ذكر رواة المساعيد لما تواتر عن أجدادهم وأيده مخطوط جفر الذهب (^١) ومفاده أن المساعيد بعد أن نشرهم الله في بلاد فلسطين أيام الأمير سليمان بن عمرو المسعودي ونسله ما يعرف بالأمراء حتى الوقت الحاضر، وكانت حينئذ قبيلة بني جَرْم (^٢) (وهم بنو جَرْم بن رَبَّان بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قُضَاعة) كانت هذه القبيلة قبل القرن السابع الهجري عزيزة الجانب ومساكنها في جبال الشراة من شرق الأردن ثم هاجرت إلى فلسطين، وقد بأن عليها الانقراض وبدأ عليها الضعف في تلك الحقبة الزمنية، فنزل شيخ بني جَرم واسمه عَقِيل الجَرمي يرافقه ظعن من البدو من قومه على قبيلة المساعيد القوية التي امتد نفوذها من شرق غزة حتى مشارف نابلس، وبعد تسعين يومًا من الضيافة والكرم من عشائر البادية المساعيد لهؤلاء القوم من جَرْم الذين طنبوا عليهم، وذات صباح جاء الشيخ عقيل الجَرْمي ضيفًا على الأمير سليمان بن عمرو المسعودي، وبعد تناوله القهوة العربية أراد الأمير سليمان أن يتأكد من حسبه ونسبه ويعرف فطنته ومدى علمه ومعرفته، فقال للشيخ عَقِيل متسائلًا عن أصله ونسبه: هل أنت من كبار الجهود صغار الوهود قَتَّالة الفُرس واليهود؟ ويقصد هنا الأمير المسعودي قبيلة المساعيد لما
_________________
(١) هذا المخطوط يسمى جفر الذهب في أنساب العرب في الجاهلية والإسلام وقيل أنه كان في مكتبة ابن سيناء وقد وجد منه بقية بعد إحراقها في نواحي غزة، وقد عثر عليه حسين بن مسلم المسعودي كما روى لي أحد المساعيد في الديار المصرية، وكان هذا المخطوط محفوظًا في حجر مجوَّف ملحوم عليه يشبه الطين الطفلي في مكان غرب مدينة العريش وكانت هذه المنطقة أو ما زال فيها جماعة من المساعيد، ثم أهداه إلى عائلة من الأمراء في فلسطين وظل عندهم فترة من الزمن ثم أهداه أحد عائلة الهايل سرور إلى أحد المساعيد في مصر، وقيل أنه أهدى صورًا منه وقد كان الأصل مكتوبًا على ورق بردي وجلد غزال بماء مذهب ورسم على مقدمته دلة أو بكرج قهوة ومكتوب على مقدمته لعن الله من يقرأ المخطوط وهو جالس!! واطلعت على بعض صور منه تؤكد نسب المساعيد لشيبان وتاريخ كتابة هذا المخطوط تعود إلى ٤٥٠ عاما ولربما بعضها فقط والآخر كتب قبل ذلك، وقد سرد عن قصة المساعيد من تاريخهم في شمال الحجار حتى قتل سليمان المنطار المسعودي في غزة في أوائل القرن الثامن الهجري ثم تفرق المساعيد في البلاد عقب هذه الوقعة بعد مقتل أميرهم الشهير.
(٢) بني جَرْم هنا قُضَاعة، أما جرم طيئ القحطانيون فكانوا أقوياء في هذه الفترة وهم في ساحل فلسطين شمال غزة، وقد تحاربوا أيضًا مع المساعيد في مرحلة زمنية لاحقة بعد مقتل المنطار بفترة زمنية، وسنبين ذلك في موضعه أثناء السرد عن تاريخ المساعيد.
[ ١ / ١٥٣ ]
أنهم اشتهروا بقلة متاعهم وفي نفس الوقت بزيادة جودهم وكرمهم وسخائهم مع ضيفهم، ومعني قَتَّالة الفُرس يقصد شيبان الذين منهم المساعيد وقد انتصروا على الفُرس بقيادة جد المساعيد الأول هانئ بن مسعود في ذي قار آخر عهد الجاهلية، فأجاب الجَرْمي بفطنة وقال: مساعيد يا أمير ولا أنا منهم، فقال الأمير سليمان: هل أنت من مكَرْمين الضيوف شاهرين السيوف حافظين الجميل والمعروف؟ قال الجَرْمي: عَنَزة ربيعة ولا أنا منهم. قال: هل أنت من ساهرين المنام قليلين الكلام معروفين بالجرأة والإقدام؟ قال الجَرْمي: عُتَيبة هوازن يا أمير ولا أنا منهم. ثم قال له: هل أنت من مضمدين الجراح ضرَّابين الرماح؟ قال: هُذَيْل يا أمير ولا أنا منهم. قال: هل أنت من ساقيين الحليب مكَرْمين الطنيب؟ قال: شَمَّر طيئ يا أمير ولا أنا منهم. قال: هل أنت من لبَّاسين البشوت قليلين البخوت؟ قال: عُقْبَة جُذام يا أمير ولا أنا منهم. قال: هل أنت من خيل دز لباسين القز؟ قال: بقوم يا أمير ولا أنا منهم. قال: هل أنت من راكبين الدهايا (^١) آخذين الخطايا (^٢)؟ قال: تياها يا أمير ولا أنا منهم. قال: هل أنت من وجوه السماح ضرَّابين الرماح؟ قال: تَميم يا أمير ولا أنا منهم. قال: هل أنت من ساترين العريان شتاعين الجوعان؟ قالَ: شيبة قريش يا أمير ولا أنا منهم. قال: هل أنت من عيون ظر صنقور الشر؟ قال: ولا أنا منهم. قال: هل أنت من قطَّاعين الطريق خائنين الرفيق؟ قال: ولا أنا منهم. قال: هل أنت من كبار العمايم قليلين الذمايم؟ قال: ولا أنا منهم، ومضى الأمير المسعودي يسأل والشيخ عَقيل الجَرْمي القُضاعي يجيب بدهاء وفطنة وسعة معرفة حتى وصل إلى تسعة وتسعين سؤالًا
_________________
(١) الدهايا: الخيل.
(٢) الخطايا: الصغار. * وزادهم بعض الرواة أن الأمير المسعودي قال للجَرْمي متسائلًا: هل أنت من شدادين الحقب لاحقين الطلب؟، هل أنت من قصيرين الملبوس طويلين الدبوس؟، هل أنت من كبار الذقون قليلين الذهون؟، هل أنت من أهل العك اللي طلبتهم ما تنفك؟ وكانت الإجابة على ذلك من الجَرمي بالنفي، ولكن بعض الرواة لم يؤكدوا هذه الأسئلة لأنها تنطبق على قبائل جاءت للوجود بعد عهد الأمير سليمان المسعودي في أواخر القرن السابع الهجري. * * امتنعنا عن ذكر أسماء بعض القبائل في حوار الأمير المسعودي مع الشيخ الجَرْمي حرصًا على عدم المساس بسمعة أي قبيلة أو التشهير بها أو وصفها لصفات قد لا تكون فيها.
[ ١ / ١٥٤ ]
وأخيرًا رد وقال: جَرْمي أنا جَرْمي يا أمير سليمان، وأسألك بحق رب الأنام وبحق النبي العدنان، وبحق جدك هانئ بن مسعود ومعه همَّام فرسان شيبان، وبحق المُسنَّا والمُعنَّا وهانئ بن قبيصة الشغموم وعمرو بن كلثوم (^١) وبسطام الضرغام (^٢)، وبحق رب الوجود والنبي صادق الوعد والعهود، وبحق بني مسعود وشيبان الأحرار محاربين عَبَدة النار في ذي قار ومعهم ربيعة الجمار اللِّي ضربوا رءوس الفُرس بالسيف البتَّار، أريد أن أطانبك يا مسعود يا نسل أهل الجود قصدي أقيم معك العهد والعهود. وبعد هذا الكلام المنظوم من الشيخ عَقِيل الجَرْمي قال الأمير سليمان بن عمرو المسعودي مجيبًا إياه: قبلت طنبك يا ابن جَرْم بشرط أن لا تُطنِّب عليك ولا تجير معك أحدًا من غير علمي، قال الجَرْمي: قبلت الشرط يا أمير المساعيد. وعقد المساعيد وجَرْم حلفًا قويا وعهدًا وميثاقا، وصاروا يغزون القبائل الأخرى ويأخذون عُشر المال وشاة المرعى وهي حق الرتاعة على كثير من القبائل الأخرى في فلسطين، وهذا الشيء أثار عليهم القبائل العربية من غيرهم في تلك النواحي، وقد دعا القبائل إلى التآمر لضرب التحالف ما بين المساعيد وجَرْم بأي ثمن، فقام بعض شياطين هؤلاء القوم بتدبير حيلة لبث الفتنة بين المساعيد وبني جَرْم، فأرسل هؤلاء المتآمرون المعادون أو الكارهون لوحدة القبيلتين عجوزًا وكانت داهية من دواهي نساء العرب، فصحبت ابنتها الشابة وكانت على قدر كبير من الجمال وفي نيتها تنفيذ الضغينة وإشعال نار الفتنة حسبما توجهت بالمال من شيوخ العشائر المعادية، فنزلت بعد الغروب على عَقِيل الجَرْمي وأطنبت عليه فقبل طنبها وكسر الشرط المعقود بينه وبين الأمير المسعودي وأخذه الغرور ووقع في المحظور، وكما هو العرف السائد بين قبائل العرب أن الطنيب لا يُطنِّب غيره ولذلك كتم
_________________
(١) عمرو بن كلثوم أشجع فرسان زمانه وهو وائلي من تَغْلِب من أبناء عمومة شيبان من بكر بن وائل، وهو قاتل عمرو بن هند في دار ملكه لما أهينت أمه في بيته وهو القائل في بني وائل من ربيعة عدنان: إذا بلغ الفِطام لنا وليدًا … تَخِرُّ له الجبابر ساجدينا لنا الدنيا ومن أضحى عليها … ونبطش حين نبطش قادرينا إذا ما المُلك سام الناس خسفًا … أبَينا أن نقر الذل فينا ونشرب إن وردنا الماء صفوا … ويشرب غيرنا كدرًا وطينا
(٢) بسطام بن قيس هو فارس شهر من فرسان شيبان من بكر بن وائل، ومعنى ضرغام، أي الأسد القوي الجسور.
[ ١ / ١٥٥ ]
عَقِيل الجَرْمي طنب المرأة العجوز وابنتها، ولِما أنهن من النساء فقد خجل رد طنبهن عليه وأخذته العزة ولم يحب أن يظهر بمظهر الضعف أمامهن ويطلب الإذن من أمير المساعيد، ومرت الشهور وأجدبت البلاد في فلسطين وقلَّت المراعي وانتقل عرب المساعيد ومعهم بني جَرْم إلى مناطق جديدة بحثًا عن الكلأ والمراعي في مناطق الرابية وغيرها حول نابلس، فسبقت العجور هي وابنتها الظعن وأرادت أن تظهر نفسها لأمير المساعيد كي تُعرِّفه أنها طنيبة شيخ جَرْم بدون علمه، ولحقت بالأمير سليمان والشيخ عَقِيل اللذَيْن سبقا ظعن العرب على عادة الرؤساء أن يتبع الظعن آثارهم، فهم أدرى بمكان الرعي والإقامة، وقد جلس كلاهما تحت ظل بعض الأشجار في الخلاء، ولما قدمت المرأة وابنتها على هيئة غير هيئة نساء المساعيد أو بني جَرْم عرف الأمير المسعودي - وكان رجلًا بالغ الذكاء - أن هذه المرأة غريبة، فسأل صاحبه الجَرْمي عنهن فكان في غاية الحرج والضيق، وقبل أن يجيب أو يكذب بادرت العجوز بالجواب كي تثير الفتنة وقالت: أنا يا أمير المساعيد طنيبة على أمير جَرْم ولم أجد غيره في هذه البلاد ورحب بي ولم يردني أنا وابنتي اليتيمة، فقال الأمير سليمان بحدة: أيتها المرأة ألا تعلمي أن أمير جَرْم هذا بنفسه هو وقومه طُنباء عليَّ وعلى قومي المساعيد والطنيب لا يُطنِّب غيره؟ قالت: العفو والسماح يا أمير أنا وابنتي غرباء عن الديار ولا نعلم شيئًا عن العربان وحسبنا أن بني جَرْم هم أسياد البلاد والبوادي، قال لها الأمير المسعودي: كذب والله من أخبرك بهذا الهُراء. وحتى تزيد الفتنة قالت: أنا من ذا الحين طنيبة في وجهك يا أمير المساعيد وطَنَبي على الجَرْمي مردود عليَّ، فلما سمع شيخ بني جَرْم هذا القول من المرأة شعر بالهوان والمذلة أمام المرأتين، وانسحب من أمام أمير المساعيد يملؤه الخزي والعار لما أنه كسر الشرط والعهد معه أن لا يجير أحدا من البشر إلا بعلم سابق منه، وثانيًا أنه كشف عن فعلته القناع بطريقة لا يتوقعها ولا يدري عنها ولا يحسب أنها مقصودة ومُخطط لها من القبائل المعادية، وهكذا نجحت المؤامرة المدبَّرة وقامت الفتنة بين المساعيد وبني جَرم بعد أن تخاصم الأمير سليمان والشيخ عَقِيل، واندلع القتال بين فرسان المساعيد وفرسان بني جَرمِ، ولم يطل ذلك أكثر من ساعات فقد انتصر المساعيد نصرًا حاسمًا وشتتوا شمل جَرْم ومزقوهم شر ممزق
[ ١ / ١٥٦ ]
ونقضوا الحلف معهم، بعد ذلك استجار الشيخ عَقِيل بحاكم غزة أو ما كان يُسمَّى الأغا سنجق ويقال أن اسمه وقتئذ كان (أمين جور) تابع لدولة المماليك (^١) في مصر، وكان هذا الحاكم يكره المساعيد وأميرهم كما أسلفنا لامتناعهم عن دفع ضريبة الدولة، فأراد أن يجمع القبائل المعادية للمساعيد مع بني جَرْم ليفرض عليهم الصلح كما يزعم أمام المساعيد وهو يكن شيئًا آخر ويضمر حقدًا ويتأهب للغدر بهم، فأرسل الحاكم إلى الأمير سليمان بن عمرو المسعودى يطلب منه الحضور للصلح بمعرفة الدولة الممثلة فيه، ولما توجه الأمير سليمان إلى قصر الحاكم ومقر الحكم في ديوان السلطة للبت في أمر التصالح وجد خيولًا عربية وليست مملوكة للحكومة، فعرف أنها لشيوخ قبائل من فلسطين تجمعوا على يد الحاكم، وأيقن أن هؤلاء هم المدبرون للفتنة من البداية، وهم الآن يدُسُّون للحاكم الضغط على المساعيد، مستغلين بغضه له ولقومه المساعيد، فكره الصلح والجلوس في حضرة الوالي ما دام هؤلاء الأعداء يُدبرون له ولقومه الدسائس، وأن الصلح لن ينفع وسيصبح امتهانًا له أمام الحاكم الذي أفسد رأيه هؤلاء، فقرر أن يقهر هؤلاء الرجال ويظهر بمظهر القوة وأنه لا يخشى الحاكم ولا يعمل لهم أي ورن أو مقدار، فأمر رفاقه بالانتظار خارج القصر ودخل ممتطيا جواده بعد أن أخرج الشلفا (حربة) ووضع سنها في بول فرسة أنثى كان يركبها أحد رفاقه بالخارج، ثم أطلق العنان لجواده ولكزه واقتحم على الحاكم ديوانه، فقال له الحاكم لما رآه ممتطيا جواده ولم يُوَقِّر أحدا: انزل يا أمير سليمان كي أصلحك مع بني جَرْم فقال له: يا سلطان لو كان بنو جَرْم هؤلاء وحدهم عندك لجلست للصلح والصفا بيننا، ولكن رجال القبائل الأخرى المعادين والحاقدين علينا وهم الذين دبروا الفتنة موجودون فلن أجلس إلا بعد مشورة جوادي. فقال الحاكم: شاور جوادك بما تريد يا أمير سليمان، فسحب الشلفا (الحربة) ووضعها عند أنف الجواد، فلما أروَّح أو اشتم رائحة البول للفرسة الأنثى بخارج القصر وبعادته الغريزية بدأ يصهل. ويقف على أرجله الخلفية، فقال الحاكم: ماذا جواب حصانك؟ فقال الأمير سليمان المسعودي أن جواده أخبره وقال له: مَسْكني روس الروابي وأداوي عِلَّتي بيدي تبرأ .. ولا
_________________
(١) المماليك هم أجناس تركية وجركسية وأرمينية في الأناضول وبلاد التركمان جنوب غرب روسيا وحكموا مصر والشام بعد نهاية الدولة الأيوبية.
[ ١ / ١٥٧ ]
أطيع ولا أشاور ولا أنا تحت حكم كل ابن امرأة كانت عذرا .. واللِّي يريد الحرب يلحق بي!!، ففهم الحاكم فحوى ما يقصد الأمير المسعودي ورفضه التفاهم فقال له: إنك لا تريد السلام يا شيخ الساعيد - ولم يقل له يا أمير المساعيد - وأراك لا تُوَقِّر أحدا، وزاد غبنه وغله أن يجد العنجهية من رجل من البادية لا يحكم سوى قبيلة واحدة فكيف به وهو حاكم وسيد البلاد كلها، فدبر في نفسه شيئًا لكي يقضي على هذا الرجل المعارض له، وأما الشيخ سليمان أمير المساعيد فقد عاد إلى مضارب قومه وقد أمر الفرسان بحمل السلاح ليل نهار والتزام الحذر، وبعد ستين يومًا أرسل الحاكم رسالة للأمير سليمان يسترضيه ويطيِّب خاطره ويهدئ من ثورته، وطلب إليه الحضور ليعقد صلحًا واتفاقًا جديدًا بين حاكم غزة والساعيد لتحديد العلاقة بينهما وفقًا للتطورات الأخيرة، وذلك في موضع خان الزيت وهو موضع بداخل غزة، فتم الصلح مؤقتًا وتم بموجبه إلغاء الضريبة المفروضة على المساعيد، فهدأت ثورة الأمير سليمان المسعودي فيما كان الحاكم وجنوده يبيتون أمرًا آخر يقوم على الفتك بالمساعيد والغدر بهم بعد اطمئنانهم، وذات يوم جرى احتفال كبير مدبَّر فوجه حاكم غزة الدعوة لشيوخ المساعيد وكبارهم لحضور الاحتفال والذي تم التخطيط له كما يلي:
(أ) أن تقام مأدبة غذاء كبيرة يحضرها وجهاء المساعيد وكبارهم في غزة داخل المدينة التي كانت مسوَّرة ولها أبواب، وقد أعدَّت الدولة صواوين لأجل المأدبة واستقبال المدعوين.
(ب) إجراء سباق للخيول قبل الغذاء يشترك فيه رؤساء المساعيد وفرسانهم في ظاهر المدينة من الجنوب الشرقي.
وقد لبى المساعيد الدعوة حيث ذهب الأمير سليمان على رأس مجموعة من شيوخ وكبار المساعيد إلى ظاهر مدينة غزة للمشاركة في سباق الخيول، بينما كان فريق آخر من المساعيد وكبارهم قد أخذوا يتقاطرون نحو المدينة زرافات ووحدانا ليدخلوها عبر بواباتها، ليحلُّوا ضيوفًا على الدولة ممثلة في حاكم غزة بانتظار ساعة الغداء ليجتمعوا جميعًا للغداء، فكانوا يدخلون غزة عبر بوابات سورها، في الوقت الذي كان الحاكم وجنده قد أعدوا العدة لذبح الداخلين واحدًا إثر آخر أو مجموعة تلو أخرى دون إحداث شيء يظهر ذلك لباقي المساعيد.
[ ١ / ١٥٨ ]
ولم يتسرَّب الخبر إلى باقي المساعيد ولم يأخذ أي أحد منهم حذره، وقد تم قتل أربعة وأربعين رجلًا من كبار وشيوخ المساعيد الذين دخلوا المدينة دون أن يشعر الأمير سليمان ومن معه بهذا الغدر المبيت وهذا ما حدث بالفعل، فرأى رجل غزِّي تلك المكيدة وذلك الغدر فهاله الأمر واستاء فقال: "يا حسرتاه عليكي عرب لكي خاش أي داخل ولا لكي طالع"، وهنا يتحسر ويتلهف هذا الرجل على المساعيد فمن يدخل منهم المدينة لا يخرج لأنه يُقتل من عسكر المماليك، ويقال أن هذا الرجل كان مؤذنا فصعد على مأذنة أحد المساجد بغزة وأنذر الناس بتلك المكيدة، فتنبه المساعيد الباقين خارج البوابات للمدينة بعد فوات الأوان، أما الذين كانوا في السباق للخيول وعلى رأسهم الأمير سليمان المسعودي فلما حان موعد الغذاء تركوا خيولهم في خارج القصر المُعَدُّ لهم فيه الموائد وأخذوا سيوفهم معهم، فقال لهم الحاكم: هيَّا إلى الطعام؛ لأن الطعام يسبق الكلام، ويقصد أمر الصلح مع بني جَرْم، فلما جلسوا لم يقربوا المائدة إلا بعد أن يمد أميرهم يده فيها، فلما مدَّ الأمير سليمان المسعودي يده وأخذ لقمة فذاقها فلم يجد فيها ملح فعرف أن هناك غدرًا سيقع بهم في حضرة الوالي أو حاكم غزة وأنه نوى الغدر، والغدر من شيمة المماليك وعموم الأتراك ولا خير فيهم، فقال الأمير المسعودي صارخًا في رجاله: هيا اخرجوا من القصر على عَجَل قبل أن يفتك بكم السنجق الغادر، فخرجوا مسرعين نحو باب القصر مندفعين شاهرين سيوفهم، فلما همُّوا بركوب صهوات خيولهم في الخارج وجدوها مقطَّعة السروج، وكان الرجل منهم يضع قدمه على صهوة جواده أو فرسه فيقع من فوره على الأرض، وحينئذ داهمهم جنود المماليك على حين غرة فقتلوا أغلبهم، واستطاع بعضهم أن يمتطوا خيولهم أعراء وقد شقوا بحرابهم صفوف الجند وقاتلوا قتالًا مريرًا، وقد امتد القتال والمطاردة لهؤلاء الرجال وعلى رأسهم أميرهم المسعودي الذي أصابته الجراحات حتى وادي البها على نحو ١٦ كيلو مترًا جنوب شرق غزة، وطبعًا انتهى القتال غير المتكافئ بانتصار جند الحاكم وأصيب المساعيد بهزيمة فادحة قضت على خيرة فرسانهم، وقُتل فيها الأمير سليمان بن عمرو المسعودي في هذه المذبحة البشعة التي سميت بمذبحة غزة، وقد سقط هذا الفارس عند - تل - شرقي مدينة غزة عرف فيما بعد بتل المنطار وهو من النقاط المشهورة بظاهر غزة حتى الآن، وبعد
[ ١ / ١٥٩ ]
مقتل الأمير المسعودي أخذ باقي من نجا من المساعيد يهرب في شتى الاتجاهات بلا وعي أو تخطيط وقد أصابهم الهلع واضطرب جمعهم، وهذا راجع إلى أن جميع الرؤساء والقادة قد قتلوا مع الأمير سليمان في المجزرة الأليمة (مذبحة غزة).
وقال نعوم بك شقير: فلما تمرَّد الأمير سليمان المسعودي واستثقل الضريبة وأبى دفعها وجاهر بالعداوة للدولة، فجردت عليه وقتلته في واقعة مشهورة قرب غزة. وقيلت رواية أخرى أن الأمير سليمان لم يُقتل في حينه، وإنما هرب إلى قومه في البادية ومعه بعض الرجال الذين نجوا من المذبحة في غزة، وجمع فرسان من بعض حلفاء له وظل صامدًا نحو ثلاثة وثلاثين يومًا، وقد قلَّد النبي - ﷺ - في فتح مكة المكرمة، فأمر كل فارس معه بإشعال ناره في الليل كي يوهم أعداءه بكثرة عددهم، فكان المماليك يتركون عددًا من قوتهم خوفًا من الكمائن من الخلف أثناء المعارك في النهار، وهكذا استطاع أن يمد النزال عدة أسابيع وقد أباد عددًا وفيرًا من عسكر المماليك الترك، ثم قُتل شرق غزة أخيرًا في أحد المعارك الضارية مع أعدائه وكان عند تل عال ودفنه ابنه عمرو (^١) هناك هو والباقي من أولاده.