مما يؤكد لنا صحة التأريخ في تقدير رواة الحويطات بأن جدهم كان معاصرًا في منتصف القرن التاسع الهجري، هو أنه لَمْ يتطرق لذكر الحويطات أحد من النسابة أو الرحَّالة قبل هذا الزمن، ولم يُكتب عن الحويطات إلَّا بعد منتصف القرن العاشر من قبل رحَّالة الحجِّ المصري المسمى عبد القادر محمد الجزيري، وذلك في مخطوطه "درر الفرائد المنظمة"، ونظرًا لقلة عدد الحويطات ولما أنهم كانوا في شكل عشيرة ذاك الوقت، بات من الصعب على ذلك الرحَّالة. ولا أقول النسَّابة - أن يُميِّز ما بين عنصر الحويطات عن باقي قبيلة بني عطية الأكثر عددًا ككيان قَبَلي أقدم من الحويطات بعدة قرون، وكذلك لأنَّ أبناء حويط هؤلاء كانوا بيوتًا وفصائل مبعثرة متخالطة في السكن مع عشائر بني عطية، وبعضهم قد جاور بلِّي أو عُقبة في التَهَم، ولكن أكثر فصائل الحويطات في منتصف القرن العاشر كانوا مندمجين بالمصاهرة أو الحلف مع بني عطية، وهذا طبعًا في فترة نمائهم الأولى أو بمعنى آخر في الطور الأول لبدء كيانهم العشائري في منتصف القرن العاشر الهجري، وبما أن بني عطية في هذه الحقبة كانت القبيلة الكبيرة الشهيرة الغالبة حتى على بني عُقبة صاحبة الديار التاريخية، وذلك لبدء ضعف الأخيرة شيئًا فشيئًا حتى اضمحلالها منذ قرنين، ولما أن رحالة الحجِّ المترددين والعابرين إلى الأراضي المقدسة لا يعرفون أو يسمعون إلَّا ببني عُقبة أو بني عطية، فقد أخطأ هذا الرحَّالة ربما لشيوع نسب الحويطات في بني عطية عند بعض أعراب البادية، لاختلاطهم في السكن والمصاهرة بل ونمائهم من البداية في وسط بني عطية، وكذلك فالرحَّالة كان عابرًا ولم يُمَحِّص في عدة مصادر حتى يعرف الحقيقة، ولكنه أخذ علمه بخصوص الأنساب بصفة عارضة، وقد ذكر عنصر الحويطات كفرقة من بني عطية حوطوا على النخيل في العقبة فسموا حويطات!!، وسوف تُعقِّب على ذلك تفصيلًا، ومما يؤكد ضعف رواية هذا الرحَّالة وخطأه الفادح وتعليله
[ ١ / ٥٨ ]
الركيك هو تكرار خطئه في أنساب بعض العشائر والقبائل خلاف الحويطات، وذلك في ذات المخطوط المُسمَّى "درر الفرائد المنظمة" وسوف نصححها تاريخيًا.
ونود أولًا التوضيح بأن الجزيري هذا رحالة في طريق الحجِّ وليس نسَّابة متخصصًا في علم النسب، وقد شارك في عدة رحلات للحج إبان القرن العاشر الهجري، ودون في مخطوطه معلومات تاريخية وجغرافية، وهي معلومات قد جمعها من عدة مصادر مختلفة، أما ما ذكره عن أنساب بعض القبائل في شمال غرب الجزيرة بالمملكة العربية السعودية والتي مرَّ بها في طريقه للحج، فقد وضح من سرده أنه قد حصل على هذه المعلومات من مصادر غير ذي ثقة، لما فيها من تناقض وتضارب، وقد أهمل معظم الباحثين في هذا القرن ذلك المخطوط واستبعدوه نهائيا كمصدر ثقة في علم النسب في القبائل والعشائر التي تطرق إليها في مخطوطه، ومن جانبي كباحث في هذا الميدان أرفض ما ورد في هذا المخطوط كحجة نسب قاطعة؛ لأنَّ الجزيري تخبط بصورة جلية وذكر أن الحويطات ما هم إلَّا عشيرة من بني عطية، وبني عطية نفسها فرع من بني عُقبة، وأما المساعيد فتركهم في مهب الريح ولم يحسم أمرهم، فذكرهم مرّة كعشيرة من بني شاكر ومرة كعشيرة من بني عطية وتارة أخرى كبطن من بني عُقبة!!.
وقد فحصت وراجعت هذا المخطوط في دار الكتب المصرية بالقاهرة على شاشات الميكروفيلم، واتضح لي أن شق الأنساب بالذات قد اعتراه التناقض والالتباس، ولمحات الأنساب بالنسبة لمخطوطه الطويل السرد كثير التشعب، وقد اختلطت معلوماته الجغرافية عن المواضع والأماكن بمعلومات أخرى تاريخية وأشعار وقصص، والخطوط في مضمونه العام متشابك وليس به يسر أو سلاسة، وإن الرحَّالة لو ركز على النواحي الجغرافية وسرد أحداث الرحلة تَسْهُل على المرء فهمها واستيعابها، ولكن سرد الجزيري بالكم الهائل من المعلومات المتداخلة في بعضها وغير المنسقة تشتت العقول. وهذا يؤكد لنا أن معلوماته في الأنساب عارضة وليست هدفًا رئيسيا له، ولهذا كان نقله للأنساب بدون حرص أو عناية تذكر وبدون إدراك للمسئولية الجسيمة التي تمس أنساب وأحساب القبائل، وهذه المسئولية لا يدركها سوى النسَّابين المتخصصين في هذا العلم، فإنهم حتمًا يكونون أشد حرصًا في ذكر أنساب القبائل والتقصي عنها قبل تدوينها في مصنفاتهم،
[ ١ / ٥٩ ]
ولذلك فخطأ النسَّابين نادر والمسئولية جد خطيرة أمام الله والمجتمع والأجيال التي تأتي بعد موت هذا المحقّق أو ذاك الباحث.
والرحَّالة أصلًا ليس باحثًا في الأنساب، والتقصي عن الحقيقة ليس هدفه إطلاقًا، ولذلك فأغلب المحققين في علم السلالات والأنساب يتجنبون الرحَّالة ولا يعتبرون كلامهم إسنادًا قويًا، لأنَّ الرحَّالة يدونون في مذكراتهم أو مخطوطاتهم أي معلومات تُلَقَّن إليهم أو يسمعوها من هنا أو هناك من أُناس غير ذي ثقة، يعني أنهم لا يتَّحرَّون أو يأخذون بالإجماع والاتفاق العام، والرحَّالة تتغلب عليهم الأهواء والعواطف تبعًا لما يلاقونه من معاملة من البادية، تختلف من مكان لمكان أو من قبيلة لقبيلة بين اللين والشدة، أما معلومات الرحَّالة بخصوص السرد عن المواضع والأماكن والأحداث فبالطبع تكون صحيحة؛ لأنَّها نابعة من علم ملموس بالمشاهدة ورؤية العين المجردة، وبالتالي فالعلم هنا على الطبيعة من حيث المكان أو الزمان.
والحقيقة لَمْ أجد من الباحثين في مصر من حقق مخطوط الجزيري المُسمَّى "درر الفرائد المنظمة في طريق مكة المعظمة"، وهو مثله كمثل عشرات المخطوطات الموضوعة على الرف، أي لا أهمية علمية تُذكر بالنسبة لشق الأنساب لقبائل العرب في مصر والحجاز.
وقد فحصت تحقيق الأستاذ الجاسر (^١) عن هذا المخطوط، وأدهشني إعطاؤه كلّ هذه الأهمية العلمية، وتجاوزه عن تصحيح ما ورد به من أخطاء رغم وضوحها تمامًا في علم الأنساب للعشائر والقبائل في المنطقة الشمالية الغربية للمملكة العربية السعودية، والأستاذ حمد الجاسر له طبعًا الحق من وجهة نظره أن يتمسك بإسناد في هذا المخطوط أو غيره، ولنا نحن أيضًا الحق في بيان أو تصحيح ما ورد فيه من خطأ فادح؛ لأنَّ الرحَّالة الذي يكون مهزوزًا ومتناقضًا وركيكًا في مجال ليس مجاله أصلًا فلا حاجة لنا به في مجال الأنساب أو أخذه كإسناد وحجة موثوق
_________________
(١) نسَّابة ومؤرخ علَّامة شهير أثري الثقافة بمؤلفاته وتحقيقاته، ولد الشيخ حمد بن آل جاسر سنة ١٣٢٨ هـ في قرية البرود بنجد (المملكة العربية السعودية) وتوفي ﵀ في عام ١٤٢١ هـ / ٢٠٠٠ م في الرياض وهو من عشيرة الشبول ضمن قبيلة حرب، وذكر الحقيل أن الشبول من (بني سُلَيْم) كما يذكر الأستاذ حمد، أما البلادي العربي فيؤكد أن الشبول من حاضرة حرب وليسوا من بني سُلَيم العدنانيين، وهذا رأي خاطئ من البلادي.
[ ١ / ٦٠ ]
بها، وقبل التصحيح أذكر مجرد مثل بسيط عن رحَّالة جاء بعد الجزيري في رحلات الحجِّ واسمه عبد السلام الدرعي المغربي فقد سرد هذا الرحَّالة في مخطوط له عن قبيلة بلِّي وقال عنها التالي:
إن أعراب بلِّي ما أكثرهم إلَّا أن الله تعالى أذلَّهم وفرَّقهم وفتحت كلّ قبيلة من قبائل الحجاز نتفة منهم، ولا يقيم لهم أحد من الأعراب وزنا، فهم ضعفة متضعفون دأبهم حمل الكراء والسرقات!! (انتهى).
ماذا لو أخذنا بكلام هذا الرحَّالة عن قبيلة عريقة معروفة منذ الجاهلية ولا تخفى على أحد، ولربما لو كانت بلِّي قبيلة حديثة مثل الحويطات لصدَّق على كلامه محقق هنا أو هناك، ولسار وراءه النّاس وصدَّقوا هذه الفرية، واطلعت على تحقيق الأستاذ الجاسر لهذا الرحَّالة المغربي، وقام مشكورًا في هامش المصنّف الذي أصدره باسم ملخص رحلتي عبد السلام الدرعي المغربي، قام بتصحيح تخبُّط هذا الرحَّالة وقال: إن بلِّي قبيلة متماسكة ليست مُفَرَّقة ولها منزلتها بين القبائل العربية.
والهدف من وراء ذكر هذا المثال عن هذا الرحَّالة لتوضيح أنهم ليسوا محل ثقة في مجال الأحساب والأنساب للعناصر أو القبائل في طريق الحجِّ؛ لأنهم سائرون وراء أهوائهم وحسب مزاج كلّ منهم، والجزيري مثله مثل الدرعي كلاهما في وتيرة وميزان واحد وارد عنهم التخبط والالتباس. ونلفت النظر إلى أن كبار النسَّابين وجهابذة عصرهم ورد عنهم الخطأ في نسب بعض القبائل، فما بالنا بهؤلاء الرحَّالة غير المتخصصين في هذا العلم، ولذلك فخطؤهم هيِّن عن النسَّابين، أي لهم العذر.
وأذكر مثالا مهما لإجماع كبار النسَّابين على نسب قبيلة حرب ورغم هذا الإجماع فهو خاطئ!!، ورغم ذلك إذا سار باحث وراء ابن حزم والقلقشندي والسويدي، وإذا تمسك بهذا النسب معتمدًا على أنَّ مثل هؤلاء هم فطاحل النسَّابين، علاوة على الإجماع منهم فإن هذا الباحث لا لوم عليه في هذه الحالة، وقول هؤلاء عن حرب كما هو معروف بأنهم من بني هلال بن عامر المشهورين، أي من (هَوَازِن) العدنانية!!.
[ ١ / ٦١ ]
وإذا قام باحث بتكذيب أو تصحيح ما قاله هؤلاء من كبار النسَّابين، طبعًا إن ذلك يكون ليس بالهيِّن على ذلك الباحث، وهنا لنا وقفة مع كبار النسَّابين المذكورين فيما يخص نسب حرب لبني هلال، فبالنظرة الثاقبة يتبين لنا أن السويدي اعتمد على القلقشندي، والقلقشندي اعتمد على ابن حزم الأندلسي، وابن حزم اعتمد على بعض من كانوا قبله، والخطأ الوارد من المصدر الأول الذي جاء به ابن حزم والباقي لهم عذرهم لأنهم قد اعتمدوا عليه كعلَّامة شهير، ومن وجهة نظري أنه لا يوجد علَّامة في أي علم؛ لأنَّ فوق كلّ ذي علم عليم … وعن القلقشندي (^١) فهو علَّامة زمانه في مصر ورغم هذا فلقد نسي وأخطأ لبعض الأنساب وقد صححها وعدلها باستدراكه في المخطوط الأخير قبل وفاته والمُسمَّى قلائد الجمان.
ورغم صعوبة دحض ما قاله كبار النسَّابين وإجماعهم بنسب حرب لبني هلال، فقد هبَّ الأستاذ حمد الجاسر وقد صحح نسب حرب معتمدًا لما ورد في مخطوط الهمداني "الإكليل"، ورغم أن الهمداني لا يرقى إلى مستوى هؤلاء ولكن ما دام الحق والصح معه فلا ضير، ولنا وقفة مع الجاسر في فطنته وشجاعته العلمية وعدم انقياده وراء المشاهير - في الخطأ - لأنه حلل بعمق تاريخي الأسانيد وعرف الصحيح، وقول الهمداني عن حرب أنهم بطن كبير من خَوْلان القُضاعية القحطانية، جاءوا من بلاد اليمن في القرن الثاني الهجري إلى تهامة والحجاز ما بين مكة والمدينة وما يقرب ذلك من المواضع، وقد قارعوا بعض القبائل العدنانية وأجلوها عن بعض ديارها وسكنوها، مما اضطر بعض هذه القبائل أن تحالف حرب وقد انضوت تحت اسمها قبيلة مُزينة العدنانية وبعض الفروع من قبائل أخرى، وأقول أنَّها من بني سُلَيْم دخلت أيضًا في حرب، وهذا خلق الالتباس ودفع الرواة النسب حرب للعدنانية، أما كون ابن حزم نقل عن راوٍ خاطئ بأن حربًا من هلال بن عامر بالذات! فهذا أمر عجيب ولا يصح إلَّا الصحيح، وحرب لا يوجد بها عناصر من بني هلال إطلاقًا.
وأعود للجزيري الرحَّالة وأتساءل هل كما رأينا جهابذة علم النسب يخطئون؟ وهل الجزيري فوق كبار النسَّابين أم هو نابغة عصره؟ وما كان له من
_________________
(١) هو أحمد أبي العباس القلقشندي نُسب إلى قلقشندة من قرى القليوبية بمصر وينتمي إلى بني فزارة من غَطَفان - قيس عَيْلان العدنانية.
[ ١ / ٦٢ ]
مترك من قبل الأستاذ حمد الجاسر - عافاه الله، وذلك بتحليل أعمق مثل ما فعل مع حرب في المثل السابق، وهذا في تلك القبائل التي ذكر نسبها الجزيري خطأ مثل بني عطية والحويطات والمساعيد.
كما أوضح شيئًا آخر في أنني لَمْ أختلف مع الأستاذ حمد من ناحية الإيمان اليقيني الراسخ والمؤكد بما ورد في مخطوط الجزيري، وهذا واضح من أخي الجاسر عندما برهن على عدم إيمانه الكامل بما قاله في مجلة العرب الأعداد ٨٥، ١٩٨٦ ميلادية، وبما حققه في مجلد كبير لمخطوط درر الفرائد للجزيري، وقد أيد قول الجزيري لنسب الحويطات لبني عطية ونسب بني عطية لعُقبة، وهذا وجدناه في معجمه الجغرافي ص ١٢ وهو كلام مختلف نهائيا فقد ذكر التالي:
"إن بعض بني عطية والحويطات وبني عُقبة ينتمون وإن لَمْ يكن كلهم إلى بني عُذرة"! ومن المعروف أن عُذرة (قُضَاعة)، واستنتاج الجاسر هنا مبني على إسناد مكاني، لما أن عُذرة كانوا يسكنون بعض الديار التي فيها الآن تلك القبائل المشار إليها، والأستاذ حمد يقصد أن تلك القبائل قد خرجت من الأنقاض، أي هي مخلفات عُذرة، وكل باحث طبعًا له الحق أن يسرد ويحلل ما يحلوا له حسب ما يستند عليه من أسانيد تاريخية، ولكن أود أن أُعقِّب على نقطة هامة في إسناد الأستاذ الجاسر ورد أصول بني عطية والحويطات وبني عُقبة كلهم أو بعضهم إلى بني عُذرة (قُضَاعة) وذلك في معجمه الجغرافي ص ١٢، وأقول: إذا كان كلّ من قبيلتي بني عطية والحويطات محل إسناد مرّة لردهم هنا ومرة لردهم هناك فهذا جائز؛ لأنهما من الكيانات الحديثة، أما بني عُقبة فكلًّا .. وليس لأي باحث أن يشكك أو يستنتج نسبهم إلى أي كيان سوى أنهم مؤكدين لجُذام، وهو عُقبة بن محرمة بن حرام بن جُذام، وصححه القلقشندي في قلائد الجمان بحذف (مِحْرمة)، وبذلك فعُقبة بطن كبير من جُذام وتكوَّن في صدر الإسلام فلا مجال للخَوض فيه؛ لأنه ليس محل خلاف أو ريبة، وبني عُقبة هم أصحاب الديار الأصليين وديارهم مع قومهم جُذام كانت تقع شمال بني عُذرة مباشرة، أي أن نصف ديار الحويطات كانت لعُذرة والنصف الشمالي الموازي لشرق خليج العقبة كان لجُذام، وديار بني عطية كانت كلها لجُذام، إذا حتى لو أخذنا بالقياس المكاني فلا ينطبق معنا أن بني عطية والحويطات من عُذرة، ولكن الحقيقة أن عُذرة
[ ١ / ٦٣ ]
انقرضت وعُقبة وجُذام اضمحلت أو انكمشت نحو الشام ومصر، وغلبت الحويطات وبني عطية على تلك الديار في شمال غربي المملكة العربية السعودية، وكلا العنصرين بني عطية والحويطات مختلفي الأصول كما سوف نوضح الحق والحقيقة في هذا المجلد من الموسوعة الكبرى.
والنقطة الثانية أنني كباحث لا أضع الاستنتاج أو القياس المكاني موضع يقين؛ لأنه ليس غالبًا في كلّ الأحوال في تطبيقه، وهذا لأنه لا يمكن أن تسيطر قبيلة على ديارها التاريخية كاملة مدى الدهر، وكما أوضحنا في المقدمة أن هناك قبائل كثيرة سيطرت على ديار قبائل أخرى بعد انتقالها من أماكن أخرى، أقربها بني حرب التي أشرنا إليها فقد انضوت تحت اسمها قبيلة مُزينة العدنانية وبعض العشائر العدنانية من سُلَيْم أو غيرهم، والأمثلة كثيرة لا يتسع المقام لسردها.
أما بخصوص تعليل الجزيري بتسمية الحويطات تبعًا لما أنهم أول من حَوَّط على النخيل في العقبة، أي أنهم فرقة من بني عطية وغلب عليهم اللقب من التحويط على النخيل، أُعقِّب التالي على هذا التعليل الركيك والخاطئ فأقول: إن الجزيري تناسى أو جهل أن التحويط على النخيل سمة معروفة وشهيرة لدى سكان الجزيرة العربية، ومنطقة العقبة شأنها شأن غيرها من الأماكن عَرفَ مَنْ قطنها هذه السمة منذ القدم وذلك نقلًا عن غيرهم أو تقليدًا منهم، كما أن النخيل لَمْ يخل مكان في الشمال الغربي للجزيرة منه تقريبًا وقد نرى أن النخيل يكثر في مكان ويقل في آخر ويكاد يكون نادًرا أو معدومًا في مواضع معينة، حسب جودة التربة أو ملاءمة الطقس أو وفرة المياه لهذا الشجر الحبيب إلى العرب منذ فجر التاريخ.
والمعنى المبسَّط للتحويط على النخيل أو البساتين عامة، هو بناء سور أو حوش من الطوب اللبن أو من الحجارة حول ما يملكه أحدهم أو بعضهم، لتحديد وإظهار ملكيتهم لهذه الأشجار أو هذا النخيل، وللتحكم فيما يسقط منها من ثمار، وأيضًا لتثبيت ملكيتهم وإشهار معالمها بالتحديد، لممارسة حقهم في عدم سكن أو مرور أحد فيها إلَّا بإذن أو رضاء مسبق من أصحاب تلك البساتين من نخيل أو غيره، وقد مارس أهل الطائف من قبيلة ثقيف قبل الإسلام هذه السمة، وضربوا المثل الأعلى عندما أحاطوا بالطائف بسور يطيف بها، فسميت بالطائف
[ ١ / ٦٤ ]
تبعًا لذلك كما يرى جمهرة المؤرخين العرب، وكانت بنو عامر بن صعصعة (هَوَازِن) قد أعطت أرض الطائف لبني ثقيف على أنَّ يُعَمِّروها وزرعوها كرومًا وبساتين مقابل أن يقاسموهم خيراتها، ولكن بعد أن تحصَّنت ثقيف بالطائف بذلك السور منعت بدورها الثمار والكيل لبني عامر واستبدت بخيرات الطائف.
وكما عرف أهل خيبر - التي كان العرب يسمونها ريف الحجاز - التحويط على النخيل، وبالمثل عرفه أهل المدينة المنورة من الأوس والخزرج وغيرهم ممن سكن المدينة، وكانوا يسمون بستان النخيل حائط فلان وجمعها حوائط، أي أنهم كانوا يحددون ملكيتهم للنخيل بتلك الأحواش لأحدهم أو بعضهم، (انظر سيرة ابن هشام اليماني عن النَّبِيّ - ﷺ -) وقد عُرفت هذه السمة ليس في داخل الجزيرة ولكن في خارجها وظلت متناقلة بين النّاس حتى الآن.
وأرد على تعليل الجزيري الركيك في تسمية الحويطات بهذا الاسم تبعًا لهذه السمة أنه كان أولى بالعرب أن يُسمُّون ثقيف "الحويطات"؛ لأنهم حوطوا على بلدة أو قرية كبيرة وليس بعض النخيل، أو كانوا مثلًا يسمون الأوس والخزرج الحويطات لأنهم أكثر مراسًا للتحويط على النخيل، وأوضح أن هذه التسمية لا يمكن أن تتولد كلقب إلَّا في حالة الانفرادية أو الأسبقية لفعل معين، وفي العقبة وجد النخيل بالطبع قبل وجود الحويطات ووجدت بعض البساتين، وقد فعل أصحابها على تلك النخيل أحواشًا أو شيئًا من هذا القبيل بالطبع قبل وجود كيان الحويطات بعد منتصف القرن التاسع الهجري، وهذا التحويط أصلًا سمة معروفة وشهيرة لجميع القبائل والشعوب منذ القدم ومن غير المعقول أن يظل النّاس في عماء وغفلة ينتظرون حتى منتصف القرن العاشر الهجري، ثم يطلقون هذا اللقب على كيان عشائري لممارسته هذا الشيء المعروف.
كما أن الجزيري في تعليله الركيك لَمْ يكن عميق النظرة، حتى يعتمد على كتاب المسالك والممالك للبكري أو كتاب تقويم البلدان، كما ذكر الأستاذ الجاسر في مجلة العرب (ج ٣، ٤ رمضان شوال ١٤٠٦ هـ يونيه ١٩٨٦ م)، كما أن كلا المصنفين ليسا في علم الأنساب وإنما يخصان فقط سردا جغرافيا عن البلاد والأماكن والمواضع، وبذلك لا يصح ولا يجوز الاعتماد على تلك المصنفات في
[ ١ / ٦٥ ]
نسب عشائر أو قبائل لمجرد تعقيب أو استنباط، أي لابد أن يكون الإسناد صريحًا فيها.
ثانيًا: فقد فحصت بعمق هذه المصنفات الجغرافية فيما يخص السرد عن العقبة، وهو مخطوط المسالك والممالك للبكري لَمْ يتبين لي تلميح مباشر أو غير مباشر في معنى التحويط على نخيل أو غيره، وكذلك تقويم البلدان الذي خطه عماد الدين إسماعيل بن محمد الشهير بأبي الفدا صاحب حماة المتوفي عام ٧٣٢ هـ والذي طُبع مخطوطه في مدينة باريس بفرنسا عام ١٨٥٠ م، لَمْ يذكر أي شيء عن التحويط على النخيل أو غيره في العقبة، والحقيقة أن هذا التعليل المزعوم هو من وحي خيال الجزيري، أو لربما قد قالها نقلًا عن احد أعراب البادية فتلقفها منه دون تمحيص، باستنتاج خاطئ لنماء النخيل على الساحل في منطقة العقبة لَمْ توجد قبل ذلك، ولكن استنتاجه غير صحيح؛ لأنَّ النخيل له أعمار مثل الإنسان أي افتراضية تنتهي بعدها وتندثر، ويمكن أن توجد في مكان ولظروف بيئية واجتماعية تنتهي ولا تجدد زراعتها إلَّا بعد أزمان طويلة وفي نفس المكان، وهكذا فما دامت هناك نخيل وجدت في القرن العاشر الهجري حتى لو لم توجد في القرون التي سبقت هذا القرن، لكن لابد أن تكون قد زرعت في نفس المكان في العقبة ودثرت ولم تجدد إلَّا في هذا القرن وليس معني عدم ذكر صاحب تقويم البلدان في القرن السابع والبكري قبله أن النخيل قد انعدمت في العقبة وما حولها قبل الإسلام أو في صدر الإسلام أو بعده لعدة قرون، والشيء الأقرب للصحة هو أن منطقة العقبة كانت من ديار جُذام، وبعد نزوح وانكماش بطون جُذام منذ ظهور الإسلام وحتى القرن الثالث الهجري بدت هذه المنطقة مهملة خَرِبة لعدة قرون وكان بعدها تدوين مخطوط تقويم البلدان والمسالك والممالك قبله فلم يذكرا نخيلًا أو زروعًا، ثم بعد ذلك أي فيما بعد القرن السابع الهجري بنماء عشائر بني عطية والمساعيد ثم ظهور الحويطات قد زرعوا من جديد تلك المناطق الساحلية بالنخيل وغيرها من الأماكن التي كانت لجُذام وقد تحيوفها بالعمران وغلبوا جُذام عليها أي على آخر قبيلة بقت في ديارها وهي بني عُقْبَة بن حرام بن جُذام، وكما هو الآن بالوقت الحاضر اضمحلت تلك القبيلة وانضمت بقاياها للحويطات وبني عطية.
[ ١ / ٦٦ ]
وأقول مؤكدًا بتحليل تاريخي ومنطقي أن الحويطات كيان تسمَّى باسم مؤسسهم (حويط)، ولم يكن لقبًا أطلق عليهم تبعًا لتحويط على نخيل أو غيره ولا تبعًا لحيز جغرافي، وهذا ما تأكدنا منه تاريخيًا وميدانيًا.
ولا يفوتني تأكيد ذلك. والتدليل على تخبُّط الجزيري وتناقضه في ذات المخطوط "الدرر الفرائد المنظمة"، بذكر مثل آخر لإيضاح الصورة برَّاقة جليَّة لسحب الثقة منه في مجال الأنساب، فقد قال في مخطوطه ص ١١٣ عبارة نصها التالي:
(وعادة أمير الركب الحجازي أن يكون لخيامه من الأبهة والحرمة؛ لأنه سائر بالوفد ومار على عربان مختلفة الأجناس كالعُقبي والبلويِّ والعطِّويِّ والحويطي وغيرهم المفسد والمتعرض للأذى). انتهي كلام الجزيري وبالنظر لهذه العبارة نجد تناقضًا فادحًا لقوله عربانًا مختلفة الأجناس!، وقد رأيناه في نفس المخطوط يذكر أن عُقْبَة أبٌ لبني عطية!، وأن الحويطات من بني عطية غلبهم اللقب!، ولهذا السبب نرفض وننفي بكل قوة ما ورد في مخطوط"الدرر المنظمة" للجزيري فيما يخص الأنساب، وحسب ما نهلنا سنوات طويلة من علم الأنساب والتاريخ العربي، وحسب ما توصلنا له من - ﷺ - البادية وذلك بالبحث الميداني الدقيق والمتفق عليه في أماكن متفرقة في عدة بلاد عربية، والشق الميداني مهم للغاية؟ لأنه يجعل الباحث في هذا المجال لا يكرر الخطأ نقلَا عن غيره معتمدًا عليه في الإسناد التاريخي بثقة تامة، فلا يوجد إنسان معصوم من الزلل أو الخطأ.
وكما أوضح شيئًا هامًّا عن الجزيري ذلك الرحَّالة المشارك في رحلات الحجِّ بعد منتصف القرن العاشر، وهو أن الجزيري كان رجلًا حضريًا ليس له دراية في التعامل مع البوادي من قبائل العرب، والذين كانوا يمكرون به مكر الثعالب لغرضٍ في نفس أحدهم أو لمأرب يرمي إليه آخر، ولهذا غُرر به أثناء رحلاته فيما يخص مجال الأنساب؛ ولأنه مجرد رحَّالة لَمْ يتوخ الحرص اللازم أو الدقة وأخذ الروايات من الثقات أو تأكيدها من عدة مصادر بالإجماع أو الاتفاق العام على تفاصيلها. وهذا الأمر لابد أن يكون مُحَتَّمًا على الباحث في علم النسب أن يَتَّبعه بكل دقة؛ لأنَّ تلك مسئولية خطيرة تمس أنساب وأحساب القبائل العربية التي يقدسونها ويفتخرون بها كابرًا عن كابر وجيلًا وراء جيل، وإن مثل هذا الالتباس
[ ١ / ٦٧ ]
يخلق الإحباط وضعف الانتماء عند تلك القبائل العنصرها الصحيح التي نبعت منه، وهذا الشيء لا يرضي الخالق ﷾، فقد قال ﷿ في كتابه الكريم مُحبِّذًا التمسك بالأصل الحقيقي للناس ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ …﴾ [الأحزاب: ٥]. كما هناك توقع لما حدث من التباس من قبل الجزيري في ذكره لنسب أو رد أصول بني عطية والحويطات والمساعيد إلى بني عُقبة جُذام، قد يعود هذا الشيء إلى أن تلك القبائل قد نمت وتكاثرت في ديار عُقبة وجُذام عمومًا فظن الجزيري حسب اطلاعه أنهم من عُقبة مثلهم مثل العناصر الأخرى كبني شاكر وبني واصل وبني راشد وغيرهم، وكما قلت أن هذا القياس خاطئ على الأنساب لأنه لا يمكن أن تسيطر قبيلة على ديارها مدى الدهر دون دخول عناصر أخرى خارج عمود نسبها في هذه الديار، والمبدأ ليس على بني عُقبة وجذام ولكن على جميع قبائل العرب القديمة، وأقول: الصحيح أن بني عطية والمساعيد والحويطات هي عناصر خارج بني عُقبة، ونمت في ديارها وتغلبت على تلك الديار التاريخية لعُقبة وجُذام، وذلك بسبب ضعف بني جُذام في هذه الديار بعد هجراتها المتوالية ونزوحها المستمر إلى الشام ومصر منذ فجر الإسلام أو بمعنى أصح منذ الفتوح الإسلامية، ولم يبق سوى بني عُقبة بعد القرن الثاني الهجري، وقد تفرَّق منهم الكثير بطريقة تدريجيَّة حتى القرن الثاني عشر الهجري، وهذا أبى إلى اضمحلال بني عُقبة وضعفهم في ديارهم، كما اندثرت باقي بطون جُذام بالحجاز، وكما نرى الآن بقايا عُقبة قد انضمت إلى كيان الحويطات القَبَلي في التَهَم وبعضهم إلى بني عطية شرق جبال السراوات.
ونؤكد أن هذا الشيء قد حدث مع قبائل أخرى قديمة، بالتهام قبائل حديثة لديارها وانضواء بقايا الأقدم تحت مُسمَّى الحديثة الغالبة، كما ألمحنا في المقدمة بأن ذلك يرجع إلى ظروف اجتماعية أو سياسية أو معيشية منذ الجاهلية وحتى العهد العثماني.
وهناك تحليل تاريخي هو أقرب للصحة في سبب خطأ الجزيري في نسب بعض قبائل العرب في شمال غرب الجزيرة، هو أن هذا الرحَّالة المصري قد احتك ببعض الشيوخ من ذوي النعرات القَبَلية المتعصبة لعنصرها، وذلك أثناء رحلاته في
[ ١ / ٦٨ ]
مواسم الحجِّ بعد منتصف القرن العاشر الهجري، للأسف لقَّنه هؤلاء الشيوخ في حينه معلومات خاطئة فيما يخص أنساب بعض العناصر الصغيرة التي سوف نصححها تاريخيًا، وهذا لأهداف كامنة في نفوسهم، فكأن يَدَّعي شيخ من بني عطية مثلًا أن الحويطات ما هم إلَّا فرقة من العطاونة وغَلَب عليهم اللقب من التحويط على النخيل، "سبحان الله" وكأن باقي بني عطية لَمْ يُحوِّطوا على النخيل في حينه! وقد ذكر ذلك الجزيري في أثناء سرده قائلًا: إن هناك أحواشًا استجدت للحويطات وغيرهم من بني عطية، فلماذا غيرهم من بني عطية لَمْ يغلب عليهم اللقب من التحويط؟ حقًا هذا هراء واستخفاف بعقول النّاس!!، وكما يَدَّعي أيضًا شيخ بني عطية أن المساعيد. وغيرها من تلك الكيانات القَبَلية التي سوف نوضح عنها ونصححها - يَدَّعي أن مردها أصلًا لبني عطية ويُسِّجِل صاحب الدرر ببساطة!، ثم يجد الجزيري أيضًا شيخا آخر عُقبيا من بني شاكر يَدَّعي ويزعم أن العطيات والعبيات والمساعيد فروع من بني شاكر، أي هنا هذا الشيخ قد خطف المساعيد خطفًا ونسبهم لبني شاكر مثلما خطفهم العطوي ونسبهم لبني عطية!
ثم يجد الجزيري شيخًا آخر طموحًا من بني عُقبة، فلا يكتفي بضم عشائر إلى بني عُقبة بل يلتهم بني عطية كلها بعشائرها والمساعيد ويزعم أن أصلهم لبني عُقبة، والجزيري المسكين يُدوِّن وبثقة في مذكراته ثم ينقلها في مخطوطه "درر الفرائد المنظمة" وكأنه رجل من كبار النسَّابين، وهو لا يدري أنه خلط العناصر في بعضها البعض وقلب الدنيا رأسًا على عقب، وستأتي النّاس بعد موته ليطَّلعوا على ما ورد في مخطوطه وتملؤهم الحيرة والشك والالتباس. وطبعًا كلّ هذا واضح لكل مدقق وباحث متعمق، والجزيري لَمْ يعر أي اهتمام أو تمحيص، وقد نقل عن هؤلاء الشيوخ وهو لا يدري أن ما يكمن في نفوسهم هو شيء واحد وهو إظهار كلّ منهم بأنه هو الشيخ الأهم والأقوى في طريق الحجِّ، وأن أغلبية العشائر هي تابعة لكيانه القبلي هذا كي يخدع هؤلاء الشيوخ بمكر ودهاء أمثال هؤلاء الرحَّالة الحضر، ليتولى الرحَّالة بدورهم إشهارهم وإطراءهم وبيان قوتهم ونفوذهم، ولكثرة فروع كلّ منهم يزيد بالطبع النفوذ والقوة لأي منهم، وهذا لكي يضمن هؤلاء الشيوخ المزيد من العطايا والهدايا والخلع السلطانية من الحكومة المصرية في ذاك الوقت، وكذلك لزيادة الصُرَّة المقدمة إليهم؛ وهي عبارة عن رواتب
[ ١ / ٦٩ ]
سنوية تُقدَّم لشيوخ القبائل عادة في طريق الحجِّ، وذلك لتأمين قوافل الحجِّ والتجارة من هجمات البدو من قبائل العرب وذلك في الفلاة بعيدًا عن العمران أو بمعنى أصح بعيدًا عن استطالة الدولة لأمثال هؤلاء الأشرار، والصُرَّة أصلًا من أجل المحافظة على الأمن في الطرق من وإلى جزيرة العرب.
إذن ما دمنا وصلنا لنوايا هؤلاء الشيوخ بتحليل تاريخي هو الأصح، من أين إذن يأتي الجزيري بالحقيقة وبالنسب الحقيقي الصحيح للعشائر أو القبائل التي تطرق لها في مخطوطه درر الفرائد المنظمة في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري؟ والإجابة ببساطة هي أن لا الجزيري ولا غيره سوف يعرف الحقيقة ما دامت المصالح المادية طاغية على النفوس في ذلك الوقت!