من ذلك أنه سُور مقبرة بريدة القديمة التي كانت موجودة منذ عهد حجيلان بن حمد، وربما قبل ذلك، سوًّرها بسور محكم وذلك فيما يقال: إن أحدهم رأى رؤيا في المنام أن أحد المدفونين فيها خرج من قبره شاكيًا صارخًا بأن الناس أذوهم لأن أهل الحبوب كانوا يجمعون فيها السماد حتى إذا اجتمع نقلوه إلى فلاحاتهم لتسميد البساتين، كما أن بعض الناس يتخذونها ممرًا، إلى جانب إهانات أخرى للقبور،
[ ٢١ / ١١١ ]
فاتفق علي بن مقبل مع صالح الماضي أحد معلمي البناء بالطين المشهورين على أن يسورها على نفقته ولكن شرط عليه إلا يخبر أحدًا بذلك.
قال لي ابنه سليمان بن علي بن مقبل: إن والدي كان يعطي ابن ماضي تمرا من عندنا للحرفية - العمال - ولكنه كان يقول لنا: إنه يعطيه إياه دينًا عليه، وهكذا لم يعلم أحد بذلك إلا من صالح الماضي بعد موت علي المقبل.
وعلي بن مقبل كان مشهورًا بالورع حتى في الكلام، فكانت له معاريض كان يستعمل بعضها أهل نجد، من ذلك أنه كان عندهم في بيتهم صُفَّة أي غرفة جعل اسمها عند أهل بيته (خضيرا) فكان إذا طرق الباب عليه أحد لا يريد لقاءه أو لا يستطيع ذلك لشغله قال لأولاده:
لا تقولون أبونا ماهوب بالبيت تكذبون قولوا إنه (بخضيرا)، يريد بها هذه الصفة، ويوهم سامعه أنه خارج إلى خضيرا الخب الشرقي من خبوب بريدة الشرقية.
ومن ذلك أنه إذا طلب منه أحد نقودًا وهو يستحي من مجابهته بالرد وضع أي علي المقبل يده على فخذه وقال: (والله يا أخي الآن ما تحت يدي شيء من الدراهم) يريد في تلك اللحظة وسامعه يتوهم أنه يريد أنه ليس عنده شيء من النقود.
ومما يذكر لعلي المقبل في محبته للمشايخ وطلبة العلم أنه ذهب وفد من المحبين لطلبة العلم والمشايخ إلى حائل للشفاعة عند الأمير عبد العزيز بن متعب بن رشيد لإطلاق سراح الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم الذي كان نفاه الأمير ابن رشيد إلى (النبهانية) عقابًا له في تحريض الناس على قتال ابن رشيد سنة الطرفية في عام ١٣١٨ هـ، وكان من هذا الوفد الوجيه الثري الثقة ناصر بن سليمان بن سيف، قيل: وجدوا عند ابن رشيد الشاعر علي الحريص من أهل بريدة وقد نظم قصيدة عامية يذم فيها المشايخ وأتباع آل سليم، ويثلبهم لأنه من محبي الشيخ إبراهيم بن جاسر ومن معه، وهم ضد هؤلاء الذين هم من أنصار
[ ٢١ / ١١٢ ]
آل سليم، قالوا: فعذلوه ولاموه، وقال له علي المقبل: هذا حمل بعير لقيمي - من الذي يتخذ جريشًا - ولا تسب الإخوان، فقال الحريص: اللي راح راح لكن اتعهد لكم إني ما أبدع بكم شعر جديد، وهكذا كان.
خطب منصور الربيعي ابنة علي المقبل فأعطاه أي وافق، فقال له الرجيعي: وش تبون يا عم - من الجهاز - فذكر له شيئًا ثم قال: ونبي عباءة للبنت، فقال علي المقبل: حنا حريمنا ما تبي عبي: عباءة الواحدة منهن باب الحوش تطلع منه إلى رجلها أو للمقبرة ولا حاجة بها للعباءة.
عندما مرض علي المقبل صار يقرأ دفتره فإذا رأى اسم مدين له فقير أو عاجز شطب على المكتب وهو الوثيقة التي تثبت الدين، فصار أبناؤه يخفون عنه دفتره ثم صاروا لا يفتحون لزواره، لأن الذين عليهم دين له صاروا يزورونه ويطلبون مسامحتهم عن الدين فيسامحهم، وكان منصور الرجيعي مدينا له وهو صهره فدخل الفجر مع (الرواية) التي تروي الماء، فعتب عليه علي المقبل وقال: يا ردئ العزمة ما زرتني في مرضي فأقسم بالله وعلي المقبل يعلم أنه صادق أنه جاء أكثر من مرة، ولكن أبناؤه يغلقون دونه الباب، وأنه دخل اليوم مع الرواية.
ذكر لي الأستاذ سليمان بن عبد الله العيد أن والده عبد الله العيد وعمه علي كان عليهما دين لعلي المقبل ﵀ مات قبل أن يوفياه فقبل أبناءه منهم أن يتنازلوا لهم عن فائدة الدين وأن يكتفوا برأس المال، ويبرون ذمتهم منه ففعلوا.
وهذه نماذج من مداينات علي المقبل (العبيد) وتتضمن مداينة بين حمود الصالح راعي اللسيب وهو من أسرة الحمود المعروفة هناك وبين علي المقبل، والدين كثير فهو أربعة آلاف وزنة تمر أي نحو ستة آلاف كيلو من التمر، ومعه من الدراهم أي الريالات اثنان وأربعون ريالًا، وأربعة أرباع، والربع هو
[ ٢١ / ١١٣ ]
ربع الجرش الذي هو ثلث الريال الفرانسي.
والشاهد على ذلك عبد الله بن سليمان الحصان، والكاتب: صالح بن سليمان، والتاريخ ١٦ محرم من عام ١٣١٦ هـ.
[ ٢١ / ١١٤ ]
قال إبراهيم بن سليمان الطامي: