أولًا: بالنسبة لحويط الجد المؤسس للحويطات بعد منتصف القرن التاسع، بعد تتبع المخطوطات أو المصنفات المحققة عن شجرة الأشراف القرشيين تبين أن حويطًا من نسل الأشراف الحسينيين في المدينة المنورة، ولم يظهر نسل لحويط أو ذكر أبناء له إطلاقًا في شجرة الأشراف التي دونت حتى القرن العاشر الهجري، وهذا يؤكد التحقيق التاريخي والميداني لما تواتر عند ثقات الرواة من الحويطات في عدة بلاد عربية، أن جدهم حويط كان في عمر الصبا وقد تزوج في العقبة من بني عطية وتكاثر نسله بطريقة عجيبة وسريعة خلال بضع عشرات من السنين ظهروا الدنيا العشائر، وأبناء حويط لَمْ يكونوا سفهاء فلم ينسوا منبعهم الحقيقي في الأشراف، ولم ينصهروا في بني عطية رغم شيوع نسبهم عند البعض من العطاونة أنهم ضمن بني عطية، وذلك في طور نماء عشيرة الحويطات إبان القرنين التاسع والعاشر، مما خلق الالتباس عند الرحَّالة في الحجِّ وأولهم الجزيري في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري.
[ ١ / ٨٤ ]
ولو كان لحويط زوجة وأولاد ونسل في المدينة المنورة عند ذويه من الأشراف لعاد إلى أولاده فعاطفة الأبوة تَغْلِب دائمًا، وما ظل في كنف بني عطية عند الرجل الذي عالجه من مرضه أثناء مروره قرب العقبة، ولربما ظن ذووه حينئذ والمرافقون له أنه توفي في غيابهم لما أنهم رحلوا عنه وهو في فراش الموت، أو قد يئسوا من العودة في التقصي عليه لما أنه كان في حالة الاحتضار حين تركوه متجهين إلى الشام.
- وقد سمعت رواية أخرى (^١) في أن العطوي حين شفي حويط ولمس فيه الإقدام والفطنة أحبه وأبعده مع إبل له، ولما جاء رهطه من الأشراف أوهمهم بقبر قد وضع عليه حجرًا وقال: هذا ولدكم قد توفاه الله!، فكتبوا عليه وَسْم (^٢) الأشراف وانطلقوا عائدين آسفين لفراقه. والظاهر أن حويطًا طاب له العيش لما وجد من المعاملة الكريمة ومشاركة العطوي له في ماله وحلاله (^٣)، ثم تزويجه بابنته قد جعل حويطًا مشغولًا عن أهله بما كوَّن من أسرة جديدة. وأقرب قصة في زمان حويط أو قريبة العهد به هي قصة حسن الوحيدي، فقد جاء من نسل الأشراف ومكث في شرق الأردن وكوَّن عشيرة عرفت باسم الوحيدات، والراجح أنه من الأشراف الحسنيين بمكة المكرمة، وقدومه للأردن كان في أواخر القرن الثامن الهجري.
وهناك ملاحظة أنه ليس كلّ رجل يُصبح أبًا لقبيلة، ولكن هي إرادة الله أن يبارك في نسل رجل ولا يبارك في آخر في نفس الزمن، ولربما تندثر ذرية الثاني نهائيًا وهذا شيء معروف منذ القدم.
وعن الأشراف بالذات فمنهم أفراد كثيرون انطلقوا إلى عدة أماكن في الجزيرة وخارجها، وتكوَّنت منهم عشائر أو قبائل ملأت الآفاق، وبعد فحص عدة
_________________
(١) وقبلت رواية أن العطوي وضع أعوادًا من الحطب على لَحْد أو قبر أحد الموتى، وقال لرهط حويط هذا المتوفى أبو عويدات مشيرًا إلى قَبْره يوهمهم بموته، ولكنهم قالوا له: إن كنت صادقًا فيرحمه الله وإن كنت كاذبًا يجعله الله خصيمك أنت وقومك ليوم القيامة، ثم وضعوا على حجر وَسْم الأشراف وكان رسم حيَّة ثم جعلوا الحجر على نصب قبره الوهمي وانطلقوا منصرفين، فسمِّي حويط أبو عويدات، وقد رأى حويط في منامه أنه يبول ذر، فأخبر العطوي فارتاع منه، وقال: الله يكفينا شرك، وحلمك يدلُّ أنك أبو قبيلة وتكثر في زمان قليل على قومنا من بني عطية!!.
(٢) وهي علامة توضع لكل قبيلة ويضعونها على الإبل والدواب عن طريق الكي بالنار أو تحفر على الحجارة.
(٣) وهي الإبل والغنم واللفظ أغلبه يطلق على الأغنام بلهجة القبائل العربية.
[ ١ / ٨٥ ]
مخطوطات عن الأشراف وعلى رأسها مخطوط "عمدة الطالب في آل أبي طالب"، تبين أن هناك العديد من الأشراف من سلالة الحسن أو الحسين وباقي الهاشميين قد تفرقوا في البلاد، وحتى بلاد المعجم وخراسان والهند لَمْ تخل من وجود كيانات منهم تكونت من أناس قد مكثوا في تلك الديار، هذا طبعًا خلاف ما هو موجود في الأمصار العربية، وبعض الأشراف قد حُصر نسبه. وعُرف في مخطوطات نسابة الأشراف، والبعض الآخر انقطع ذكره أو حصره عند تاريخ معين، مثل حويط مؤسس الحويطات وحسن الوحيدي مؤسس الوحيدات وغيرهم، وهذا لظروف معينة، وكما مر ذكر قصة حويط مع بني عطية، واستقرار علم أهل حويط أنه قد توفي وانتهى وشاع أمره في حينه عند نسبة الأشراف في منتصف القرن التاسع، وكانت النهاية لذكر أي شيء عنه في أي مخطوط بعد القرن العاشر الهجري.
وما زال محققو الأشراف في العصور القريبة أو غيرهم من الباحثين العرب ما زالوا يحصرون في مصنفاتهم بعض القبائل أو العشائر التي تفرَّقت، ليس في خارج الجزيرة بل في داخل الجزيرة في المملكة العربية السعودية، وذكر نسابة (^١) الأشراف أن الجرباء إحدى بطون شَمَّر وآل صويِّط (^٢) أشراف، وذكر الحقيل أن من الأشراف آل حسن وال بويت في قبيلة الظفير وبعض عشائر في بارق بعسير، وهناك عشائر اندمجت مع جُهَيْنة، وكذلك عشائر في بلدة صبيًا لَمْ يعرف على وجه اليقين النسب لها في شجرة الأشراف، وهناك العلجي في بني خالد لَمْ يؤكد نسبهم للأشراف، وكذلك من الأشراف آل سعدون رؤساء المنتفق في العراق، وآل مغامس كان لهم ذكر في الحساء حتى القرن السابع الهجري، وغيرهم الكثير لَمْ يعرف على وجه الدقة لأي فرع ينسبون في الأشراف، وكل ما قد عرفه الباحثون من البحث الميداني أو ثقات الرواة متبعين مبدأ أن النّاس مأمونون على أنسابهم بأن تلك العناصر من الأشراف، وطبعا القياس مُطَبَّق على الأشراف في البلاد العربية، ولربما اعترى بعض الكيانات التشكيك لنسبها إلى الأشراف، كما وضح مع الحويطات بصورة أليمة من قبل محققي العصر في القرن العشرين الميلادي.
_________________
(١) هو الشريف البرادعي الحسيني وأيده الحقيل في أن كبار رواة الجرباء نسبهم للأشراف.
(٢) اختلف الحقيل مع البرادعي وذكر نسب آل صويط إلى "بني سُلَيم العدنانية الشهيرة".
[ ١ / ٨٦ ]
ثانيًا: نوضح أنه بصدد التحقيق الجاري مع الحويطات فليس الإسناد معتمدًا فقط على ثقات الرواة، ولكن لوجود حويط في شجرة الأشراف الحسينيين بالمدينة المنورة ومناسب بالقياس الزمني لبدء تكوين ونماء عشيرة الحويطات.
وكما نؤكد أن اسم حويط هو اسم واحد في الشجرة الحسينية أو الحسنية ولم يتكرر هذا الشخص في أزمان لاحقة أو سابقة، مما يجعلنا أكثر اطمئنانًا لصحة التحقيق التاريخي عن أصل عنصر الحويطات للأشراف، كما تواتر عند رواتهم منذ أجيال طويلة قد مضت وتمسكهم بذلك النسب.
ثالثًا: نحيط القارئ العزيز عِلمًا بأن نسل الحسين السبط بن علي - ﵁ - في جميع البلاد هم من ولَده الوحيد علي زين العابدين الذي نجا من مذبحة كربلاء بالكوفة من بلاد العراق، وقد قُتل جميع أبناء الحسين ومعهم ستة عشر من أهل بيته وستين من شيعته، ولا يخفى على أحد أن تلك المذبحة المروِّعة لآل بيت رسول الله - ﷺ -، على رأسهم سبط النَّبِيّ الحسين المحبوب إلى قلب جده المصطفى - ﷺ - كانت من تدبير الخليفة الظالم يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي القرشي، ومن تخطيط عامله على العراق (الوالي) عبيد الله بن زياد الأموي الفاجر، ومن تنفيذ قائد جيشه عمر بن سعد بن أبي وقاص القُرشي، الذي انجرف وراء الأمويين ظُلمًا وطمعًا في الدنيا، وقد استحلوا جميعًا دم الحسين ومن معه من آل البيت رغم قلتهم وضعفهم، وقد تنبأ النَّبِيّ ﷺ في حياته بمصير حفيده الحسين وقال - ﷺ -: يُصْرع الحسين في بابل (أي بلاد العراق)، ثم قال: كأني أنظر إلى كلب أبقع يلغُ في دم أهل بيتي!!، فقد صدقت رؤيا الرسول - ﷺ -، لما أن المُحرِّض الأول أثناء معركة كربلاء في الإجهاز على الحسين كان شَمِر بن ذي الجوشن (^١)، وكان أبرص ووجهه مسحوب ومدبب وعيناه مستديرتان قليلة البياض كأن وجهه كلب، وما به من برص يؤكد أنه هو ذلك الكلب الأبقع الذي أخبر عنه النَّبِيّ - ﷺ -.
وكان عمر بن سعد بن أبي وقاص القرشي أشد قسوة من شَمِر بن ذي الجوشن فقد أمر بالخيل أن تطأ بحوافرها جسد الحسين الطاهر بعد أن حَزَّ رأسه عدو الله سنان بن أنس، وقد ساوت الخيل جسده بالأرض في كَربُلاء!!، وحقًّا
_________________
(١) شَمِر بن ذي الجوشن من بني كلاب (هَوَازِن).
[ ١ / ٨٧ ]
التقشعر الأبدان ويهتز الوجدان ألمًا من هؤلاء الغادرين قُساة القلوب، الذين اقترفت أيديهم إثمًا وظلمًا عظيمين غضب لهما عرش الرَّحمن، ولم يرحم هؤلاء صرخات النساء من آل الحسين، لَمْ يرحموا بكاء الأطفال فأطلقوا سهامهم النارية على الخيام التي تؤوي الحريم، وصادف وجود الحسين يهدئ من روع طفل له فأصاب الطفل سهم أرداه قتيلا في حجر أبيه، ومات الطفل يصرخ رعبًا وعطشًا!!
ودافع الحسين دفاع الأبطال، ولكن هيهات فقد أحرقوا الخيام فصارت الأطفال والنساء في العراء في لهيب المعركة التي قُتل فيها جميع من مع الحسين، وقد قتلوا من أعدائهم أكثر من عددهم، وكان مع الحسين اثنان وسبعون وأعداؤه يزيدون على أربعة آلاف يقودهم عمر بن سعد، فلما استبد بالحسين العطش اتجه صوب الفرات ليرتشف الماء ويواصل القتال، ولكن أعداء الله حالوا بينه وبين ماء الفرات، فلم يستطع سوى أن يغترف غرفة واحدة سددوا نبالهم إلى حلقه، ففار الدم من فمه على نهر الفرات بعد أن نزع السهم من حلقه، وقد سارع سِنان بن أنس (^١) وضربه بحربته ثم احتز رأسه بكل قسوة وغلظة!!، وسقط سيد شباب أهل الجَنَّة في هذا اليوم الكئيب في كربلاء، وسيقت حريمه وأخواته وبنات عمه كالسبايا، ثيابهم مُرمَّلة وخدودهم مُعفَّرة، تصهرهم الشمس وتسفي عليهم الريح من كربلاء حتى الكوفة مقر ابن زياد، ثم من الكوفة حتى دمشق مقر اليزيد بن معاوية!!.
حقًّا وصدقًا إنها نقطة سوداء في تاريخ بني أمية القُرشيين، وكل من شارك في هذه المأساة يلقى حتى الآن الازدراء من المسلمين، وفي الآخرة يوم الحساب عذابهم أشد وأقوى من أحكم الحاكمين، فحسبي الله ونعم الوكيل.
وعلي زين العابدين بن الحسين الوحيد الذي نجا من تلك المذبحة، بسبب مرضه أثناء المعركة في كربلاء، ثم كاد أن يقتل من ابن زياد بعد أن كلَّمه ورد على زين العابدين بفصاحة، حقد وبغى وأمر بضرب عنقه بعد أن أمر أحد الجند أن يكشف عليه فوجده بلغ مبلغ الرجال، ولكن علي لما سمع أمر قتله رد بشجاعة عل ابن زياد وقال: مَنْ للحريم تبقي إن كنت مؤمنًا، فابعث معهم وليًّا يصحبهن بصحبة الإسلام، وهنا فزعت السيدة (زينب) عمته وتملكتها قوة لا يردها سلطان
_________________
(١) سنان بن أنس النخعي من (مَذْحِج) القحطانية - عرب اليمن - (مروج الذهب للمسعودي - تاريخ العبر لابن خلدون).
[ ١ / ٨٨ ]
ولا يرهبها سلاح، فاحتضنت ابن شقيقها وتعلَّقت به وصرخت في وجه الطاغية قائلة:
يا ابن زياد حسبك منَّا ما فعلت بنا، أما رويت من دمائنا؟ وهل أبقيت منا أحدًا!؟ أسألك بالله - إن كنت مؤمنًا - إن قتلته، فاقتلني معه!! فسكت الطاغية برهة. وقد أفزعته هذه الكلمات، فتراجع في خزي وخور وارتد مشدوها والتفت إلى من حوله وقال:
عجبًا للرحم! والله إني لأظن أنَّها ودت لو أني قتلته أن أقتلها معه، دعوا الغلام، ثم التفت إلى علي زين العابدين وقال: انطلق مع نسائك، وهكذا أنقذ الله زين العابدين من القتل، وقد نجا من الأيدي الآثمة التي فتكت بأبيه، لتكون إرادة الله، ولا تُمحي ذرية السبط الحسين بن علي - ﵁ -.
وأم زين العابدين كانت فارسية، وهي بنت ملك فارس كِسْرَي يَزْدَجْرد الثالث، وقد أسرها العرب المسلمون أيام الفاروق عمر بن الخطَّاب - ﵁ -، وكان معها أختًا لها تزوج بها عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكانت تُلَقَّب أم زين العابدين في المدينة المنورة (بسلافة)، ولكن اسمها الفارسي شهربانو وشهرته چيهان شاه، أي ملكة العالم بلغة فارس، ونشأ علي زين العابدين في المدينة تقيًّا وورعًا وعالمًا نحرير.
وقد ثأر الله لدم الحسين وذويه، فقد قصف الله عمر (يزيد بن معاوية) بعد ذلك بثلاث سنوات، وكان موته بعد رمية الكعبة بالمجانيق لإحدى عشرة ليلة، وتولى ثأر الحسين من قاتليه رجل من قبيلة (ثقيف) العدنانية اسمه المختار بن عبيد الثقفي، فقد تولى الكوفة قهرًا عن الأمويين، ثم طرد (ابن زياد) من العراق الذي استنجد بجيش أموي من الشام كي يسترد العراق من المختار، وبالرغم من قوة جيش ابن زياد فقد أرسل المختار الثقفي رجلًا قاد الجيش ضد ابن زياد اسمه الأشتر النَّخعي (^١)، وقد استطاع النخعي أن يُحَمِّس رجاله ضد ابن زياد وتمكن منه، وقد ضربه بالسيف ضربة قدته نصفين، وقد وافق مقتل عبيد الله بن زياد يوم عاشوراء، وهو نفس اليوم الذي قتل فيه الحسين ظُلمًا في كربلاء، فسبحان الله على القصاص الإلهي المنظم، وهو القاهر فوق عباده ﷿.
_________________
(١) هو: إبراهيم بن الأشتر من قبيلة النَّخع (إياد) ودخلوا في مَذْحِج القحطانية.
[ ١ / ٨٩ ]
أما عمر بن سعد بن أبي وقاص فقد أمسك به المختار الثقفي قبل أن يهرب من الكوفة وقتله، وأتي برأسه أمام ابنه حفص فقال له: هل تعرف هذه الرأس يا حفص؟ قال أجل ولا خير للعيش بعده، قال المختار: صدقت، ثم أمر بضرب عنقه وقطع رأسه ووضعها جانب أبيه، فقال متشفيًا مشيرًا إلى الرأسين: هذا بالحسين وهذا بعلي الأكبر ابن الحسين، والله لو قتلت ثلاثة أرباع قريش ماوفوا أنملة من أنامل الحسين.
وأما الكلب الأبقع (شَمِر بن ذي الجوشن)، فقد قتله المختار الثقفي أيضًا وقطع رأسه، وأمر بالخيول أن تطأ جسده وظهره بحوافرها، حتى مزقته وصار أشلاء تساوت بالأرض مثلما فعل بالحسين بن علي في كربلاء.
وكذلك لَمْ يفلت من المختار (مالك بن بشير الكِنْدي) فقد أمر به المختار أن تُقطع رجليه ويديه وأُلقي به يضطرب حتى مات، وبالمثل فعل (بالخولي بن يزيد الأصبحي) (^١)، فقد قتله المختار الثقفي أمام أهله وهم يشهدون، وأحرق جثته فصارت رمادًا.
ولا يفوتني ذكر هذه الكلمات المنظومة للحسين بن علي - ﵁ -:
فإن تكن الدنيا تُعَدُّ نفيسة … فإن ثواب الله أغلى وأنبل
وإن تكن الأبدان للموت أُنشئت … فقتل امرئ في الله بالسيف أفضل
وإن تكن الأرزاق قسمًا مقدَّرًا فقلة حرص المرء في السعي أجمل
وإن تكن الأموال جمعها … فما بال متروك به المرء يبخل!
رابعًا: قصة حويط تشابه قصة قُسي بن مُنَبه (ثقيف) التي لخصناها في باب السرد عن (إياد) العدنانية، وكما رأينا أن أغلب قدماء ورواة ثقيف لَمْ ينسوا نسبهم إلى إياد، إلَّا أن اختلاط بنو ثقيف مع هَوَازِن في السكن والجوار والمصاهرة والحلف جعل البعض من ثقيف ينسب نفسه أو لربما غيرهم نسبوهم إلى هَوَازِن بن منصور بن عِكْرمَة بن خَصفَة بن قيس عَيْلان بن مُضَر بن نزار مَعْد بن عدنان.
_________________
(١) الأصبحي منسوب إلى ولد أصبح بن عمرو بن الحارث بن أصبح بن مالك بن زيد بن الغوث بن سعد بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة وهو حمير الأصغر كانوا يقيمون في أبيَّن في بلاد اليمن.
[ ١ / ٩٠ ]
وبالمثل في أبناء حويط أغلبهم قد عرفوا نسبهم إلى الأشراف من قريش، وبعضهم أو غيرهم للمخالطة مع بني عطية قد نسبوهم إلى العطاونة، في فترة من الزمن إبان نماء الحويطات أو في طور نشأتهم الأولي، والقصص مشابهة في قبائل العرب قد حدثت قبل الإسلام وبعده، وأذكر مختصر قصة ذكرت في سيرة النَّبِيّ ﷺ لابن هشام المعافري اليماني فيها ملحمة، وهي قصة عوف بن لؤي القرشي قبل الإسلام:
فقد خرج عوف في ركب مع ذويه من قريش ونزلوا بأرض غَطَفان من قيس عَيْلان - من مُضَر مثل قريش - ثم أبطئ بعوف في حاجة له، فانطلق من كان معه من قومه، فأتاه رجل من غَطَفان اسمه ثعلبة بن سعد فحبسه وزوجه والتاطه، أي تبنَّاه وألحقه بنسبه وألصقه به، فشاع نسبه في ذُبيان وعموم غَطَفَان، فقال ثعلبة لعوف حين أُبطئ به وتركهـ قومه من قريش:
أحبس عليَّ ابن لؤي جملك … تركك القوم ولا مترك لك!
وقال عمر بن الخطاب - ﵁ - عن بني عوف بن لؤي وهم بنو (مُرّة بن عوف)، لو كنت مُلحقًا حيًّا من العرب بنا أي إلى قريش، لادعيت بني مُرّة بن عوف، وإنَّا لنعرف فيهم الأشباه مع ما نعرف من موقع الرجل حيث وقع - يقصد عوف بن لؤي، ومن العجيب أن بني مُرّة هؤلاء كان لو ذُكر أمامهم نسبهم إلى ذُبْيَان من غَطَفان، قالوا هذا النسب ما نكرهه وما نجحده وإنه أحب النسب إلينا!!.
ولكن حدث أن هرب الحارث بن ظالم بن جُذَيمة أحد بني مُرّة بن عوف من وجه النعمان بن المنذر ملك الحيرة (غرب العراق)، ثم لحق الحارث بقريش في مكة المكرمة، وهي طبعًا أصله ومنها نبع جده مؤسس قبيلة بني مُرّة في غَطَفان، وقد وجد الحارث نفسه آمنا عند قريش فقال شعرًا منه:
فما قومي بثعلبة بن سعد … ولا فزارة الشُعر الرقابا
وقومي إن سألت بنو لؤي … بمكة علموا مُضَر الضرابا
سُفِّهنا باتباع بني بغيض (^١) … وترك الأقربين لنا انتسابا
سفاهة مخلف لما تَروَّى … هُراق الماء واتبع السيرابا
_________________
(١) يقصد بني ذبيان بن بغيض ومنهم (فزارة) بن ذبيان التي ينتمي لها العلَّامة القلقشندي بمصر =
[ ١ / ٩١ ]
ولكن الحُصين بن حمام المُرِّي من زعماء بني مُرة بن عوف لَمْ يؤيد قول الحارث، وأصر على انتسابه لغَطَفَان ورد على الحارث قاصدًا قريش فقال:
ألا لستم منا ولسنا إليكم … برئنا إليكم من لؤي بن غالب
أقمنا على عز الحجار وأنتم … بمعتلج البطحاء بين الأخاشب
ثم بعد ذلك ندم الحُصَيْن أشد الندم على هذا الشعر، وعلى نكران نسبه الحقيقي لقريش، وقد انتمى إليهم قائلًا بعد أن كذب نفسه:
ندمت على قول كنت قلته … تبينت فيه أنه قول كاذب
فليت لساني كان نصفين … بكيم ونصف عند مجرى الكواكب
أبونا كِنَاني بمكة قبره … بمعتلج البطحاء بين الأخاشب
وقد قال الفاروق عمر - ﵁ - لرجال من بني مُرة إن شئتم أن ترجعوا إلى نسبكم في قريش فارجعوا إليه، ولكنهم كرهوا الرجوع إلى قريش لما أنهم كانوا أشرافًا في غَطَفان، وهم سادتهم وقادتهم ولهم صيت وذكر في غَطَفَان وسائر قيس عَيْلان من مُضَر، وقد أقاموا على نسبهم كما كانوا في غَطَفَان.
_________________
(١) = ومن بغيض (بني عبس) بني بغيض قوم عنترة بن شداد - ومنهم الصحابي حُذيفة بن اليمان. ومن بني فزارة جماعة في مصر في القليوبية ذهبوا في القرى المصرية ولم يحافظوا على أصولهم منذ القرن التاسع الهجري، أي بعد موت القلقشندي في بداية القرن التاسع الهجري ٨٢١ هـ؛ لأنَّ القلقشندي مع أقاربه في قرية قلقشندة (بالقليوبية) كان يعرف نسبه إلى بني بدر - من فزارة وذكر ذلك في نهاية الأرب، وأغلب بطون فزارة هم الآن في محافظتي بني سويف والفيوم (مصر) وفي برقة (ليبيا) يحافظون على نسبهم وهم حلفاء أو ضمن بني سُلَيْم هناك، وسوف نوضح عنهم في السرد عن سُلَيم، وعن فزارة لَمْ يبق لهم كيان في بلادهم في نجد بالمملكة العربية السعودية. أما ابن بغيض الآخر من غَطَفان فهو (عبس) وهو بطن كبير من غَطَفان، وعبس من القبائل الشهيرة في الجاهلية ومن القبائل المحاربة ذات القوة والبأس ومنها الفارس والشاعر المعروف "عنترة بن شداد"، وعبس لها بقية حتى الآن في منطقة عسير، خلاف من تبقى منهم في بلادهم القديمة باسم بني رشيد "الرشايدة"، وقد جرت حرب شهيرة في الجاهلية دامت قرابة أربعين عامًا ما بين ابني بغيض من غَطَفان - قيس عَيْلان - وهما عبس. وفزارة بن ذبيان وتسمى تلك الحرب (داحس والغبراء) وهما اسمان الفرس تسمى الغبراء وحصان يسمي داحس كانا في سباق تسبب في الحرب بين الحيين من غَطَفان، وكانت لا تقل ضراوة عن حرب البسوس بين ابني وائل من بكر وتغلب. - ومن عبس فرقة نواحي بلبيس من الشرقية والدقهلية والقليوبية وبلاد الصعيد (مصر) تعرف حتى الآن عرب عبس، ومالوا إلى الزراعة والفلاحة ونسوا بداوتهم.
[ ١ / ٩٢ ]