علي بن مقبل من كبار طلبة العلم في بريدة، ويعمل في التجارة، وهو يعطف على طلبة العلم في بريدة، ويحسن إليهم، وقد تعاهد طلبة العلم يسكنون في مسجد ناصر وسط مدينة بريدة، فكان يبعث لهم بطعام الغداء والعشاء يوميًا
_________________
(١) ملامح عربية، ص ٩٨.
[ ٢١ / ١٢٠ ]
من نفس الطعام الذي يأكل منه هو وأهل بيته، وكان يؤمن لهم الفرش من ماله واستمر على هذا المنوال مدة طويلة لم يخلف سيرته مع طلبة العلم، وقد كتبت عن هذا الرجل وسيرته في تجارته وصدقاته أكثر من موضوع في هذا الكتاب رغبة في نشر فضائله واعترافًا بها ورغبة في الدعاء له من القراء، وقد توفي الرجل عام ١٣٣٤ هـ، وقد أوذي في حياته من بعض الأمراء والحكام وصبر على الأذى، وقد لحقه الأذى بسبب محبته لطلبة العلم ومساعدتهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد استدعاه أمير حائل محمد بن عبد الله بن رشيد لغرض تأديبه ولكنه أكرمه وأعاده إلى بريدة محترمًا مكرمًا، ووصي أمير بريدة باحترامه وإكرامه ولا شك أنه قد وشي به، وحينما قابله أمير حائل وجد الرجل أهلا للاحترام والإكرام فاعتذر له وأعاده مكرمًا.
وقال الشيخ صالح بن سليمان العمري ﵀:
العالم العابد والورع الزاهد الشيخ علي بن مقبل العلي العبد الله آل عبيد: (من قبيلة سبيع):
ولد هذا العالم الجليل صاحب المكارم والمفاخر والإحسان بين الناس بمدينة بريدة عام ١٢٤١ هـ ونشأ فيها نشأة صالحة وتلقى علومه على علمائها، ومن أبرز مشايخه الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، والشيخ محمد بن عمر بن سليم، والشيخ سليمان العلي المقبل، والشيخ عبد الله بن فداء.
وكان ﵀ يشتغل بالتجارة والمداينة على الطريقة المشروعة، دون أن يشغله ذلك عن العلم والعبادة، ومن يعرف سيرة الرجل يعتقد بأنه لم يقصد بتجارته استكثار المال، وإنما قصد إنفاق مكسبه في سبيل الله، فقد كان ﵀ عفيفًا، يشتري التمر بالسلم من أهل النخيل، فإذا حضر لاستلام حقه، وبدأ الجذاذ فمن عادة أهل نجد أن من حول الجذاذ يحضرون، ويأكلون، ولكنه
[ ٢١ / ١٢١ ]
﵀ لا يأكل شيئا من مال صاحب النخيل بل يأخذ تمرات يضعها فوق التمر قبل وزنه فإذا وزن التمر أخذها فأكلها، وكان يسمح للناس بالأكل من تمره، ويجود على الفقراء والمساكين بشيء منه.
ثم إنه يجمع التمر في أحواض فإذا رأى حاجة الناس إليه باعه بسعر سوقه وكان ﵀ ينظر المعسر احتسابًا، وإذا انتهى من معاملة أحد وضع عنه بقية دينه، ولم يكن يتعامل إلا مع الفقراء احتسابًا، ويرفق بهم وإذا عرف أن المستدين يجد من يدينه غيره لم يدينه، فهو يحرص على إدانة من لا يجد من يدينه.
وله قصة مشهورة مع أحد عملائه وهي أنه كان يطلب إنسانًا دينًا قد تأخر عن تسديده وكان للمدين ابن خارج بريدة فأرسل ابنه له بمبلغ، ومن الصدف أن الشيخ علي قابل المدين في اليوم الذي وصل إليه المبلغ من ابنه، فطلب منه الشيخ علي أن يذهب معه إلى منزله، فظن الرجل أنه قد علم بالمبلغ وأنه يريد أن يطالبه بدفع ما وصله من ابنه، ولما دخل معه للمنزل ظل الرجل خائفًا والشيخ علي لم يشعر بذلك، فقدم له الشيخ علي طعامًا طيبًا، فأكل منه الرجل ثم ناوله الشيخ علي بعض النقود وقال له: إنما دعوتك لأخبرك أنني قد شطبت دينك ووضعته عنك، فبكى الرجل من شدة الفرح ودعا للشيخ، وقال: لقد كنت خائفا أنك قد علمت بما وصلني من ابني، وإنك تريد مني أن أسددها لك من الدين، ثم دعا له وانصرف.
وهذه قصة واحدة من قصص عديدة من أعمال هذا الرجل.
وكان من عادته عندما يبلغ رأس ماله مبلغًا معينًا قيل بأنه خمسة آلاف ريال فرانسه (وهي تعادل الملايين الآن) كان من عادته إذا حال الحول أحصي ماله ثم أخرج الزكاة الشرعية، ثم تصدق بما زاد عن رأس المال، وهكذا دأبه.
وبلغني أن رجلًا من أبناء الأعزاء على الشيخ علي طلب منه قرضًا
[ ٢١ / ١٢٢ ]
فاعتذر عن إعطائه المبلغ، فقال له أحد أبنائه: إن هذا الرجل ووالده أعزاء عليك ونراك تعطي غيرهم القرض، فقال: يا بني إن هذا الرجل يدخل عليه بعض أموال لا أرغب خلطها بمالي ولذلك لم أعطه فعرف ابنه السر.
ومن ورعه ﵀ أنه لا يطعم عند من يتعامل معهم بالدين أو القرض البتة، حدثني ابنه عبد الله قال:
ذهبت مع والدي مرة نريد البدائع، فلما خرجنا من بريدة بعد صلاة الصبح أخرج لي تمرات من جيبه، وقال: كلها فأكلتها ثم أخرج لنفسه مثلها فأكلها، وكان ﵀ سيمر ببعض من يتعامل معهم بالدين أو القرض ولا يريد أن يطعم عندهم، ويتحاشى الكذب بأن يقول قد طعمنا، وهو لم يطعم فطعم هذه التمرات، وأطعم ابنه مثلها عن الحنث بالكذب عندما يعتذر من أكل طعام الناس وقصده بذلك ﵀ الورع والتعفف والبعد عن شبهة جر المنفعة في الدين والقرض لعملائه.
قال ابنه عبد الله: فمررنا بأحد المزارعين وطلب من الوالد أن يطعم عنده فرفض، وقال: قد فكينا الريق، ثم مررنا بقرية أخرى فطلب منه صاحبها مثل الأول فقال قد فككنا الريق، قال عبد الله: ولما وصلنا البصر طلب منه أحد المزارعين أن يقدم له شيئا من الطعام، فقال قد فكينا الريق وهو بذلك صادق لكنه لم يأكل قوتًا يكفيه، ويكفي مرافقه ابنه، يقول عبد الله: فنظرت فإذا وجهته البدائع وأننا لن نصلها إلا بعد ساعتين أو ثلاث وأننا لن نصلها إلا وقد أنهكنا الجوع والتعب فقلت للمزارع: يا عم إنه يقول قد فكينا الريق ولكن بتمرات وأنا جائع.
قال: فغضب والدي علي وقال فضحتنا، وكان لا يريد أن يعرف أحد سره بذلك.
ولقد كان ﵀ يخص طلبة العلم والعلماء ببره وإحسانه، فكأنه والد للجميع، وكان منزله ملجأ لهم فيقدم الطعام والشراب في كل يوم لعدد منهم،
[ ٢١ / ١٢٣ ]
وفي كل يوم بعد الغداء تعقد جلسة علمية في منزله، فيقرأ بعض الطلبة ويبحثون في موضوع القراءة ثم يتفرقون.
ولقد كان ﵀ أقوى شخصية في طلبة العلم ببريدة، فقد كان له هيبة ووقار واحترام في نفوس الخاص والعام من العلماء والأمراء والوجهاء والأعيان والخاص والعام، وذلك لاستقامته وإنصافه، وكان في زمن الفتن من أقوى المؤيدين لآل سليم وتلامذتهم، ومن أقوى أعوان دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القصيم، وإذا كثر القيل والقال وضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصار الأمر في غير أهله ابتعد حتى تعود الأمور إلى مجاريها.
ولم يتخذ مجلسًا للتدريس بحيث يكون له تلامذة يعرفون فقد كانت جلساته جلسات مذاكرة وإفادة واستفادة كما ذكرنا في منزله.
وقد توفي ﵀ عام ١٣٣٤ هـ كما ذكر لي ذلك ابنه سليمان، وقد حزن الناس لوفاته حزنًا شديدًا وقد خلف من الأولاد عبد العزيز وعبد الله وسليمان، وللجميع أولاد وأحفاد بعضهم طلبة علم فرحمه الله رحمة الأبرار (١).
وترجم له الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام، فقال: