أما المساعيد فقد استقروا ببلاد البلقاء ثم انتقلوا غرب نهر الأردن في منطقة الفارعة التي سُمِّيت باسمهم. قال إحسان النمر في ذكر المساعيد: جاءوا من وادي الحرير (^٢) في الحجاز ونزلوا في جهات الكرك، ثم رحلوا على أثر فتنة وقعت هناك ثم نزلوا في غور نابلس المعروف بغور الفارعة وتفرَّقوا ولم يبق مع أميرهم أبو
_________________
(١) الارتحال هنا من عادات القبائل المنتصرة.
(٢) الحرير: الراجح أنه وادي الحرير فى نجد ولا يوجد وادٍ بهذا الاسم في الحجاز، وهجرة المساعيد جاءت من شرق البلاد النجدية إلى هذا الوادي من فترة زمنية يرجحها الرواة فى آخر القرن السادس الهجري.
[ ١ / ١٩٢ ]
الفيتا إلا القليل وهو المُلقَّب بخرفان. ويشير العبَّادي إلى الحروب بين المساعيد والعمرو فيقول: المسعودي الذي نزح منهم قسم إلى شمالي الأردن وآخر إلى الجفتلك في غور الأردن الشمالي من غرب النهر بعد حروب بينه وبين ابن ثبيت شيخ العمرو، ويشير إلى أن الحروب الداخلية أبادت كثيرًا من العشائر وهذه الحروب كانت خاصة بين ابن ثبيت والمسعودي وأتباعهما، وقال: والمسعودي قد هاجر إلى الجفتلك في غور الأردن الشمالي غربي مجرى نهر الأردن. وقال علي نصوح طاهر: ذهب الأمير المسعودي برجاله معتصمًا بالبلقاء واستقر أخيرًا في غور الجفتلك من أراضي قضاء نابلس، وقد استقر المساعيد في البلقاء غربي السلط وفي سهل كبد ونواحيه، ومن ديارهم خور المساعيد الواقع في معاريب السلط ويطل على عيرا وبرقا، وقد نتج عن الحروب القَبَلية في بلاد الكرك سيطرة العمرو على المنطقة واستبدادهم وطغيانهم مما أدى إلى ثورة العشائر وتحالفها عليهم. قال إحسان النمر: فثارت عليهم عشائر الكرك ووقعت حرب أهلية امتدت إلى البلقاء ومعان ودارت فيها الدائرة على العمرو، قال: وتعطلت طريق الحج وامتد التمرُّد حتى حوران بجنوب سوريا فقُتل أمير الحج موسى باشا التركماني عام ١٠٨١ هـ، مما دفع الدولة العثمانية بتكليف الأمير يوسف النمر لقيادة حملة من نابلس لإخماد الثورة فأخمدها وأخذ على ما يقول إحسان يجلي العشائر التي ثبت أنها أصل الثورة، فأجلى التميمية إلى الخليل بفلسطين فعرفوا بالمجالي وأجلى الجرادات (^١) أكبر عشائر العمرو إلى جبل الخليل وجبل نابلس، فسيطرت الدولة حينذاك على زمام الأمور إلا أن هذا لم يمنع قيام نزاعات قَبَلية فيما بعد.
وقد ظلَّ المساعيد في ديارهم شرقي النهر في البلقاء حتى تنازعوا مع بني جَرْم (^٢) من (طيئ القحطانية) في غرب النهر بفلسطين ثم استولوا على ديارهم،
_________________
(١) الجرادات كما ذكرهم عارف العارف أنهم من المشاعلة من جُهينة وهذا هو الأرجح والثابت أن الجرادات كانوا من حلفاء العمرو فظن إحسان النمر أنهم يعودون بالأصل للعمرو من عُقبة جُذام وقد ذكر العارف عشائر العمرو والظاهر أنها خليط من الأحلاف معظمها منضمة للعمرو قديمًا، وذكر تاريخ شرق الأردن أن الجرادات ليسوا من العمرو وإنما منضمين لهم وهو الصحيح، وقد ذكر أن العمرو من بقايا آل عمرو من غزيَّة القحطانية وهو ينقل عن القلقشندي في مخطوطه رقم ٥٠ - ١.
(٢) ذكرنا سالفًا حرب المساعيد مع بني جَرم قُضَاعة فيجب التفريق بين جَرْم قُضَاعة وجَرْم طيئ والحروب مع الأولى في أواخر القرن السابع الهجري والثانية في القرن الحادي عشر الهجري.
[ ١ / ١٩٣ ]
والسبب هو أن رجلًا من بني جَرْم أطنب على أمير المساعيد وكان يقطن آنذاك سهل كبد شرقي النهر بالبلقاء، وقد شكى إليه الرجل ظلم أمير بني جَرْم الذي استولى على أملاكه وأرضه، فجمع الأمير شيوخ وأمراء المساعيد واستشارهم في أمر هذا الطنيب الذي يجب عليهم حسب تقاليد البدو أن يسعوا لاسترداد حقه ورده إليه وهم أهل النخوة والشجاعة والمروءة، ومن العار إن ترد المساعيد جوار وطنب هذا الرجل المظلوم حتى لو دخلت في حرب مع جَرْم تفنى فيه فرسانهم جميعًا، فلما عرف كبار المساعيد رأى أميرهم الخطير أشاروا عليه بإرسال رسول إلى الأمير الجَرْمي لمطالبته برد حقوق الطنب عليهم، فلم يرد الجَرْمي على الرسول ولم يوقِّره فعادوا الكرَّة وأرسلوا رسولًا آخر، فبغى أمير بني جَرْم وزاد في الظلم والجبروت وقتل رسول المساعيد!، فأعلن أمير المساعيد على جَرْم الحرب فورًا واقتحم فرسان المساعيد بخيولهم سهل الكبد نحو الجفتلك وقطعوا النهر انطلاقًا إلى الفارعة في الغرب الشمالي حيث معقل بني جَرْم في تلك الديار من الجفتلك، وكان بنو جَرْم يقيمون غرب النهر في الفارعة وأريحا والعوجا، ويحكمون المنطقة من مشارف نابلس ومشارف القدس إلى البحر الميت وبعض قرى رام الله، وكانت علاقة بني جَرْم مع العمرو وثيقة للغاية حيث كانت تقيم في أوساطهم عشيرة المتاريك وهؤلاء كان منهم شيوخ العمرو في عهد الجزيري في القرن العاشر الهجري، وحدثت معارك بين المساعيد وبين بني جَرْم وحلفاؤهم المتاريك وامتدت هذه المعارك الضارية حتى فصايل إلى الجنوب الغربي من الفارعة، فانهزم فرسان بنو جَرْم وهرب أميرهم الطاغي إلى عقرباء فطارده الأمير المسعودي بفرسانه من المساعيد وقد طعنه بالرمح فخرَّ صريعًا عند أحد بوابات عقرباء (^١) فسُمِّيت تلك البوابة التي سقط عندها أمير بني جَرْم باسم بوابة الجَرْمي، وقد تفرَّق بنو جَرْم والمتاريك عقب هذه الوقعة مع المساعيد، فسكن بنو جَرْم نواحي يافا وغزة وهم الجرامنة فيما سار المتاريك نحو بيسان في الشمال واستوطنوا هناك، فتم للمساعيد السيطرة على ديار بني جَرْم وأملاكهم وحدائقهم الغنَّاء وقد وضع المساعيد يدهم على أفضل الديار وهي التي عُرفت بغور الفارعة أو بغور المساعيد (^٢)، وقد ظلَّ
_________________
(١) عقرباء قرية كبيرة من قرى قضاء نابلس.
(٢) غور المساعيد أو ما يسمى بفارعة المسعودي غرب نهر الأردن ضمن أراضي نابلس بالضفة =
[ ١ / ١٩٤ ]
عبيد بني جَرْم وهم الرحايلة وكذلك عبيد المتاريك وهم البراهمة، وكما ظلَّت بقية قليلة من جَرْم عند المساعيد أيضًا وكان من أعقابهم امرأة تزوجها الأمير عبد الله بن ضامن بن بركات بن خليل المسعودي فيما بعد.