حل بالناس سنة ١٣٢٧ هـ سنة الجوع فقام الرجلان بتوزيع القوت والحبوب والتمر، وكان (الشريدة) بزعامة المذكورين يلحقون الناس في الشوارع وينقذون من لحقوا به من الموت.
قال أبوهم عبد الرحمن وش سويتوا بالتمر؟ قالوا بعناه.
قال: من هو عليه بعتوه؟ قالوا سلمك الله على ربنا الله سبحانه.
قال: نعم البيعة، الله يقبل.
وهكذا فعل محمد بن شريدة - حين رأي الشوارع يتساقط فيها الناسُ حاضرة وبادية كبارًا وصغارًا رجالًا ونساء يتساقطون من الضعف والجوع،
[ ١١ / ١٣٦ ]
عندها نادي في الرجال والشباب الأقوياء ليساعدوه - وانطلق بهم إلى منزله وجمع مئات الأواني صغيرة وكبيرة - وملأها بالتمر وأحيانًا بالماء والتمر، وبدأ مع مساعديه في إنقاذ المئات من الناس وأمر مناديًا في جميع شوارع بريدة - من أراد الطعام فليأت إلى بيت ابن شريدة.
ويقول الأديب فهد المارك ﵀ في كتابه من شيم العرب (لا يطيب للتجار المحتكرين إلا العيش على حساب الجائعين من مواطنيهم اللهم إلا من كان بين جنبيه قلبٌ ألمعيٌ وعاطفة دافئة ووجدان عامر ومروءة جمة مثل (محمد بن شريدة ﵀) ذلك الرجل الذي كان زعيمًا لبريدة في عصره ومن ذوي الحل والعقد - عندما خرج ذات يوم فوجد الكثير من الحاضرة والبادية يتضورون جوعًا ويملأون الطرقات - فلم يسعه إلا أن يلبيّ نداء ضميره الحي - فيرحب بالجياع والضعاف - يتزاحمون عند بابه وانخنس عشرات التجار عن دروب المكارم - حتى حاول أحد المشهورين من التجار أن يثني محمدًا عن هذه المكرمة - ليبيع ما عنده بأسعار خيالية - ولكن محمدًا رفض، وختامًا قال أحدهم من قصيدة له:
من مثل إمحمّدْ بالازمان العسيره خمسين ليلة واقفٍ يبذل الزادْ
من مثل إمحمّدْ والليالي خطيره يشُبّ نارٍ يدهلة كلّ ورّادْ
محمّدْ نظيف القلب صافي السريره راع الكرَم والجود هو فَخر الأجواد
وقد نظم الشاعر ناصر أبو علوان فيما عمله محمد الشريدة وأخوه وشريكه في المال منصور الشريدة قصيدة عصماء مؤثرة رأيت ذكرها هنا لأنه شاهد الحال فيها:
[ ١١ / ١٣٧ ]
قال الذي ما قال زود ولا زور وقول بلا فعل هله يقمحون
أنا شهيد محمد هو ومنصور بدفع البلا كل الملا يشهدون
وأنا قصير محمد هو ومنصور جيرانهم بصحونهم يرثعون
صغار وكبار وزود هل الدور اللي بهن لحقوقهم يرسلون
لي نوخوا ما قالوا الباب مسكور الضيف ضيف الله ولا يزعلون
حران ذبح الضان وجنوب وظهور وزاد يكوم في كبار الصحون
إلَّا وسهلين وجزلين وظفور ودرب المراجل يضربونه بهون
من طلعة النجمة إلى شقة النور من مالهم لأعمالهم يجمعون
يا ما تلاقي من صحيح ومصفور وعجز وشيبان سواة الشنون
لي قلت: خَفوْا جا مع السوق طابور ناس تلاقي من بعيد يجون
أجواد لو عَليه خلاخيل وخصور عطية خفا ما نظرت بالعيون
الله ذكر من صغَّر النفس ماجور وأسعدهم بإيمانهم ينثرون
باعوا على الله ما هي بالهرج والشور يا الله عسى في بيعهم يربحون
اللي يبي الجنة وينزل مع الحور يفطن لعيلات هَلّهْ يستحون
أنا اطلب الله كل ما اقعد وابي أثور محمد ومنصور عسى يسلمون
وفهد وأبوه بنية الخير مذكور المال دون وجيههم يرخصون
و(يحيى) بغيباته للأمصار مشهور طيبه مع اللي للنضا يتبعون
بالبر والبلدان وبديرة الغور اللي هل العيرات له ياردون
وحمود وسليمان لي ركبوا الكور مروسين للفرَجْ يقطعون
إبراهيم وصالح ما بهم حكي وقصور وعلي وتال الغوش ماهمب دون
هذا الجهد مني إلى صرت مقهور العذر يا جيراننا فاعذروني
سلام مني عدد موج ببحور على النبي وأصحاب له يتبعون
[ ١١ / ١٣٨ ]
ومع معرفتي الشخصية عن طريق الرواية من عشرات الشيوخ الثقات عما فعله محمد ومنصور الشريدة، وهما شقيقان شريكان في المال في سنة الجوع التي هي عام ١٣٢٧ هـ فإنني رأيت أن أنقل كلام الأستاذ إبراهيم أبو طامي في الموضوع، قال: