حتى العاشر ولابد أن يكون مسنًا لما عرفناه من كيفية مجيئه إلى منطقة القصيم من بلاده (ثرمدا) والدًا لحمود الدريبي وبينهما ما يقرب من مائتي سنة.
وقد ذكر المؤرخون المذكورون أن (راشد بن حمود) الدريبي الرجل الصلب، بل العنيد، الذي سيأتي الكلام عليه هو حفيد راشد الدريبي الأول وهو قد ثبت ثبوتًا تاريخيًا قطعيًّا أنه كان أمير بريدة في عام ١١٩٠ هـ.
إذا الصحيح أن مجيء راشد الدريبي وجماعته إلى بريدة كان بعد الذي ذكره الشيخ إبراهيم بن عيسى أو أنه في ذلك الوقت، ولكن لم يتول الإمارة على بريدة في ذلك التاريخ، ويكون حمود الدريبي الذي أشرنا إليه وسيأتي
[ ١ / ٥٢ ]
الكلام عليه ليس ابنًا له، وإنما ابن لراشد آخر اسمه وافق اسم راشد الأول الذي هو راشد بن عبد الله الدريبي مثلما أن راشد الثاني الذي هو راشد بن حمود الدريبي تكرر اسمه والله أعلم.
أو أن يكون مجيء راشد الدريبي في ذلك التاريخ أو قبله، ولكنه يكون راشدًا آخر قبل راشد الدريبي الذي ذكروا أنه المؤسس الإمارة آل أبي عليان على بريدة، وليس راشد الذي هو والد حمود وجد راشد الذي قتله حجيلان بن حمد في عام ١١٩٤ هـ.
أما حديث علاقة هذه الجملة من كلام ابن عيسى إذا كانت ذات أصل صحيح فإنها ربما كانت تتعلق بمورد ماء في منطقة ضرية التي وصل إليها آل أبو عليان من ثرمدا قبل أن يسكنوا بريدة، فربما كان الدريبي اشترى بئرًا في منطقتها الصحراوية من ابن هذال ونزل فيها حوله قبل أن ينتقل إلى بريدة.