أجمع النسَّابون أن العرب على اختلاف شعوبهم وقبائلهم من ولد سام بن نوح ﵇، وبعضهم وضح أنه من لاوذ بن سام بن نوح ﵇، كما ذكر بعض العلماء أن عابر هو النَّبِيّ هود ﵇ والله أعلم. ومن عابر تناسل القحطانيون وهو قحطان بن عابر، ومن عابر أيضًا تناسل سيدنا إبراهيم (^١) في بابل من أرض العراق، وقد عبر الفرات للشام هربًا من النمرود حفاظًا على دينه، ومن إسماعيل بن إبراهيم ﵉ تناسل العرب العدنانية، ومنه بني مدين بن إبراهيم شعب انقرض أو انصهر مع العرب، وكما هو واضح أن الأمة العربية بشقيها العدناني والقحطانن من جد واحد هو (عابر)، وكما قال القُضاعي الذي كان يستبعده العلماء من نسل العدنانية وهم جمهرة العلماء قال شاعرهم ليريح النّاس: (إلى عابر ألقى معدًا ويلقاني).
ويطلق النسابة على القحطانية اليمانية .. لما أنهم نشاوا في بلاد اليمن بعد انتقال أجدادهم من منبعهم في بلاد العراق من أحفاد عابر، وهذا لوفرة خيرات اليمن وكثرة أمطاره.
وأشهر فروع بنو قحطان هما: كَهْلان - حِمْيَر (^٢) وكلاهما ابنا
_________________
(١) هو "إِبراهيم" ﵇ بن تارح أو آزر بن ناحور بن شاروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر.
(٢) (حِمْيَر) هو ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، جد جاهلي قديم كان ملك اليمن ونسبه للحمْيَريين أي ملوك اليمن وأقياله له. وكان حِمْيَر شجاعًا مظفرًا، ويقول مؤرخو العرب: إنه حكم بعد أبيه سبأ وعاصمه ملكه صنعاء، وقد عزا وافتتح حتى بلغ بعض غزواته الصين، واتخذ تاجًا من المذهب فكان أول من تتوج به، ويذكرون وقائعه وقتاله لقبائل ثمود وكان مقامها في اليمن ففرقها فارتحلت إلى الحجاز، وأنه عاش خمسين سنة بعد أبيه وله أربعة أولاد مالك، عامر، سعد، وائل، ومن بطون حِميَر السكاسك وقيل أنهم من كِندة، والشعبيون، وبنو الريان، وعبد شمس، وقُضاعة رغم الخلاف من بعض المؤرخين عن قُضَاعة إلَّا أن الجمهرة يؤيدون نسب قضاعة لحمْيَر وله ينسب ملوك التابعة والأذواء والأقيال، كما يروي بعضهم أن حِمْيَر اسمه العرنجج ومعناها في اللغة اعرنجج في الأمر إذا وجد فيه، ولُقب بحِمْيَر لكثرة لبسه الثياب الحمر، وكان يكتب بالمسند على جميع سلاحه وفي الجبال التي يمر بها، ثم حوله إلى الخط الحمْيَري المنسوب إليه.
[ ١ / ٢٦ ]
سبأ (^١) بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وسبأ هو المذكور في القرآن الكريم، ومنهم بلقيس الملكة الشهيرة باليمن أيام سليمان ﵇.
وقبائل القحطانية كثيرون، وهناك قبائل حِمْيَر وكانت لهم مملكة في بلاد اليمن ظلت سنوات تتابع فيها ملوكهم على بلاد اليمن أشهرهم التبابعة، وهناك جمهرة من العلماء من يرون أن قُضاعة من حِمْيَر، وسوف نوضح ذلك في السرد عن قبائلهم في هذا المجلد إن شاء الله.
ودخل الحِمْيريون في اليهودية ثم في النصرانية وظل فيهم مُلك اليمن حتى جاء الأحباش واستعمروها اثنتين وسبعين عامًا كما ذكر ابن هشام، حتى حررها سيف بن ذي يزن الحِمْيَري بمساعدة الفُرس الذين حكموا اليمن بعد طرد الحبشة حتى جاء الإسلام، لتعود اليمن فى حكم العرب المسلمين مرّة أخرى بعد الحبش والفُرس.
ولملوك التبابعة سيطرة امتدت قديمًا بغزوات ملوكهم الحجار بلاد بني عدنان، ولم تخرج العدنانية من سيطرة وغلبة عرب اليمن إلا بعد موقعة (خزازى) (^٢)
_________________
(١) سبأ أصل اسمه (عبد شمس) وسمي كذلك؛ لأنَّه أول من ابتاع السبي في الحروب. وفي الجمهرة لابن حزم: سبأ هو (عامر).
(٢) (خزازى): كان ربيعة بن الحارث التغلبي سيد قبائل ربيعة بن نزار قبل الإسلام، وبعد موته خلفه ابنه كليب (وائل بن ربيعة) في السيادة، وكان لبيد بن عقية أحد عمال ملوك كندة القحطانية قد تزوج أخت كليب وتسمى الزهراء، وقد طغى على ربيعة بن نزار. وثقلت وطأته على قبائلها فأنكرت الزهراء على زوجها صنعه بقومها من ربيعة فقال لها: ما بال أخيك كُليب ينتصر لمضر العدنانية ويهدد الملوك كأنه يعز بغيرهم؟ فقالت الزهراء. ما عرف أعز من كليب أخي وهو كفؤ لها فغضب لبيد ولطمها لطمة قوية أعشت عينها فذهبت إلى أخيها وهي تقول شعرًا: ما كنت أحسب والحوادث جمة … أنَّا عبيد الحي من قحطان حتى أتتني من لبيد لطمة … فعشت لها من وقعها العينان إن ترض أسرة تغلب ابنة وائل … تلك الدنية أو بنو شيبان لا يبرحو الدهر الطويل أذلة … هدل الأعنَّة عند كل رهان فلما سمعها كليب ورأى بها أثر اللطمة ثارت به حميته فهجم على لبيد وقتله بالسيف ثم قال شعرًا: إن يكن قتلنا الملوك خطأ … أو صوابا فقد قتلنا لبيدا وجعلنا من الملوك ملوكا … بجياد جرد تفل الحديدا ذا شعار الحرب الذي يحلف النّاس … به قومكم ونذكي الوقودا أو بردوا لنا الإتاوة والفيء … ولا نجعل الحروب وعيدا إن تلمني عجائز من نزار … فأراني فيما فعلتُ مجيدا =
[ ١ / ٢٧ ]
الشهيرة التي تزعمها كُليب (وائل) من تَغْلب ربيعة، وكان معه مُضَر وبعض قُضَاعة وقد صار ملكًا على العدنانية حتى قَتله جساس بن مُرَّة الشيباني من بكر بن وائل أخي تغلب بنو وائل، وكلتا القبيلتين من ربيعة العدنانية، ودامت الحرب بين الحيين أربعين عامًا. أما فرع القحطانية الآخر كهلان فمنه شعوب وقبائل كثيرة أغلبها نزح من اليمن بعد انهيار سد مأرب أشهرهم: الأزد بقبائلهم ومن الأزد الأنصار (الأوس والخزرج)، والغساسنة، وكان لهم مُلكًا بجنوبي الشام قبل الإسلام وكذلك هناك من قبائل كهلان الشهيرة غير الازد: خَوْلان - هَمَدان - طَيْئ - مَذْحِج - لَخْم - عَامِلة - جُذَام - كِنْدة (^١) والأخيرة كان لها مُلْكًا في الحجاز واليمن، وعن لَخْم فكأَن لهم مُلكًا غربْ العراق بالحيرة وهم المناذرة اللخْميين، وقيل رأي آخر لنسَّابة مُضَر أيام الفاروق عمر - ﵁ - أن النعمان بن المنذر وقومه هم أشلاء قنص بن معد بن عدنان، والذين انقرضوا قديمًا ودخلوا في القبائل، ولهذا حُسب النعمان وقومه من لَخْم خطأ، وقد اختلطت قبائل القحطانية
_________________
(١) = فلما بلغ ملوك حِمْيَر باليمن جهزوا جيشًا كثيفًا وساروا به نحو ديار ربيعة، ولما عرف كُليب الخبر نادى في قومه بالغارة فأجابته ربيعَة ومُضَر وإياد، وبعض طيئ وقُضاعة رغم أنهما قحطانيتان، وعقد الألوية وتقدم برهطه الأراقم من تَغْلِب حتى غشي جيوش اليمن، فرقعت بينهم الوقائع الدامية وكانت قبائل اليمن قد نزلت بخزازى وعليهم عشرة أقيال من حِمْيَر فحمَّس كليب رجاله وحثهم على الثبات وجعل على كلّ قبيلة معه قائدًا، فجعل الأحوص بن جعفر (هوازن) على مُضَر - وجعل مرّة بن ذهل على ذهل وشيبان - وذهل بن حارثة على باقي ربيعة - وطرفة بن العبد على باقي قيس - وفي مقدمته سلمة بن خالد وهو المسمى السفاح التغلبي وأمره أن يعلو جبل خزازى ويوقد النار ليهتدي بها جيشه وإن غشيه العدو يوقد نارًا أخرى وتقدمت طلائع اليمن على ماء الذنايب فسار إليهم كليب وقتلهم عن آخرهم وهجمت كتائب أخرى من اليمن على السفاح فأوتد نارًا أخرى، وكان معظم المهاجمين من مذحج وقائدهم سلمة بن الحارث، فأقبل كليب في جموع من ربيعة فصبحهم والتقوا بخزازى واقتتلوا قتالًا، شديدًا دام أيامًا فانهزمت جموع اليمن وانتصرت نزار وبني عدنان نصرًا مؤزرًا فقال كليب: لقد عَرفَت قحطان صبري ونجدتي … غداة خزازى والحتوف دوان غداة شفيت النفس من ذل حِمْيَر … وأورثتها ذلا بصدق طعان دلفت إليهم بالصفائح والقنا … على كلّ ليث من بني غَطَفان ووائل قد جزَّت مقاديم يعرب … فصدفها فيّ صحوها الثقلان
(٢) (كنْدة) - فى معجم ما استعجم للبكري دكر أنَّه يقال إن كندة بن عمير بن معد بن عدنان، ثم ذهب إلى بلاد اليمن ونسب إلى القحطانية، كما ذكر أن الكون والسكاسك أبناء أشرس بن ثورهم أيضًا من حيادة بن معد بن عدنان.
[ ١ / ٢٨ ]
بقبائل العدنانية بأواصر المصاهرة أو الحلف وصاروا شعبًا واحدًا وقد انتهى أي شكل من التناحر منذ بزوغ الإسلام. وكان لحي الأنصار القحطانيين فضلًا في نصرته ونصرة النَّبِيّ - ﷺ - الذي أوصى (^١) بالأنصار دون سائر القحطانية لما لهم من الفضل والشرف والكرامة، ومن أراد المزيد عن تاريخ الأنصار المجيد فليطَّلع على سيرة النَّبِيّ - ﷺ - لابن هشام وابن إسحاق.
_________________
(١) قال - ﷺ -: أوصيكم بالأنصار فإن النّاس يزيدون والأنصار كما هم لا يزيدون. وفي غزوة حنين لَمْ يعط النبي - ﷺ - الأنصار من الغنائم (الإبل والاغنام والماعز وغيرها من هوارن) وقد أعطى - ﷺ - أُناسًا من بني عدنان لكي يؤلف قلوبهم فانتابهم ضيق، وقال حسان بن ثابت شعرًا منه: كما رددنا ببدر دون ما طلبوا … أهل النفاق وفينا ينزل الظفَر ونحن جندك يوم النعف من أحد … إذا حزبت بطرًا أحزابها مُضَر ولا تهر جناة الحرب نادينا … ونحن حين تلظى نارها سُعُر فجمع النَّبِيّ - ﷺ - الأنصار (الأوس والخزرج) وقال لهم: ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب النّاس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار ولو سلك النّاس شِعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناه أبناه الأنصار، فبكى القوم حتى أخضَلوا لحاهم أيَ بلوها بالدموع، وقالوا رضينا برسول الله قِسمًا وحظًا.
[ ١ / ٢٩ ]