١ - ذكر الجزيري اسم المعَّازي كفرع قائم بذاته نزل بحِسْمي، رغم أن المعازي هو اسم عام وشامل لعموم بني عطية، وبصورة غالبة في الوقت الحاضر هنا في الديار المصرية، وحتى لو اعتبرنا أن المعازي اسم فرع وغلب على سائر بني عطية فيما بعد الجزيري، مثل فرع شَمَّر الذي طغى على باقي فروع طيئ في شمالي نجد وتسميه كلّ القبيلة من طيئ على اسم شَمَّر، فهنا الأمر يختلف تمامًا لأنَّ المعازي الذي ذكره الجزيري كفرع، ليس له وجود أو بقية الآن فكيف يكون فرعًا غالبًا؟ إذن هذا الأمر مستبعد، فاسم بني عطية هو الغالب الآن في المملكة العربية السعودية وفي المملكة الأردنية الهاشمية، ولربما ساد اسم المعازي على العطاونة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين بدليل ذكر الرحَّالة المغربي المسمى الدرعي (اسم المعازة) على بني عطية القاطنين في طريق الحجِّ بالحجاز. وسواء غلب هذا الاسم على بني عطية في فترات زمنية أو لَمْ يغلب، فالشيء المؤكد ميدانيًا وتاريخيًا أن المعازي ليس فرعًا إطلاقًا في قبيلة بني عطية التي تنتمي أصلًا لجد اسمه (معاز)، كما سوف نبين في السرد عن أصل بني عطية الحقيقي، مخالفين تخبُّط الجزيري في مخطوطه أنهم من بني عُقبة جُذام.
ولا أدري من أين أتي باسم المعازي كفرع نازل بحِسْمي، ولربما ذكر له أحد البدو أن هناك "معازة" نازلين بحِسْمي، على أنَّ الاسم يشمل بني عطية فلم يدر
[ ١ / ٧٠ ]
الجزيري أن المعازي هو العطوي عمومًا، فَدوَّن المعازي كفرع خاص نزل بحِسْمي وهذا هو التوقع الصحيح لما حدث من لبس وخطأ من قِبَل الجزيري.
٢ - ذكر الجزيري في مخطوطه "درر الفرائد" أن العطيات والعُبيات والمساعيد من بني شاكر (عُقبة)، وهذا خطأ فادح؛ لأنَّ العطيات هم أوسط فروع بني عطية نسبًا وغير مشكوك إطلاقًا في انتمائهم لبني عطية، بل إن العطيات هؤلاء هم رءوس قبيلة بني عطية في المملكة العربية السعودية ومنهم الشيخ العام لعموم فروع بني عطية منذ فترات زمنية كبيرة.
وعن العُبيات فكل ما حققه الباحثون أنهم من عشائر الحويطات في المملكة العربية السعودية.
- وعن المساعيد فالمتواتر والمعروف أن جدهم هانئ بن مسعود الشيباني من بكر بن وائل. (انظر السرد التفصيلي عنهم)، والمساعيد قبيلة قديمة ظهرت منذ القرن السادس الهجري.
- كما نصحح التباس الجزيري عن بني شاكر الذي نسب العطيات والعبيات والمساعيد لهم، فنقول أن بني شاكر هؤلاء من بني راشد من عُقبة جُذام، كما ثبت من كبار المناسبين في القرن الثامن الهجري مثل القلقشندي والسويدي، وبعد نزوح بني عُقبة إلى الأردن وفلسطين ومصر اضمحلت تلك القبيلة، ودخل العديد من فخوذها في بني عطية والحويطات والمساعيد، كما سنسرد عنهم في مساعيد فلسطين.
وعن بني شاكر بالذات فقد انضموا إلى بني عطية في شرق الأردن، ويُطلق عليهم عطاونة هناك، وقد سكنوا الحسما مجاورين لعشائر حويطات الأردن .. هذه هي الحقيقة لا كما ذكرها الجزيري - ﵀ - في القرن العاشر الهجري في مخطوطه "درر الفرائد المنظمة"، بأن جعل العطيات رأس بني عطية من بني شاكر، وجعل المساعيد فرعًا من بني شاكر وهم قبيلة كبيرة في عهد الجزيري، تنتشر في الشام ومصر وشمالي الحجاز.
- ذكر الجزيري كلًّا من الرتيمات والكعابنة والسواركة والوحيدات والترابين إلى قبيلة بني عطية.
[ ١ / ٧١ ]
وهذا شيء يدعو للسخرية، وخطأ فادح في ذات المخطوط للجزيري المُسمَّى "درر الفرائد المنظمة".
- عن الرتيمات (^١) فهي عشيرة من عشائر قبيلة الجبارات بجنوب فلسطين (بئر السبع)، والجبارات أغلبهم من جُذام كما ذكر العارف في تاريخ بئر السبع، وعن الرتيمات بالذات فأصلهم من بني عُقيل وانضموا للجبارات بعد أن قدموا من نواحي البحرين، وعُقَيل كما هو معروف بطن كبير من هَوَازِن العدنانية، وكان لهم مُلك في البحرين ومنهم فروع في قبيلة بني خالد بالمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج العربي.
وقد أيَّد نسب الرتيمات لبني عُقيل "تاريخ بئر السبع" لعارف العارف و"تاريخ سيناء" لنعوم شقير.
- وعن الكعابنة الذين ذكرهم الجزيري بشرق الأردن من بني عطية، فمن المعروف أن اسمهم الحميدات وأُطلق عليهم الكعابنة، وهم هنالك قسم من كعابنة تبوك في شمالي الحجاز وجاوروا قبيلة بني صخر وحالفوها وحسبوا منها في الأردن. وكانت مساكنهم قرب ساحل البحر الأحمر شمال غرب الحجاز قديمًا، وهم ليسوا من بني عطية أصلًا، وقد رجح الباحثون أنهم من كعب بن عدي من قريش (^٢) وخالطوا القبائل في شمال الحجاز، وينقسم الحميدات (الكعابنة) إلى فرعين في المملكة العربية السعودية هما: عيَّاد وعوَّاد فأما عاد ففيه فخوذ: الكسَّابين والغرضان والرشايدة والفوايرة والمطيرات، وعوَّاد فيه فخوذ: الغنَّامين والقديمات والزيادين. ووسمهم العرقاة ومطرق على صدغ البعير، وهو غير وسم العطاونة، ويعتبرون من أقدم سكان تبوك ولهم أملاك ومزارع فيها، وأغلبهم تجار في هذه المدينة السعودية. وفي الأردن مساكنهم الحشاش قرب مادبا وسحاب قرب عمان وأبو الرصاص شرق مادبا والزرقاء والموقر شرق سحاب، ومنهم في العوجا ويطا من قضاء الخليل بفلسطين مجاورين لعرب قيس. ومن عشائر الكعابنة في الأردن: الرملات، والزويديين، والعمور، والجمازيين، والرويعيين.
_________________
(١) رجح أيضًا عارف العارف أن الرتيمات من الصايح من شَمَّر (طيئ) القحطانية، وأما "تاريخ سيناء" لنعوم شقير فقد ذكر أن الرتيمات من بني عُقيل من عامر بن صعصعة من هَوَازِن.
(٢) عن كنز الأنساب للأستاذ السعودي حمد الحقيل.
[ ١ / ٧٢ ]
- وعن السواركة (^١) فهم قبيلة حديثة التكوين بعد القرن الثامن الهجري، واتفق الباحثون أنهم من سلالة عكاشة بن محصن الأسدي من بني أسد العدنانية (انظر السرد عن السواركة).
وعن الوحيدات فهم كيان قَبَلي حديث التكوين أيضًا شأنه شأن السواركة والحويطات، وتكونت أو نمت عشيرة الوحيدات قبيل الحويطات بفترة قصيرة في شرق الأردن (منطقة الشراة)، وأكد تاريخ بئر السبع والبحث الميداني من الثقات أن الوحيدات جدهم المؤسس لكيانهم اسمه حسن الوحيدي، من أشراف الحجاز من ذرية الحسن بن علي - ﵁، وقدم مثل حويط إلى الشمال وتزوج من الليائنة وهم فخذ من بني عُقبة، وتناسلت منه عشائر نسبت إلى مؤسسهم الوحيدي فسموا وحيدات، فلما ظهرت الحويطات من أبناء علوان بن حويط في شرق الأردن، نافسوا الوحدات في الشراة واصطدموا معهم في معارك بسيطة، اضطر الوحيدات هؤلاء أن يتركوا الشراة، وسكنوا في فلسطين قرب ديار الترابين في نواحي غزة والنقب، وكذلك نزل بعضهم في سيناء. وذكر عارف العارف أن الوحيدات يلاقون الاحترام والتقدير من بدو فلسطين على رأسهم قبيلة الترابين؛ لأنهم من نسل الأشراف.
وعن الترابين فهم كيان قَبَلي حديث التكوين أيضًا، وذكر عارف العارف الفلسطيني النسابة المدقق الشهير أن الترابين هؤلاء معهم خليط من عدة عشائر منزوعة من قبائل عربية قحطانية وعدنانية، وضح بعضه في مصنفه "تاريخ بئر السبع" وترك عشائر دون ذكر أصولها، لأي بطون العرب ترتد، وذكر أن معظم الترابين ينتمون لبني عطية - ويقصد نجم بن عطية البقِّمي - وقد وضح أن هناك فروعًا في النجمات لا ينتمون إلى بني عطية، مثل الصانع وهم أيضًا من البقوم (الأزد) القحطانية، وهي قبيلة معروفة حتى الآن في المملكة العربية السعودية في بلدة تَرَبة (^٢)، وهي جنوب شرق مدينة الطائف، وكذلك فرع الشعوث فهم من بني زريق من ثعلبة طيئ، وفرع المحافظة وهم من أبناء عمومة السوالمة من سُلَيم،
_________________
(١) يوجد فقط في السواركة بعض عائلات قليلة أصلها من بني عطية (المعازة).
(٢) قيل لي أن معظم عشائر الترابين من البقوم في تَربَة وغلب عليهم اسم البلدة فسموا ترابين.
[ ١ / ٧٣ ]
ومن أراد التفصيل عن فروع الترابين هؤلاء فليرجع إلى "تاريخ بئر السبع" لعارف العارف الذي لَمْ يُفصِّل أي محقق عنهم في هذا القرن غيره.
٤ - ذكر الجزيري أن العميرات من بني عيَّاد!
وهذا خطأ؛ لأنَّ العميرات من حويطات التَهَم، وبالبحث الميداني لَمْ أجد أي تشكيك لنسب العميرات لحويط مؤسس الحويطات، والعميرات في القرنين الأخيرين تكاثروا وأصبحوا من أكبر عشائر الحويطات بالتَهَم بالمملكة العربية السعودية.
وأما عن بني عيَّاد المشار إليهم فهم قبيلة "العيايدة" من القبائل الحديثة بعد القرن الثامن الهجري، ومرجع نسبها إلى القحطانية، وقد كانت هذه القبيلة تسيطر على طريق الحجِّ من بلبيس حتى العريش، وقطن منهم في جنوبي سيناء ثم بعد تَغْلِب الطوَّرة على الجنوب رحلوا إلى شمالي سيناء، ونزل كثير من عشائر العيايدة إلى وادي النيل في القليوبية والجيزة والدقهلية وغيرها، ولهم دور في تاريخ مصر الحديث أيام الحملة الفرنسية فقد كانوا الد أعداء نابليون مع قبيلة بلِّي، وكانوا يعادون محمد علي باشا ويؤيدون الألفي بيك زعيم المماليك، ووهم من ظن أن العيايدة من بقايا العايد من جُذام؛ لأنَّ العايد ورؤساءهم الأباظية في الشرقية حتى الآن، ومصنفات كثيرة في هذا القرن ذكرت العايد والعيايدة كلّ على حدًا، أبرزها تاريخ سيناء" لنعوم شقير و"قبائل العرب" لأحمد لطفي السيد، وغيرها من الكتب التي سردت عن تاريخ مصر في القرون الأخيرة.
٥ - ذكر الجزيري اسم القرعان (^١) والجواهرة (^٢) في حينه، أي بعد منتصف القرن العاشر الهجري وكانا عبارة عن فصائل صغيرة، قد نسبهم الجزيري إلى قبيلة بلِّي القضاعية، وهذا خطأ أيضًا؛ لأنَّ القرعان والجواهرة من حويطات التَهَم في المملكة العربية السعودية وقد سكن بعضهم منذ نماء الحويطات قرب الوجه من ديرة بلِّي، وخالطوا بعض عشائرهم في السكن أو الخلف، ولا يمتُّون من قريب أو من بعيد إلى البلِّوية.
_________________
(١) القرعان من أولاد سويعد بن حويط وأقرب العشائر لهم عشيرتي الموسة والعميرات.
(٢) الجواهرة من أولاد سلامة أبو ريشة بن سويعد بن حويط.
[ ١ / ٧٤ ]
٦ - ذكر الجزيري عن قبيلة بلِّي قائلًا العبارة التالية:
إن بلِّي من أولاد شهاب الدين أحمد بن ثعيليب!!؟
ولا أدري من هو شهاب الدين هذا الذي يقصده الجزيري، ولم أعلم لا في مصنفات ولا بحوث ميدانية أن هناك عشائر في بلِّي تنتمي إلى شهاب الدين، وبلِّي في المملكة العربية السعودية تنتمي إلى جذمين كبيرين منهما جميع عشائر بلِّي، وسنفصل عنها في باب السرد عن قُضَاعة - بلِّي وجُهينة.
٧ - ذكر الجزيري أن عُقبة جُذام هو والد بني عطية، وهذا خطأ منه لعدم ورود أي دليل تاريخي أو ميداني يؤيد هذا النسب لبني عطية، وقد ذكر كبار النسابون فروع عُقبة وجذام مثل بني واصل وبني راشد وبني شاكر، ولم يشذ الجزيري هذا عن كبار النسَّابين فحسب بخصوص نسب بني عطية، ولكن شذَّ عمن هم في طبقته من رحَّالة الحجِّ، سواء من جاء قبله أو بعده، فلم يذكر إطلاقًا أحد من الرحَّالة نسب بني عطية لبني عُقبة.
وبالبحث الميداني الدقيق في مصر والمملكة العربية السعودية من العديد لرواة. بني عطية الثقات، أنكروا جميعًا مزاعم الجزيري ونفوا بشدة نسبهم إلى (عُقبة) جُذام، وقال لي بعضهم: إن بقايا بني عُقبة هؤلاء مثل بني شاكر وغيرهم من بعض العشائر قد انضمت إلى العطاونة، وبعض بني عُقبة التحق بالحويطات أو المساعيد أو غيرها من قبائل الشام، وقالوا: إن ذكر ذلك من قِبَل هذا الرحَّالة لهو هراء وتخبُّط، لا يعترف به أحد من بني عطية في الحاضر أو الماضي على مدى القرون الماضية وإن هذا الرحَّالة مُخَرِّف!. وعن نسب الحويطات للعطاونة قالوا: هذا كلام عجيب وخطأ، والحويطي عنصر لا يمت لبني عطية في الأصل، سوي أنهم سمعوا روايات من كبار البادية أسلافهم أن حويطًا كان شابًا أو صبيًا تربي في وسط بني عطية، وصاهرهم في بداية نماء عشيرة الحويطات من عدة قرون، وبعضهم في مصر ذكر لي أن حويطًا من الأشراف وأخوال أبنائه من بني عطية، وفي المثل الدارج (أن العطوي خال الحويطي).
وذكر لي رجل عطوي بليغ عليه علامة الشهامة والجدية في الحديث قائلًا ومتسائلًا: "كيف الحويطات متجاورين مع بني عطية ولا نعرف أنهم من العطاونة؟ "
[ ١ / ٧٥ ]
ولو كانوا في بلاد بعيدة كان أعقل للمنطق، واستطرد مُتَهكِّمًا إن الغزو بين العطاونة والحويطات على مر القرون التي مضت لَمْ تتوقف، وآخرها حرب البرقاء الشهيرة بين الطرفين، ولم يتم السلام التام بين العنصرين إلَّا في عهد المغفور له جلالة الملك والإمام عبد العزيز بن عبد الرَّحمن الفيصل آل سعود، والذي بتوحيده الجزيرة العربية في بداية القرن العشرين الميلادي قد قضى على الغارات والغزوات طبع الجاهلية الأولي، في أنحاء الجزيرة بين جميع قبائل العرب، وأصبحت الآن جميع القبائل في المملكة العربية السعودية تحت راية ابن سعود الإسلامية، التي شعارها "لا إله إلَّا الله محمد رسول الله"، وقد توحدت كلمة العرب وانتشر العدل وعم الخير على هذه البلاد الكريمة الطاهرة، وانطلقت الرحمة على العباد ودام الأمن والأمان على هذا البلد العزيز على العرب وجل المسلمين، وتحققت دعوة سيدنا إبراهيم ﵇ على كامل التراب السعودي في هذا الزمان تحت حكم آل سعود، عندما قال مبتهلا ﵇ إلى مولاه ﷿:
"رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات" والحمد لله على نعمائه. قلت لهذا الرجل العطوي: صدقت ورب الكعبة، ولعمري ما قلته هو الحق فسلمك الله.
وعن زعم الجزيري لنسب المساعيد وغيرها من القبائل التي ذكرها بأنها تنتمي إلى بني عطية في مخطوط درر الفرائد المنظمة، قال رواة بني عطية: إنهم لا يعلمون شيئًا عن هذا التخريف، والعطوي معروف في الأردن ومصر عشائرهم منذ قرون في تلك الديار تعرف نسبها لقبيلة بني عطية، وحتي عشائر بني عطية المنضمة للحويطات أو غيرهم يعرفون نسبهم ولا يجحدوه عن أحد إذا جد الجد في إطراء الحسب والنسب.
وسنوضح تفصيلًا عن بني عطية في السرد عنها في هذا المجلد من الموسوعة الكبرى إن شاء الله تعالى.
وأقول مؤكِّدًا كباحث متعمق في هذا الميدان، أن مبدأ النّاس مأمونون على أنسابهم قد صانه الحويطات، رغم ما نالهم من تجنٍ والتباس في أصولهم أكثر من غيرهم، وأن العرب الأصلاء لا ينكرون نسبهم الحقيقي لكل متقص متعمق،
[ ١ / ٧٦ ]
ولا يَدَّعي العربي الحر الأبي نسبًا لغير آبائه، ونراه يتعصب العنصره الصحيح الذي نبع منه، وأن الحويطات عنصر قَبَلي عربي كريم وعريق وشريف بلا ريب، يتميزون بخصال حميدة وعادات عربية رفيعة ونبيلة ونخوة واضحة المعالم في رجالاتهم، ويعتزون اعتزازًا كبيرًا بأنفسهم، وبذلك يستحقون مني كباحث عربي في أواخر القرن العشرين الميلادي كلّ إنصاف عن أصلهم وتاريخهم المُشَرِّف.
٨ - ذكر الجزيري ص ٤٠٧ أن قبيلة مُزينة التي تقطن بلاد الطور بسيناء هي أصلا من العليقات من العائد!، وهذا غير صحيح وخطأ فادح في النسب لهذه القبيلة المعروفة منذ الجاهلية، فقبيلة مُزينة هي امتداد المزينة في الحجاز ضمن حرب كما أكده رواة مُزينة سيناء والحجاز، وذكر البلادي العربي في معجمه لقبائل الحجاز أن مُزينة هم حلفاء بني حرب في المراوحة من بني سالم ص ٤٨٤، ومُزينة كما هو معروف بطن من طابخة العدنانية "من مُضَر".
٩ - ذكر الجزيري ص ٤٠٧ أيضًا أن بني واصل من العليقات من العائد! وهذا خطأ، لما أنه قد ذكر متناقضًا مع نفسه في ذات المخطوط أن واصل بن حميد من بني عُقبة! والصحيح لما هو ثابت في نهاية الأرب وبالأدق "قلائد الجمان" للقلقشندي أن بني واصل من بني عُقبة جُذام، وقد أيده نعوم شقير في تاريخ سيناء.
١٠ - ذكر الجزيري في عشائر جهينة المقابلة مع أن المقابلة من أعرق عشائر بلِّي، وهذا معروف حتى الآن للجميع ومن المقابلة قسم كبير في القليوبية والإسماعيلية وسيناء بمصر.
١١ - نقد بعض الأخطاء في مخطوط الجزيري "درر الفرائد المنظمة" الباحث السعودي الأستاذ عاتق بن غيث البلادي العربي في كتابه عن قبائل شمال الحجاز، وقال: إن الجزيري رحَّالة الحجِّ أخطأ في إلحاق فروع من القبائل بقبائل أخري، وأعطى أمثلة لذكر الجزيري أن الجعافرة من بلِّي رغم أنهم من عَنَزة، وأضاف قائلًا: إن علم النسب في القبائل المتخالطة في السكن والجوار أو المتحالفة لا يعرف حقيقة نسبها مضبوطًا سوى ابن البيئة المقيم، لا الرحَّالة المتنقل أو العابر مثل الجزيري وأقرانه.
[ ١ / ٧٧ ]
قلت: قال الإمام مالك - رحمة الله عليه:
كلٌّ يؤخذ من قوله ويرد إليه إلَّا صاحب هذا القبر. وأشار إلى قبر رسول الله - ﷺ -، وصدق الإمام مالك فإن نبينا علم الهدى لا ينطق عن الهوى وإنما هو وحي يوحي علمه شديد القوي.
كما أوجه الشكر لأخي الباحث السعودي الكريم الأستاذ حمد الحقيل الوائلي في سرده عن قبيلة الحويطات، وقد أنصفها في مصنفه الشهير "كنز الأنساب ومجمع الآداب، وذكر نسبها الصحيح للأشراف، ورغم أن الأستاذ الحقيل لَمْ يُفصِّل وكان مقتضبًا نظرًا لشمول بحثه في قبائل كثيرة، ولكنه مشكورًا لَمْ يَسْر أو ينقاد وراء هؤلاء من ذوي المصنفات الأخرى الشهيرة قبله، ولم ينقل عنهم بجهل أو خطأ مكررًا الالتباس والتخبط عن الغير، وهذه براعة منه لما أنه كان يتابع بحوثًا ميدانية من الرواة مع بحوثه التاريخية، وقد برز من كبار الباحثين في الجزيرة العربية، والباحث إذا ما تبع الإسناد دون التمحيص فيه فإنه يكون خاطئا دائمًا أن ما بني على باطل فهو باطل، وقد ظهر للعديد من الباحثين في هذا القرن نقلهم عن الغير فكان سردهم ركيكًا ومصنفاتهم لا تقنع النّاس بما حوته، وإدبار النّاس عنها أكثر من إقبالهم عليها.
ونسب الحويطات للأشراف لَمْ أجده عند غالب الرواة من الثقات فحسب، ولكن وجدت ذلك عند الكثير من العامة في مصر والسعودية والأردن، ويتناقلون ذلك عبر أجيال طويلة قد مضت. ولقد أنكر الأستاذ فؤاد حمزة وذلك في مصنفه "قلب جزيرة العرب" الذي طبع لأول مرّة في القاهرة عام ١٩٣٣ م، وتمادي في التجئي والظلم على هذه القبيلة العربية الأصيلة وذكر في هامش كتابه قائلًا: "إن الحويطات يدعون النسب للأشراف من نسل الحسن أو الحسين، ولكن هذا غير ثابت أو مؤكد وإنما هم من بقايا الأنباط والأقوام القديمة"!!، وإني واثق أن فؤاد حمزة لَمْ يذهب إلى رواة الحويطات، ولم يمحص بعمق عن أصولهم، ولم يبحث تاريخيًا عن جذورهم، وقوله مبني على اطلاع الرأي بعض المستشرقين بالظن والاستنتاج الخاطيّ، وإن مؤرخًا عربيًا يستند إلى ظن من مستشرقين فإنها حقًّا تكون مأساة علمية في التاريخ العربي، وخاصة عندما يكون هذا الإسناد ظلمًا وغبنًا في نسب وحسب قبيلة عربية من العرب الأقحاح ومن أشراف العرب.
[ ١ / ٧٨ ]
وخطورة فؤاد حمزة تمثلت في سير بعض الباحثين في هذا القرن وراءه، لما نال من شهرة كمؤرخ في القرن العشرين من سبقه في الكتابة عن قبائل المملكة العربية السعودية القديمة والحديثة، وإن الحق يقال أن هذه الشهرة التي نالها ليست وليدة من تمحيصه ودقته في علم الأنساب، وإنما هي وليدة فقط من سبقه لغيره في هذا القرن في إصدار مصنف مختصر عن قبائل المملكة العربية السعودية، والتدليل على ذلك في نسيانه للعديد من القبائل الشهيرة في المملكة ولم يتطرق إليها نهائيًا، وكذلك لذكره السرد عن بعض القبائل وديارها وفروعها ولم يتطرق لنسبها، فكيف إذن يكون الباحث نسَّابة وهو يتجاهل ذلك عن الكيان القبلي وهو أهم شيء عنه!؟، كما أن فؤاد حمزة أخطأ في بعض القبائل ورد أصولها إلى منبع ليس صحيحا وهذا رغم شهرة هذه الكيانات!، وسوف نوضح تلميحات عن تلك الأخطاء في الهوامش ونصححها عبر مجلدات الموسوعة - إن شاء الله تعالى.
وأما ما حزَّ في نفسي فهو أن الدكتور جواد علي مؤلف كتاب "تاريخ العرب قبل الإسلام" قد حذا حذو فؤاد حمزة وذكر في عدة سطور عن الحويطات، ونقل طبعًا عن المستشرقين الأجانب زعما أن عرب الحويطات من بقايا النبط، وهذا الزعم الباطل لا أساس له من الصحة، وأنه مجرد هراء ولا يمت للحقيقة أو الحق في شيء، وأنه بدون سند تاريخي أو قياس زمني مقنع أو حجة ثابتة، وليت الدكتور جواد استند على استنتاج علمي أو إسناد منقول عن مؤرخين عرب لكان أهون، وأتعجب منطقيًّا أو زمنًّا كيف تكون قبيلة الحويطات من بقايا الأنباط؟ وهل كان الحويطات هؤلاء تحت الأرض في خفاء عن العالم وعن النّاس وعن المؤرخين العرب في القرون الماضية، حتى يقوم هؤلاء المستشرقون باكتشاف جذورهم في القرن الأخير؟!
إن الحويطات ككيان عشائري لَمْ يظهر في دنيا العشائر إلَّا قُبيل منتصف القرن العاشر الهجري، وهذا بشهادة النسَّابة والرحَّالة واتفاق الرواة، إذن المنطق يرفض والزمن ينفي والتاريخ ينكر دعوى وأباطيل هؤلاء المستشرقين وما قد استنتجوه من وحي عقولهم، ونحن العرب لا نحتاج إلى مثل هؤلاء الغرباء كي يخوضوا في جذورنا ليُعرِّفونا إياها؛ لأنَّ أنساب العرب معروفة ومثبوت أغلبها، والذي لَمْ يثبت معروف للجميع لا يخفى على أحد منا، وإني كباحث ليس معني
[ ١ / ٧٩ ]
قولي هذا أنني منغلق على المؤرخين العرب متعصب لهم، ولكن فقط أرفض أخذ رأي غير قاطع لمجرد الظن، بدون دليل حاسم أو تعليل مُقنع أو حجة تاريخية ثابتة من هؤلاء الباحثين الأجانب، علم النسب ليس حفريات تُكتشف أو آثار تظهر، وإنما هو علم مبني على روايات في المجتمع العربي بعضها دُوِّن من قبل النسَّابين القدامي، والبعض الآخر تُرك لظرف معين أو لآخَرَ، يحتاج لتمحيص طبعًا قبل أن يُدوَّن من الباحثين في مصنفات تصدر خلال هذا العصر أو في العصور القادمة.
ونحن الباحثون العرب وكما قلت في مقدمة الكتاب كالبنيان المرصوص يشد بعضنا بعضًا ويكمل أحدنا الآخر، ولا حرج أن يُصحح زميل لزميله وله الثواب، فعلم النسب والتاريخ كالبحر الواسع ليس فيه كبير على أمواجه وأسراره، إذن كيف نحن العرب نُصحح لبعضنا البعض سواء الحديث للحديث أو الحديث للقديم، ثم نسير وراء هؤلاء المستشرقين الأجانب ونحن معصوبي المعينين، وكأن هذا الأجنبي هو الفطن الذكي المتعمق، إذا قال صُدِّق وإذا استنتج أصاب وإذا حلل لَمْ يعتره خطأ!؟.
كلَّا وألف كلَّا … فالفطنة والذكاء والمعرفة عندنا نحن العرب إذا اتبعنا الحق واستعنا بهداية الله، ويكفي أن الله أعطانا القرآن العظيم يتعلم منا جميع البشر بلغتنا نحن، لغة القرآن الكريم لغة الضاد .. لغة الفصاحة، ولو أن العرب تنقصهم الفراسة والفطنة والذكاء ما كرَّمهم الخالق عن جميع الخلق، فالتقدير الإلهي هو شهادة ووسام نتحلى به، وكي يكون عند أي باحث أو عالم عربي الثقة أن علمه الذي وهبه الله له في أي مجال سيكون هو الأصح إن شاء الله، بشرط الإخلاص والاستعانة بملك الملوك الذي يفيض بكل خير وكل علمً مفيد للإنسانية، ومازال هؤلاء الأجانب يتلهفون وراء القرآن ليكتشفوا أسرارًا تلو أسرار تخص الحياة والكون في مختلف العلوم، فالنعمة في حوزتنا والخبرات بين أيدينا، فهيا ننهل منها وهيا لكلام الله وهيا للسير على منهاجه، سنجد النور يتلألأ في أي علم نخوض فيه فلا نشقى ولا نتعب ولا تحتار.
وأعود إلى هؤلاء المستشرقين وأرد ببساطة وأوضح أن (الأنباط) قوم من الأقوام السامية في المنطقة العربية بالشرق الأوسط، وقد دثروا وتلاشوا شأنهم شأن
[ ١ / ٨٠ ]
جميع الأقوام القديمة، مثل الكنعانيين والسريان والآشوريين والفينيقيين والأدوميين والمؤابيين والعمونيين والحشبسويين والبيسانيين والسومريين والكلدانيين والبابليين، وغيرهم الكثير من تلك الشعوب المنقرضة في البقعة العربية، وقد انقرض الأنباط وبادت دولتهم قبل الإسلام، وبقايا النبط هؤلاء في صدر الإسلام ذابوا وانصهروا في أهل الحضر من سكان الأمصار والمدن أو القرى العربية في الشام والعراق ومصر، وهذا لأنَّ أهل الحضر مثل الأنباط مائلين إلى الشعوبية، إذن فمن المستحيل أن يوجد كيان للأنباط في شكل قَبَلي متعصب متماسك كالحويطات أو غيرهم من الكيانات القَبَلية العربية؛ ولأن العرب قوم قَبَليون لا شعوبيون هي صفة مميزة لهم منذ فجر التاريخ، لا تذوب فيهم الأرومات والأنساب مثلما في الأنباط أو هؤلاء البشر من سكان البلاد العربية في المدن، أو غيرها من الشعوب والأمم من حولنا في كوكب الأرض.
ثم نتساءل لو وُجِدَ كيان قَبَلي مميز ومعروف من بقايا الأنباط هؤلاء، لماذا لَمْ يُكْتَشَف من قِبَل علماء ومؤرخي العرب في القرون التي مضت؟ وإن الشيء الذي لا يخفى على أحد أن العرب بالذات نبغوا في علم الاجتماع والأنساب والتاريخ والأدب والشعر أكثر من غيرهم، وكما لا يُذكر لا في عهد الدولة الأموية ولا العباسية ولا الفاطمية ولا الأيوبية وحتى العهد العثماني لَمْ يتطرق أي مؤرخ أو نسابة عربي لما يزعم به هؤلاء المستشرقون، بل حتى هؤلاء الرحَّالة في الحجِّ عبر القرون التي مضت لَمْ يذكر أحد منهم هذه الفرية (^١) أو هذا الهراء عن وجود بقايا للأنباط متمثلًا في أي كيانات قبلية، بل إن هذه الدعوى لَمْ تظهر إلَّا من بعض المستشرقين وبالظن منهم في القرن الأخير، وللأسف تولى نقله وترويجه الأستاذ فؤاد حمزة، والدكتور جواد علي في هذا القرن، وقد نقل عن كليهما بعض المحققين الحديثين بضيق أفق وكأن المذكورين معصومان من الخطأ أو الزلل، وحاشا لله فلا معصوم إلَّا النَّبِيّ المختار - ﷺ -.
وكما بتحليل ما ذكره الدكتور جواد علي في تنقيحه لتاريخ العرب قبل الإسلام نقلًا عن بعض المستشرقين، فنجد أنه قد قَرَن ذلك بكلمة يظن قائلًا ما هو نصه: (يظن جماعة من المستشرقين أن الحويطات الساكنين في منطقة حِسْمى في
_________________
(١) الفرية: الاختلاق للشيء.
[ ١ / ٨١ ]
المناطق الشمالية من الحجاز التي كانت تسكنها جُذام هم من بقايا النبط). فلو نظرنا في بداية العبارة لوجدناها تبدأ بكلمة (يظن)، وهذه الكلمة تبعد اليقين عن هذا الادعاء، كما أن العبارة مقتضبة لَمْ يوضح فيها سند تاريخي، ولم يشر إلى أي تعليل أو تفسير يؤكد صحة ما ورد في هذه العبارة، التي هي نقل عن الغير بطريقة سلبية، وإن الظن عيب كبير عندنا نحن العرب أو بمعنى أصح القَبَليون منا، فالبينة على من ادعي، وادعاء بدون بينة فهو باطل يشوبه النقص العلمي والتاريخي يعتريه الخطأ، وكان على الدكتور جواد علي كباحث تاريخي كبير أن يتحقق بدراسة دقيقة وفحص شامل عن نسب وحقيقة عنصر هذه القبيلة العربية الحديثة التكوين، ولا يتهاون لحظة واحدة في الحصول على الدليل الحاسم والتاريخي لما نقله من رأي لبعض هؤلاء المستشرقين الأجانب، وكان أولى به أن يمتنع عن تدوين ذلك في مصنفه (تاريخ العرب) الشهير؛ لأنَّ ذكر عبارة مثل تلك تعتبر تشكيكًا في نسب عنصر قبلي عربي له كلّ إعزاز وتقدير في المجتمع العربي القَبَلي وله شيمته العربية الكريمة، ولربما تنقيح هذه الكلمات في مجلد كبير ضخم كان هيِّنًا على الدكتور جواد علي، ولكنه ليس بالهين على الحويطات المطلعين والمثقفين، وقد حزَّ في نفوسهم الخوض ظلمًا في جذورهم العربية الأصيلة ومعدنهم الكريم، وتسبب ذلك طبعًا في الألم والمرارة التي اعتصرت قلوب البعض منهم، بل وقد ضايق هذا الكثير من عشائر وقبائل العرب الأخرى الذين تصاهروا مع عنصر الحويطات متكافئين معهم في الحسب والنسب، أو الذين ارتبطوا مع الحويطات بأواصر الحلف أو الجوار أو الصداقة … إنها مسئولية خطيرة في أعناق جميع الباحثين والمحققين، فالحذر كلّ الحذر من مساس أنساب القبائل بالباطل أو التخبط في أحسابها وشرف عنصرها؛ لأنَّ ذلك لربما هو هيِّن في نظر رجل حضري كالدكتور جواد على أو الأستاذ فؤاد حمزة - رحمهما الله، ولكنه عظيم يهز مشاعر ووجدان القبائل العربية ومَنْ منها في البادية على الأخص بكل قوة وعنف.
وفي شرح تواريخ الأنباط تبين أن لسانهم أقرب إلى اللهجة الأعجمية ويختلف عن لسان قبائل العرب، وطباعهم مختلفة في شتى النواحي، وكانوا يسكنون قصورا مشيدة بقيت آثارها حتى الآن في شرق الأردن وشمال الحجاز بالمملكة العربية السعودية، وكان للأنباط دولة تتابع عليها عدة ملوك، وكان لهم
[ ١ / ٨٢ ]
كيان منظَّم وجيش، وبالإضافة إلى ذلك أنهم كانوا يجيدون بعض الصناعات ويصدرونها إلى الأمصار القريبة من مساكنهم في نواحي الجزيرة العربية، وكانوا يعرفون القراءة والكتابة وتُعرف بالنبطية، وكل هذه الأمور لا تنطبق على الحويطات ولا على أي قبيلة عربية غيرهم، والحويطات كعنصر قَبَلي لا يختلفون قيد أُنملة عن جميع العناصر القَبَلية العربية الأخرى في المجتمع العربي، ولو كان يشوب أصل الحويطات شيئًا لنفر منهم العرب منذ بداية تكوينهم أو ظهورهم في المجتمع كعشيرة في منتصف القرن العاشر الهجري، ولما خالطتهم القبائل العربية الأقدم مثل بني عطية وبني عُقبة وبلِّي وجُهينة وغيرهم، وقد تزاوج أو صاهر الحويطات تلك القبائل العريقة أي أخذوا وأعطوا مما يؤكد تكافؤ النسب، والعرب في القرون الماضية هم أحرص من عرب اليوم، وكان أبناء القبائل يتمسكون بالأحساب ويتعصبون للأنساب في مخالطة البشر غيرهم، وهذا خير دليل على نقاء وسمو وعروبة قبيلة الحويطات. وكم من الصبر والحلم الذي يتحلى به الحويطات لِمَا دُوِّنَ عنهم من تجن وتشكيك في عروبتهم وفي شرف عنصرهم من قِبَل هؤلاء المحققين في القرن العشرين الميلادي.
وذكر لي أحد الحويطات المثقفين الأذكياء عندما ناقشته في دعوى أصل الحويطات للأنباط قائلًا: نحن واثقون من أنفسنا يا أخي في وسط جميع القبائل العربية، ومعروف معدننا وشيمتنا العربية ونقاء عنصرنا وشرف نسبنا، وقد قيل عن غيرنا من القبائل قديمًا وحديثًا الكثير من التجنِّي والظلم، وأدلل على مَثَل وهو قبيلة ثقيف، فقد كان البعض ينسبهم إلى (ثمود) الذين كفروا ولعنهم الله، وهنا الظلم على ثقيف أشد وأقوي، تلك القبيلة العربية العريقة النسب منذ الجاهلية والتي صاهرت رهط النَّبِيّ - ﷺ - من قريش وغيرها من القبائل العربية الشهيرة، ورغم أن الله أنصف ثقيف في قرآنه الكريم ونفى عنهم هذه الدعوة وتلك الفرية في قوله: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ إلَّا أن الجهلاء والدهماء (^١) تمسكوا بدعواهم الباطلة، وزعم بعض النسَّابين هذا النسب الظالم لتلك القبيلة العربية الكريمة، واستطرد قائلًا: نحن معشر الحويطات في حاجة ماسة من قبل باحث ينهج نهج الحق
_________________
(١) ترمز كلمة الدهماء: للحمقى - وقال المثل العربي: الحُمق داء ماله دواء!.
[ ١ / ٨٣ ]
ويحسم هذا الهراء وذلك الالتباس والظلم الذي قيل عنَّا، وإن ما نُجِ بالباطل لابد من محوه في أواخر هذا القرن الميلادي، الذي ظهر فيه الهَرج والمَرج والغلط والخلط عن نسبنا الذي كان محققًا بدون تمحيص يصدر رأيا من عنده خطأ، وإن هذا الموضوع بات حساسًا ومصيريًا لتقارب المسافات وتزايد المعارف ووسائل الاتصال والاحتكاك بين القبائل في أرجاء البلاد العربية، وهذه رغبة مشروعة لنا لتثبيت عنصرنا العربي الكريم.
وإن إيماني راسخ بما حققته ميدانيا وتاريخيا عن قبيلة الحويطات، وإنني بإعلاني هذا التحقيق في بداية الموسوعة أنفذ قول النَّبِيّ - ﷺ - في حديثه لمن يعرف الحق ولا يعلنه للناس قال: "الساكت عن الحق شيطان أخرس". صدق رسول الله - ﷺ -.
وقال تعالى في كتابه العزيز: ﴿… وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].