قالت نشرة يصدرها بعض أسرة (أبا الخيل) الذين منهم مهنا الصالح:
مهنا الصالح شخصية معروفة تولى إمارة القصيم (ما عدا عنيزة) من أواخر سنة ١٢٨٠ هـ حتى محرم سنة ١٢٩٢ هـ، ولذلك فأخباره في هذه المدة التي وليها متداولة في المصادر والمراجع التاريخية، وفي الأسطر التالية سوف نلقي أضواء على شخصيته في بعض جوانبها التي لم تُعنى بها المصادر والمراجع، وأكثر ذلك قبل ولايته الإمارة.
فمهنا هو أحد أبناء صالح الحسين أبا الخيل الأربعة الذين سبق ذكرهم في الحلقة الماضية (١)، وكان أصغرهم، وهو من زوجة صالح: هيلة بنت مهنا العنقري، وكان صالح تزوجها في إحدى رحلاته - كما قيل - على الرياض، حيث حصلت له قصة معروفة لدى الرواة لما مر على منطقة سدير وبالتحديد عند المجمعة، وعلى إثر ذلك اقترنت به هذه الزوجة، فكانت آخر زوجاته، وقد تزوجها في كبره، فصارت أعز زوجاته عليه، ولذلك فإنها ما أن ولدت له ولدًا ذكرًا طلبت منه أن يسميه (مهنا) على اسم والدها مهنا العنقري، فحقق رغبتها فسماه بهذا الاسم، ومن المرجح أن مولده في حدود سنة ١٢٣٠ هـ أو قبلها بقليل أو بعدها بقليل كما سيتبين لنا من خلال ما سنعرضه مما بقي من وثائقه،
_________________
(١) أي من النشرة ذاتها التي تصدرها أسرة أبا الخيل.
[ ٢١ / ٣٦٣ ]
وكذلك الأحداث التي شارك فيها (١).
وقالت النشرة:
ومن المشهور أن مهنا كان من كبار التجار قبل ولايته الإمارة، والظاهر أن أصل ثروته تكونت في البداية إما في أواخر حياة والده، أو من إرثه من والده الذي علمنا سابقًا حجم ما كان يملكه من أموال طائلة، (وحسب ما عندنا من وثائق فإن من أقدم السندات التي سجل فيها دين لمهنا كان في محرم سنة ١٢٥٩ هـ، وكان عوض ٥٢ غازي (عملة عثمانية في ذلك الزمن) كذلك فإن من أقدم الممتلكات التي اشتراها كان نصف مزرعة تقع في إحدى القرى الجنوبية لبريدة، وقد تم ذلك في ربيع الأول سنة ١٢٦٠ هـ، وكانت بقيمة مائتين وخمسين فرانسي دفعها نقدًا، وكتب اسمه في السند: مهنا بن صالح آل حسين، بينما صار بعد ذلك يكتفي بـ (مهنا الصالح) فقط، ولعل هذا يؤكد أن المشتري كان في بداية حياته العملية، فشهرته لدى الناس ما زالت غير واسعة، فاقتضى أن يربط اسمه بشهرة والده المعروف صالح الحسين.
ولقد قام مهنا بتنمية أمواله حتى صار يمتلك ثروة ضخمة جدًّا، حيث قام بالتجارة بنفسه، فرحل إلى خارج الجزيرة العربية في الشام والعراق، كما دفع أمواله إلى بعض الناس على سبيل المضاربات التجارية، كما وظف جزءًا من ماله في قروض على شكل ديون.
على أن أهم العوامل في زيادة ثروته كونه تولى تجهيز حملة حجاج العراق لسنوات غير قليلة، فمن خلال وصف الرواة لتلك الحملة يتبين قدراته المالية في تجهيزها ثم فيما يكسبه من أرباح بعد انتهائها، فقد قيل إن عدد الإبل التي حملت الحجاج في قوافله عام ١٢٦٥ هـ وصل إلى خمسين ألف بعير،
_________________
(١) هذا فيه خلط وغلط يتضح مما أوضحناه عن زواج صالح الحسين بأم مهنا الصالح.
[ ٢١ / ٣٦٤ ]
وبينما بلغ عدد الحرس فيها إلى عشرين ألف رجل (١)، وقد حددت مسؤولية مهنا بجانب توفير هذه الإبل - تأمين أيضًا الخيام والأثاث والهوادج والمواد الغذائية والطهي والحراسة وخاوات القبائل، ولدينا سند سجل فيه دين لمهنا على أحد الناس جاءت فيه عبارة (عقب ركبة مهنا في ثامن شوال ١٢٧٢) ربما أنها تعني ذهابه لحمل الحجاج، ولقد استمر يحمل هؤلاء الحجاج إلى أن نافسه متعب بن رشيد، فوقع بينهما خلاف أوشك أن يفضي إلى قتال في حدود سنة ١٢٧٥ هـ، فتدخل أحمد بن عبد الله الرواف، وأصلح بين الجانبين، ومن يومها ترك مهنا حمل الحجاج.
والناظر في وثائق مهنا يراه أقرض أموالًا كثيرة بديون على كثير من الناس سواء في بريدة وقراها ومدن القصيم الأخرى، أو خارج القصيم كالزلفي، كما أقرض رجالًا من زعماء البادية، بل يلاحظ أنه كان أحيانًا يقرض قروضًا حسنة بدون دين.
ومن الملفت للنظر شراؤه الكثير من الأملاك والمزارع، والشيء الذي نحب التنبيه عليه أن أكثر تلك القروض التي أقرضها للناس وكذلك الممتلكات التي اشتراها كانت قبل سنة ١٢٨٠ هـ، أي قبل ولايته الإمارة.
ولقد برز مهنا بين جماعته أهل بريدة، فصار من أعيانها، بل صار شخصية معروفة عند أهل القصيم قبل أن يشتهر أمره في نقل حجاج العراق، بدليل أنه في عام ١٢٦٥ هـ لما حصلت ثورة أهل القصيم (في بريدة وعنيزة) بزعامة عبد العزيز آل محمد آل أبي عليان، قدم الإمام فيصل بن تركي إلى القصيم لإخمادها، اتصل به مهنا بصفته مندوبًا لأهل القصيم، وتفاوض معه في الصلح، فقبل منه الإمام واشترط أن يقدموا السمع والطاعة، ويدخلوا في
_________________
(١) هذه أرقام يصعب تصديقها، والأقرب أن أصل الإبل خمسمائة أوصلتها المبالغة إلى خمسين ألفًا، وأن الرجال العاملين معه مائتان جعلتهما المبالغة عشرين ألف رجل.
[ ٢١ / ٣٦٥ ]
الجماعة، ويدفعوا الزكاة ويركبوا معه في المغازي، فاختيار جماعته له لمثل هذه المهمة ثم نجاحه فيها يدل على ذلك. انتهى.
أقول: نقلت ما جاء في هذه النشرة، وإن كان بعضه متداخلًا مع ما ذكرته أو سأذكره عن حال (مهنا الصالح) وذلك لكونهم يتكلمون عن أناس من كبار السن من الأسرة وغيرها.
ويلاحظ أن في عبارة النشرة كلمات غير دقيقة مثل تعبيرهم عن المداينة بالإقراض كقولها:
والناظر في وثائق مهنا يراه أقرض أموالًا كثيرة بديون على كثير من الناس سواء في بريدة أو قراها ومدن القصيم الأخرى.
ويريدون بالإقراض هنا المداينة وهو غير المداينة كما هو معروف، فالإقراض هو دفع القرض وهو تسليم مبلغ من المال إلى شخص من دون ربح أو فائدة مالية للمقرض، ولا يدخله التأجيل.
وأما المداينة فإنها البيع إلى أجل أو دفع المال إلى شخص ليعيده للدائن بعد مدة معينة ويكون مشتملًا على ربح للدائن مقابل تأجيل دفع المبلغ كما هو ظاهر.