ومن ضروب المعروف ما جرى من المحسنين المشهورين محمد ومنصور الشريدة من أهالي بريدة حين أصبح صباح وعلى الناس جوع شديد ولهما ضيعة ومخازن مليئة بالتمر وهما شركاء فيه، قال محمد لأخيه منصور: أنني بعت المال (التمر) جميعه، قال منصور: هل اشترطت مشورتي؟ قال: نعم أنت أخي وشريكي وقد بعته إلى أجل قريب، وبعيد في وقت واحد، فاستغرب هذا التناقض وقال: إنني طوع الأمر ورهن الإشارة، فقال: عزمت على بيعه على الله ابتغاء مرضاته وتطهيرًا لأنفسنا من الذنوب بإذن الله.
فقال منصور وأنا كذلك، فحاط مجلسهما البكاء لما عليه الناس من الحاجة ترجم عنها دموع رقيقة فصارا يوزعان التمور على الناس، وهم في مسيس الحاجة إليه واستمر مدة أيام حتى نفد التمر مع ما يصحبه من ملابس ومبرات أخرى، وسيربح بيعهما باذن الله.
وللمحسنين ثواب عظيم عند الله (١).
أقول: المشهور أن محمد الشريدة قال لوالده: بعنا التمر على الله، وذلك أن الناس أصيبوا بالجوع فكان بعضهم يقعون في الشوارع والمساجد موتى بعد أن كانوا يتضورون جوعًا.
_________________
(١) من كتاب نزهة النفس الأدبية، الجزء الثاني، ص ٦٩.
[ ١١ / ١٣٩ ]
وكان للشريدة تمر كثير ووالدهم عبد الرحمن قد أصبح شيخًا كبيرًا فعلم من الناس أن التمر ارتفع سعره.
فقال لابنيه محمد ومنصور: يقولون التمر علي عساكم بعتوا التمر؟ قالا: نعم.
فقال: من هو الذي بعتوه عليه؟
قالا: رب العالمين.
قال: نعم البيع.
ومن أفضل أعمالهم أنهم كانوا يعطون النساء المتعففات ومن لا عائل لهن ليلًا ممن يستحين أن يعرفهن الناس، فكانوا لا يسألونهن عن الأسماء، ولا عن المكان.
وهذا أمر عرف واشتهر في الجزيرة العربية في ذلك الوقت.
أما عن موت الناس في الشوارع جوعًا في عام ١٣٢٧ هـ فذلك سيرد ذكره في ترجمة (موسى بن عبد الله العضيب) في حرف العين بإذن الله.