بعد ارتداد المساعيد نحو ديارهم في شمال الحجاز على أثر مذبحة غزة استوطنوا شمال غرب الحجاز بنواحي البَدْع ومقنا والمويلح وذات حاج والعقبة، ثم أخذوا بالانتشار في مختلف الأنحاء فاستوطن فريق منهم جبل العرب بجنوب سوريا وعرفوا بعرب الجبل، وفريق اتجه لبلاد الطور وهم أولاد سليمان كما أسلفنا عنهم، وفريق أخذ بالامتداد عبر وادي عربة فاستوطن بلاد الشوبك والكرك ونواحيهما مع الامتداد نحو القدس والخليل، واتجه فريق نحو الشرقية بالديار المصرية فيما استقر فريق حول العقبة مع الامتداد نحو الحجاز، ومن هذا الفريق الأحيوات، أما الفريق المسعودي الذي اتجه واستقر ببلاد الشوبك والكرك وهم موضع هذا الفصل فإنني أقدم معلومة متوفرة تذكر وجودهم في الشوبك عام ٩٣٢ هـ الموافق لعام ١٥٢٥ - ١٥٢٦ م ثم ذكرهم الرحَّالة الجزيري عام ٩٧٧ هـ في درر الفرائد وكان يعمل كاتبًا في ديوان إمرة الحج في مصر قال: وأما المساعيد فمنهم بدنات كثيرة وفروع غزيرة فلنذكر منها عشرين بدنة (فرقة) ومنهم أمراء أصحاب مرتبات لاتقاء شرورهم لا على درك .. ويعني هنا أنهم ليسوا أصحاب درك الحج كبني عُقبة أو بني عطية، وهم أولاد الأمير مرعب وإخوته قضيب وبديع وجماعتهم، وعادتهم يحضر منهم أو من جماعتهم من يقابل أمير الحاج بعقبة إيلة في الذهاب فيقبض ما هو معين له بالدفتر السلطاني، ويتوجه فلا يعود إلا في السنة المستقبلة، وكذلك بدناتهم (فروعهم) على ما نذكره: النجادية وشيخهم الأمير مرعب بن سعيفان، والعساسفة من الهويدفية منهم محمد بن حميد، والحياجات: رباعة مرعب آل شطي منهم زعر بن معقل، والحوادرة منهم عنيز المسعودي، والمغايثة منهم حجاج، والمواهرة منهم بكر بن أبي بكر وطوق بن طلحة وقراد وأخوه، والشرشيدية، والنجادية منهم شكم بن صعب ومرعي أبو مخطوم، والدويسات والهبر منهم زويد، والبراغشة منهم أحمد بن بذال، والهويدفية منهم علوى، والصنَّاع منهم عبيد بن كحيل، والعساكرية، والنضرة ومنهم درع، والنويجعية منهم كلَّاب، والقيوس منهم ميَّاس، والحوه: منهم زين سعيدة، والحطاطبة منهم مربط. وقال: المساعيد المذكورين عادتهم يحضر أحد أولاد الأمير سعيفان أو قاصده بعقبة إيلة، ويقبض مالهم بالدفتر السلطاني له ولجماعته مائتان
[ ١ / ١٨٨ ]
وعشرون دينارًا غير التشاريف السلطانية، وذكر الجزيري أن المساعيد أولاد الأمير سعيفان وغيرهم صاروا يتعرضون للجمال التي فرغت للحمل وهي متوجهة للقاهرة فينهبونها من أربابها، وتكرر ذلك منهم وتوالى شرهم واعتمادهم كذلك بين الأزلم والقاهرة، فضجر عربان الحمل من ذلك وشكوا لأمراء الركب المرة بعد الأخرى فلم يفدهم ذلك ولم يزدهم إلا خسارة!. وقد استقر المساعيد ببلاد الشوبك والكرك مع امتدادهم نحو البلقاء بشمالي الأردن، وكان يقطن في هذه معهم قبائل أخرى كالوحيدات والحماديين وغيرهم، وفي القرن التالي وقعت أحداث قَبَلية أدت إلى هجرة بعض قبائل تلك المنطقة كالمساعيد والوحيدات إلى أنحاء أخرى في البلقاء وفلسطين، وكان من أهم وأقوى هذه النزاعات نزاع وحرب المساعيد مع العمرو من بني عُقبة، ونزاع وحرب الوحيدات مع العمرو أيضًا وذلك بعد قدوم العمرو من شمال غرب الحجاز وتحالفهم مع أعداء كلا القبيلتين في القرن الحادي عشر للهجرة، وعن بني عُقبة قال الجزيري عام ٩٧٧ هـ / ١٥٦٩ - ١٥٧٠ م في شمال الحجاز خلال القرن العاشر الهجري: أن العمرو من بني عُقبة - جُذام هم جماعة عيون القصب وهي عينونة الواقعة إلى الجنوب من البَدْع على نحو ٥٥ كيلو، ويمتدون شمالًا حيث يجاورهم بطن آخر من بني عُقبة وهم الخرشة، ويجاور العمرو جنوبًا امتدادًا من عيون القصب، أي عينونا الى حدرة دامة بطن آخر من بني عقبة وهم المسالمة، وداما هو وادٍ يقع إلى الجنوب من مدينة ضبا على نحو ٢٨ كيلو، وذكر الجزيري من بدنات أو فروع العمرو: المتاريك والعوامرة والمزايدة.
وفي العهد التالي للجزيري في نهاية القرن العاشر الهجري حدث نزاع دموي بين بطون بني عُقبة، كان نتيجته أن طرد المسالمة أخوتهم العمرو الذين أخذوا في الارتحال شمالًا نحو بلاد الطُفيّلة والكرك، حيث توجد بطون أخرى من بني عُقبة كالخرشة إلى جانب قبائل المساعيد والوحيدات. وقد ذكر جورج أوغست فالين فيما كتبه في شباط عام ١٨٤٨ م حين مرَّ بالمويلح في شمالي غرب الحجاز والتقي ببني عُقبة القاطنين في نواحي المويلح وذكر هذا النزاع فقال:
يروي بنو عُقبة أنهم كانوا في الماضي البعيد قبيلة كبيرة ذات نفوذ وتملك الأراضي الممتدة من شاما إلى داما، وشاما تعني صحراء سوريا، وداما هو وادٍ
[ ١ / ١٨٩ ]
شمال بلدة الوجه بين ضبا واسطبل عنتر في شمال غرب المملكة العربية السعودية، ويقولون: إن القبيلة انقسمت في صدر الإسلام قسمين كبيرين هما: المسالمة وبني عمرو، وجدهما واحد اسمه معروف، وبسبب خلافات عائلية بين شيخ بني عمرو وزوجته عييفة شقيقة علي بن نجدي زعيم البطن الآخر من بني عُقبة (يعني المسالمة) نشبت نزاعات انتهت بأن المسالمة القوية طردت بني عمرو من ضواحي المويلح؛ وأرغمتهم على اللجوء إلى قبيلة الحجايا من شمَّر في ضواحي الطُفيلة، فاندمجوا بها وصاروا معها منذ ذلك قبيلة واحدة ولكنهم ظلوا يكنون العداء للمسالمة. قلت: ومعروف أن جد المسالمة والعمرو هو جد عموم المعاريف من بني عُقبة جُذام القحطانية الذين تفرع منهم المسالمة والعمرو. وقد ذكرهم الجزيري وأسماهم بنو عُقبة المعاريف وذكر أنهم من عربان الحمل للحج، أما علي بن نجدي شيخ المسالمة المذكور فقد تولى زعامة المسالمة بعد أبيه نجدي بن أبي بكر بن نجدي شيخ المسالمة في عهد الجزيري في أواخر القرن العاشر الهجري، وقد ذكره من زعماء المسالمة في عهده نجدي بن أبي بكر وأولاده علي بن نجدي ومن معهم وذكر أنهم من النجادة المسالمة وقال: النجادة منهم نجدي بن أبي بكر بن نجدي وغدير بن علي بن نجدي وأبو بكر ومن معهم من النجادة، وهذا يوضح لنا أن النزاع بين المسالمة والعمرو حدث بعد أن تسلَّم علي بن نجدي بن أبي بكر بن نجدي زعامة المسالمة بعد أبيه وهذا ما حدث في نهاية القرن العاشر للهجرة بعد وفاة الجزيري في عام ٩٧٧ هـ. وتجدر الإشارة هنا إلى أن نذكر أن العمرو لم يندمجوا مع الحجايا وكل ما بين القبيلتين هو أن العمرو أخوال للحجايا، وبعد نزاع المسالمة والعمرو ارتحل العمرو شمالًا باتجاه بلاد الطفيلة والكرك. وذكر علي نصوح الطاهر من العمرو قائلًا: إن هجرة العمرو من الحجاز كانت في القرن السابع عشر عام ١٦٢٩ م - ١٠٣٩ هـ، ويبدو أنهم أخذوا بالارتحال منذ عام ١٠٣٨ هـ - ١٦٢٨ م. وذكر أوبنهايم أن هجرة بني عُقبة إلى بلاد الكرك كانت في القرن السابع عشر الميلادي وهو يعني بني عُقبة العمرو، وذكر فردريك بيك وجود العمرو في بلاد الكرك قبل منتصف القرن السابع عشر أي قبل عام ١٦٥٠ م، وهو ما أشار إليه الأب جورج سابا وروكسي بن زائد العزيزي، وقد ورد لهم ذكر في أحداث بلاد الكرك خلال القرن السابع عشر الميلادي.
[ ١ / ١٩٠ ]
وعندما دخل العمرو بلاد الشوبك ونواحيها وجدوا الوحيدات يسيطرون على المنطقة وعربانها، وكانت الوحيدات تقطن منطقة غربي جبال الشراة ويُنسب إليهم وادي الوحيدي غربي معان، ومن ديارهم في تلك البلاد تلاع الوحَيْدي وهي تلك التلاع المقابلة لقرية الطيبة من الجهة الجنوبية الغربية، كما استوطنوا شمالي الشوبك ومن ديارهم المقارعية شمال غرب الشوبك، وفي ذكره للوحيدات قال عارف العارف (^١): أنهم جاءوا من جبال الشراة في شرق الأردن ولهم هناك أراضي تدعى العجيج فيها عيون أهمها أَذْرح، كما كانت عشائر الوحيدات تملك منطقة أَذْرح والجرباء وما حولها وما زالت أغلب أراضي هذه المنطقة تسمى تلاع الوحيدي وثبت أنهم استوطنوا معان واتجهوا شمالًا لأَذْرح بالشوبك ثم البلقاء بالأردن، وبلغ من شأنهم ما يرويه شيوخ الطراونة المعروفين في بلاد الكرك ومعان أن الوحيدي كان ظالمًا وكان يجر جدهم الطرو على الشوك عاريًا!، وكان الطراونة يقطنون وادي موسى، وقد وردت أخبار للوحيدات تدل على مشاركتهم القوية بأحداث بلاد الشوبك والكرك عام ١٠٢٢ هـ الموافقة لعام ١٦١٣ م، ومنذ أن دخلت العمرو من بني عُقبة إلى تلك المنطقة اصطدموا بالوحيدات فدار نزاع امتد حتى الطفيلة، ففي عام ١٠٣٩ هـ - ١٦٢٩ م سار العمرو نحو الطفيلة فاحتلوها وذبحوا أميرها الوحيدي المُلقَّب بالمنصوري فجلا الوحيدات من المنطقة. وقال علي نصوح طاهر: إن العمرو اتجهوا نحو الطفيلة وكان حاكمها ظالمًا ويُعرف بالوحيدي ويسميه أهل الطفيلة بالمنصوري، فحاصروها وقتلوا الوحيدي بعد أن اقتحموا البلدة عنوة، ففرت عشيرة الوحيدات إلى شمال سيناء وغزة للالتحاق بباقي أقاربهم النازلين هناك في تلك المناطق.
وقد ذكر الأب جورج سابا وروكسي بن زائد العزيزي أن العمرو عندما قدموا لبلاد الطفيلة لم يحل دون تقدمهم في البلاد واصطدامهم بالوحيدات سكان الطفيلة والكرك بل ألجأوهم إلى الارتحال إلى غزة فحلوا محلهم، وما إن استقر العمرو ببلاد الشوبك والطفيلة وقد استقطبوا كثيرًا من العشائر ضد قبائل المنطقة الأقدم وجودًا والتي كانت تسيطر على تلك الأنحاء، فاتجهوا نحو بلاد الكرك
_________________
(١) وقال عارف العارف عن الوحيدات أنهم سادة أشراف من ذرية الحسن بن علي وأن الترابين في غزة يبجلون الوحيدي شيخ الوحيدات لشرف نسبه، وهذا يؤكده الرواة في سيناء أيضًا.
[ ١ / ١٩١ ]
ليخوضوا حروبًا طويلة ضد المساعيد، وقد استمرت وقائع المساعيد مع العمرو وغيرهم من بني عُقبة عدة سنين امتدت حوالي ثماني سنوات من ١٠٤١ هـ حتى ١٠٤٧ هـ الموافق ١٦٣١ - ١٦٣٨ م، وكان الفريق العُقبي الأقدم وجودًا ببلاد الكرك قد آزر المساعيد ضد العمرو ومنهم الحناحنة والخرشة والقياصمة، ويذكر الشيخ مدلله بن غافل شيخ العمرو قال: إن ابن قيصومة وابن وادي وابن شريتح حالفوا المسعودي ضد العمرو.
قلت ابن وادي هو شيخ الخرشة وابن شريتح شيخ الحناحنة وابن قيصومة شيخ القياصمة، كما انضم إلى المساعيد فريق من المسالمة ضد إخوتهم العمرو، وقد عرفت هذه الوقائع بذبحة العمرويين، وقد نتج عنها ارتحال (^١) المساعيد ومن حالفهم من الحناحنة نحو البلقاء، فيما ارتحل القياصمة نحو بيت ساحور بفلسطين وعرفوا هناك بالسواحرة فيما تبقي الخرشة ببلاد الكرك، أما المسالمة فقد ارتحلوا إلى بلاد غزة وهم اليوم في عداد التياها ويعرفون ببني عُقبة حتى الآن، وقد نزلوا في البداية على الوحيدات أعداء العمرو وصاهروهم وهم ينتسبون إلى علي بن نجدي شيخ المسالمة. وقد ذكر عارف العارف أن بني عُقبة ببلاد بئر السبع ينتسبون إلى علي بن نجدي قال: وقد نزل هذه البلاد مع الوحيدي. وقال الطاهر: أن الشيخ علي بن نجدي العُقبي صمم على الاتجاه إلى بلاد غزة، واتجه إليها فعلًا مع أولاده وحل بين عشيرة الوحيدي ورحب به الوحيدي ولقد تصاهر الوحيدي والعُقبي، وأضاف: وبعد مضي فترة من الزمن اختلف العُقبي وأولاده مع الوحيدي وانضم بجماعته إلى قبيلة التياها وأصبح يعتبر منهم.