لذا وقعت الواقعة التي كان الملك عبد العزيز يخشى أن تقع من صالح بن حسن المهنا على يد (محمد بن عبد الله المهنا) الذي عينه وأختاره للإمارة بنفسه.
فقد أعلن محمد العبد الله المهنا خروجه عن طاعة الملك عبد العزيز واستقلال بريدة وما يتبعها من القصيم عن سلطة الملك عبد العزيز.
وقد أعانه على ذلك قوم عاطفيون كان على رأسهم الشاعران الكبيران محمد بن عبد الله العوني أكبر شعراء العامية في نجد كلها ومحمد بن سليمان
[ ٢١ / ٤٤٣ ]
الصغير أكثر شعراء الحماسة النجديين إنتاجًا شعريًّا وأكثرهم أيضًا بحورًا للعرضة، وذلك بدافع من الوطنية الضيقة التي لم تحسب للأمور حسابها ولم تزن النتائج بموازينها الصحيحة، فظنوا أن المستقبل معهم إذا كانوا فكروا في المستقبل، وكان لديهم تصور له.
ولكن محمد العبد الله أبا الخيل ومن معه لم يدرسوا طبيعة بريدة وحالها في السلم والحرب فالجميع يعرف أن أهل بريدة من أسرع أهل نجد إلى النفرة للحرب حتى قال بعض الذين يغارون منهم في هذا الأمر: (أهل بريدة طياشة).
ولكن أهل بريدة ينطلقون في ذلك من معرفتهم بطبيعة بلدهم والتوابع لها من القرى والهجر والبلدان الصغيرة والمزارع الواسعة والنخيل المفرقة خارج سورها.
ولو عرفوا ذلك لعرفوا أن أهل بريدة لا يمكن أن يصبروا على الحصار وإغلاق المنافذ عليهم لأن نخيلهم وأملاكهم، بل وقومهم الذين يعيشون في ملحقات بريدة لن يستطيعوا الصبر على عزلهم عن بريدة، بل ينتظرون الفرج من غزو أهل بريدة بأن يظهروا منها ويخلصوهم من الغزاة، فبريدة إذا حوصرت أضر بها الحصار وإذا استمر عليها الحصار كان ذلك بمثابة الهزيمة لها لأنه يحول بينها وبين ضواحيها من الحبوب والقرى القريبة.
بل تبقى تلك القرى والخبوب تحت الفوضى إذ لا يستطيع من يحكم بريدة أن يشملها بإدارته إذا كانت بريدة محاصرة بجيش له اعتبار.
وهكذا صار أهل الخبوب واقعين تحت اعتداءات من بعض الأعراب وأناس من جهلة بعض البلدان المجاورة الذين كانوا يظهرون أنفسهم بمظهر الجيش المحارب الذي يحارب بريدة وأهلها مع الملك عبد العزيز، وأحيانًا لا يرون حاجة لذلك بل يشعرون الناس بأنهم من جنود الفوضى الذين لا يجدون من يردعهم عن الفوضى، بل لا يجدون من يردهم عن جرائمهم.
[ ٢١ / ٤٤٤ ]
لقد قرب الملك عبد العزيز بجيشه من أهل نجد الجنوبية ومن معه من الحاضرة.
وقد ذكر لي أكثر من شخص منهم أنهم أصيبوا من أناس من جهال أولئك القوم، ولم أسارع بتصديق ذلك، ولكنني وجدت مؤرخًا من أهل عنيزة وهو إبراهيم القاضي يذكر ذلك في تاريخه ويؤكده بقوله:
تمت المسألة بين أهل عنيزة وأهل بريدة من رمضان سنة ١٣٢٥ هـ إلى ربيع سنة ١٣٢٦ هـ والنهب بينهم حامي، عنيزة صار فيها زفرت وقعدية يحذفون بأنفسهم على الطمع، ولو دونه خطر، ولا زال كل يوم الكسوب تجي من أطراف بريدة.
أهل عنيزة خافوا من تلاف أهل بريدة وركبوا إليهم، وقالوا: نبي نتداخل المسألة بينكم وبين ابن سعود، حنا نمون عليه في كل أمر، وأنتم ما نذخر الذي لكم، وأنتم تدرون أن عزكم عزلنا وبقاكم كذلك، وحنا نقوى ابن سعود على أن بريدة وطوارفها لكم، ولا يمشي عليها أمر ابن سعود، وابن سعود تكفيه نجد دون بريدة، ولا قبلوا.
وقال: في آخر شهر ذي الحجة سنة ١٣٢٥ هـ جمع ابن مهنا فيها شاشته زقرت بريدة، ومن الخُبُوب ودفعهم إلى البكيرية، والأمير فيها عبد الله الراجحي منصوب ابن سعود، طبوا البكيرية وأهلها أجاويد ما هم يخالفون على أحد، ولما شافوا الرواجح شغل أهل البكيرية شردوا وزبنوا الهلالية، وإذا هي ذليلة ولا زبنوهم، أما جماعة ابن مهنا دخلوا البكيرية، وسلمت لهم.
قال: وفي ربيع أول سنة ٣٢٦ هـ: ظهر ابن سعود غزاي معه أهل الجنوب البدو والحضر، وصل المستوى.
ولما مشى ابن سعود، ركب معه غزو عنيزة وغزوان القصيم تلافت عليه، ولما أقبل على أطراف بريدة وإذا هو وقت حصاد الزروع.
[ ٢١ / ٤٤٥ ]
عدموا زروع كثيرة وخربوا قلبان بالصباخ، ثم قصد شمال عن بريدة في طرف الشقة، يريد منزل له فبلغه في ذاك اليوم خبر أن ابن رشيد ظهر، يريد نصرة أهل بريدة، ثم ثور يريد مقابلة ابن رشيد، ولما وصل إلى الكهفة رجعت إليه سبوره قالوا ابن رشيد في ديرته ما ظهر (١). انتهى.
ثم زحف الملك عبد العزيز آل سعود بجيشه حتى نزل في (سعة الله) وهي نخيل واقعة في شمال الصباخ مما يلي بريدة فخرج إليه جنود أمير بريدة محمد العبد الله أبا الخيل ودارت معركة بين الفريقين انتهت بهزيمة الجيش الذي أرسله الملك عبد العزيز، وعلى الأقل إخراجه من ذلك المكان القريب من بريدة بعد أن تكبد عددًا من الإصابات من قتلى وجرحى.
أقول: قال شاعر بريدة الذي هو مشايع للأمير محمد بن عبد الله المهنا محمد الصغير قصيدة في هذه الوقعة منها قوله:
من بريدة ظهرنا دون خضْر الرطايب
بسعة الله ذبحنا كم صبيّ وشايب
فابعد الملك عبد العزيز قليلًا واكتفى بالحصار الذي بدأ يؤتي أكله إذ اضطر كثير من أهل الخبوب والقرى القريبة من بريدة إلى الهرب من أماكنهم وترك نخيلهم وفلايحهم للضياع وذلك أن بعض الجهال من الأغراب صاروا يتعرضون لهم حتى خشوا على نسائهم فضلًا عن أموالهم.
_________________
(١) تاريخ القاضي، ص ١٠١ - ١٠٢.
[ ٢١ / ٤٤٦ ]