بعد أن استقر المساعيد في شمالي الحجاز إثر قدومهم من بلاد نجد (^١) ومعهم فرقة من مُطَيْر ساكنو بني عُقبة من جُذام القحطانية وحالفوهم، وفي الديار التي استوطنوا منطقة العقبة ووادي اليتم، فكان بنو عُقبة يسكنون جانبه الأيمن وفي سيل السحاقي وامتدت مساكنهم إلى ساحل البحر، فيما كان المساعيد يسكنون الجانب
_________________
(١) = مدينة غزة بفلسطين، وبالتالي تفرَّق المساعيد والأحيوات إلى سيناء والشرقية من الديار المصرية إلى جانب من ذهب إلى نابلس وقتئذ. وقال: وكانت قيلة المساعيد تحالف بني عُقبة ثم حاربوهم في وادي العربة ثم حالفوا فترة قبيلة بني عطية في الحجاز بعد عودة فرق من المساعيد إلى ديار بني عطية (أرض مدين) ثانية بعد وقعة المنطار، وقد كانت بني عطية هي الغالبة على عُقبة التي ضعفت وتفرقت إلى الام، وقد انتهت أحلاف المساعيد مع بني عطية في أطوار قديمة ولم تستمر ولم يبق سوى حلف الحويطات والترابين وخاصة في سيناء ومصر، وأضاف: إن هذا الحلف داداما حتى يوم القيامة طول ما الماء بحر والكف ما ينبت شعر!!
(٢) ذكر أن المساعيد قد سكنوا وادي الحرير أو الجرير فترة من الزمن وهو في نجد حاليًّا وانتقلوا لوادي الليف لعد ذلك في شمال الحجاز، ورافقتهم فرقة من مُطير نجد وتسمى بني عطا.
[ ١ / ١٤٣ ]
الأيسر وفي صدر الهويتة مع امتداد مساكنهم إلى ساحل البحر، ومن الآثار التي تعود إلى ذلك العهد دِمْس العُقبية وهي صخرة ضخمة كانت تقبع في بطن وادي اليتم، ولم يبق منها في يومنا هذا إلا جزء يسير بعد تحطيمها عند إنشاء طريق العقبة عبر اليتم، وقد نسبت هذه الصخرة لفتاة من بني عُقبة وفي رواية أقوى أنها ابنة شيخ بني عُقبة، قالوا: وكانت الفتاة العُقبية بكرًا لم تتزوج وكانت تصعد هذه الصخرة فنُسبت إليها، فلما تزوجت وحملت ثم ولدت ثم إنها عادت بعد ذلك لتصعد صخرتها - على سابق عهدها كما كانت تفعل قبل ذلك كعادتها - فلم تستطع الصعود، فعادت وسارت نحو مقعد الرجال في بيت أبيها وخاطبت قومها بهذه النصيحة قائلة:
يا بني عُقبة حيلوا الخيل … اثرى الطنى يهد الحيل
أي يا بني عُقبة امنعوا خيلكم من الحمل بمنعها من التلاقح، وقد نصحت العُقبية قومها بذلك، لأن الطنى أي الضنى وهو لغة عند بعض القبائل العرب حتى يومنا هذا، يذهب بالحيل أي القوة، فهي تريد من قومها منع خيولهم من الحمل بعدم تلاقحها لتظل بكامل قواها؛ لأن الحمل والولادة يذهبان بالقوة والجهد والحيل وقد جربت ذلك بنفسها.
وكان المساعيد حين قدموا من شرقي نجد بلاد بني بكر بن وائل وقد انفصموا عن قومهم بنو شيبان من بكر، وسكنوا بلاد مُطَيْر حقبة من الزمن، رافقهم فوقة من مُطير أثناء مسيرهم نحو شمال غرب الحجاز (لبلاد مدين القديمة) والتي تسكنها عُقبة من جُذام وقتئذ بعد أن رحل معظم جُذام إلى الديار الشامية والمصرية وغيرها، وقد عاشت هذه الفرقة من مُطير في حمى المساعيد وقد فُوض عليهم ضريبة يؤدونها لأمير المساعيد وتُعرف عند العرب بالخاوة، فلما استقروا بشمال الحجاز وخالف المساعيد بني عُقبة وساكنوهم رأى عرب مُطير أن يطنبوا على بني عُقبة حلفاء المساعيد، لأنهم رأوا في هذا ظلمًا واستبدادًا بهم وهم قوم أحرار في بلادهم الأصلية، مما دفعهم إلى الالتجاء لبني عُقبة مستغيثين بهم ليتخلصوا من خاوة المساعيد كلها أو بعضها تحت حماية بني عُقبة، فلم يجد هؤلاء بُدًّا على حسب عادات وأعراف العرب وتقاليدهم ونخوتهم إلا أن يُرحِّبوا بمُطير الذين
[ ١ / ١٤٤ ]
أطنبوا عليهم. وقيل أن المساعيد حين قدموا من شرق نجد كانوا يتألفون من أربعة عشر فخذًا ولكل فخذ رئيس أو شيخ وكذلك له بيرق، أي راية، وكان ارتحالهم ومسيرهم يتم بقرع الطبول لإعلام كافة المساعيد، وذهب علي نصوح الطاهر إلى أنه كان مع الأمير المسعودي سبع عشائر، قلت: بل كانوا سبعة بطون تفرع منها أربعة عشر فخذا ولهم سبعة رؤساء يديرون شئونهم، ويبدو أن منطقة شمال غرب الحجاز في العقبة ونواحيها قد ضاقت بالمساعيد وبني عُقبة بعد حين من الدهر وقد كثرت مواشيهم دهابلهم وأنعامهم، وأجدبت البلاد في شمالي الحجاز كعادتها فقرروا الارتحال إلى بلاد غزة (^١) بفلسطين بعد أن استهوتهم كثرة خيراتها ومراعيها، وكانت الديار الغزيّة وقتئذ مكانا طيبًا لهجرة وامتداد القبائل العربية من شمال الحجاز أو الاتجاه منها نحو الديار المصرية، فانطلق المساعيد وبنو عُقبة من العقبة إلى ديار غزة التي قيل أنها في هذه الفترة بالذات قد أخصبت خصبًا لا مثيل له من قبل، فطار صيت مراعيها وارتادها الرواد من كل جانب، وهناك قول أنهم ساروا لشراء القمح من غزة، والصحيح أنهم ارتحلوا رحيلًا كاملًا بقصد الاستيطان هناك فارتحلوا عبر وادي عربة قاصدين بلاد غزة بفلسطين.
وقيل أنه أثناء ارتحال المساعيد من شمالي الحجاز تخلَّف منهم فريق يسمى الضمادية فظلُّوا في وادي عربة وقيل في نواحي العقبة، ثم إن باقي المساعيد واصلوا مسيرهم ليحطُّوا الرحال عند عين الحصب ووادي قصيب والمدرة ونواحيها في شمالي غرب وادي عربة طلبًا للماء والكلا وطلبًا للراحة عند ورودهم لماء الحصب، ولكي يرسلوا عيونًا منهم تجس بلاد غزة فأقاموا في تلك النواحي لبعض الوقت، ثم اتفق زعماء المساعيد وبني عُقبة على إرسال عيون على هيئة رعاة إلى غزة وأنحائها ليعسُّوا البلاد والناس، فأرسل المساعيد عدة رجال وكذلك فعل بني عُقبة، وكان من عيون بني عُقبة رجل من مُطير الذين أطنبوا عليهم فساروا وتفرقوا لمعرفة أحوال البلاد والناس، وكانت الدولة في غزة من المماليك الأتراك الجنس الذين قدموا في عهد الدولة الأيوبية، وقد علم حاكم غزة بارتحال هذه القبائل من
_________________
(١) غزة سميت أيام الجاهلية باسم غزة هاشم (جد النبي - ﷺ -) لما أنه كان مع قومه من قريش في رحلة الصيف للشام ومرض فاستند على عصاه في كثيب من الرمال أو غز عصا. وفاضت روحه، فسماها العرب غزة هاشم نسبة إليه.
[ ١ / ١٤٥ ]
شمالي الحجاز فخشى أن تفسد عليه البلاد والطرق والعربان الساكنين في فلسطين، فأرسل من يتربص بأخبار هذه القبائل وقد عرف أمر الجواسيس الذين أرسلوهم إلى غزة لجس البلاد وقد أرسل عساكره للقبض على هؤلاء، وقيل أن الشخص المُطَيْري المُرسل لبني عُقبة هو الذي أوشى عليهم وقد سار إلى حاكم غزة وأخبره الخبر، فلما سأله عن سبب هجرة هذه القبائل نحو غزة وأعدادها وزعمائها وأمزجتهم فهاله ما علمه من كثرة أعدادهم ورجالهم وخيولهم، وقال المُطَيري أنهم عبروا نقب الصفا نحو غزة ولن يردهم شيء، ونقب الصفا هو المدخل من شمالي غرب وادي عربة إلى بلاد بئر السبع وغزة بفلسطين.
وبعد تفكير ومشورة سأل حاكم غزة المملوكي الرجل المُطَيْري أن يفتن بين القوم بعضهم ببعض بعد ما علم بصغر من أمير المساعيد وميله الشديد وحبه للنساء والجمال، وأغرى الحاكم ذلك المُطَيْري بالمال الوفير والعطاء الجزيل والسماح له ولعشيرته بالتوطن في ديار غزة، فأخبره المُطَيْري أنه يستطيع فتنة القوم ذلك أنه طنيب على أمير بني عُقبة داود وأن له ابنة جميلة سيزينها ويجعل أمير المساعيد يراها بحضور أمير بني عُقبة، وهكذا كان فقد أعطى الحاكم للمُطَيْري ألبسة وزينة لابنته البدوية ليزينها ويسحر بها أمير المساعيد لتقوم الفتنة بينه وبين صديقه أمير بني عُقبة، فعاد المُطَيْري إلى القوم شأنه كشأن العيون الآخرين المُرسلة إلى غزة ولم يعلم أحد بشيء مما تم التخطيط له.