ذكر لي كبار وشيوخ المساعيد في الديار المصرية وأيدهم كبار المساعيد في الديار السعودية، وعلى رأسهم الشيخ إبراهيم بن سِلْمي، والشيخ سليم بن حسن، والشيخ حسين بن عقيل وكلهم من الأمراء، والشيخ حمد بن سليمان من الدغيمات، والشيخ عيد بن غنَّام بن حمدي من الرواشدة، والشيخ أبو حجاج من النصيرات، والشيخ محمد البريدي، ذكروا جميعًا بالإجماع أن عراقة نسب
_________________
(١) لا يحتج بإغفال القلقشندي ومن بعده السويدي في أواخر القرن الثامن الهجري وأوائل القرن التاسع الهجري عن نسب المساعيد الصحيح لهانئ بن مسعود الشيباني، وهذا يرجع إلى اعتماد القلقشندي كليًا على دفتر تسجيلات الضيافة من القبائل إلى حكام مصر في القرن السابع الهجري والذي كان يتولى أمر كتابته وتدوينه مهمندار الديار المصرية المسمى بالحمداني، وقد اعتمد السويدي على القلقثشدي والمصدر الوحيد لكثير من الأنساب وقتئذ كان الحمداني، وقد أغفل الحمداني كما هو معروف نسب بطون كثيرة عريقة النسب مثل شمر والدواسر والنعام وغيرهم، وقد نقل تواتر نسب المساعيد إلى هانئ بن مسعود في بداية هذا القرن نعوم بك شقير في تاريخ سيناء وعارف العارف في قبائل بئر السبع، وقد أخطأ كلاهما في النقل عن البدو وذكروا أن المساعيد من مسعود بن هانئ، والصحيح هانئ بن مسعود الشيباني الذي حارب الفُرس في أواخر عصر الجاهية وهزمهم في موقعة ذي قار وهو أول يوم تنتصف فيه العرب من العجم. وقد ذكر الباحث راشد بن حمدان الأحيوي المسعودي من الأردن في مجلة الحرب السعودية أن أصل المساعيد في شمالي الحجاز والشام ومصر هم من بني مسعود من ذرية الصحابي عبد الله بن مسعود من هذيل العدنانية ولكني لم أجد أي نص قديم في أي مرجع يؤيد ما ذهب إليه الأحيوي وكذلك لم يقر بذلك الرأي شيوخ المساعيد في مصر والسعودية.
[ ١ / ١٤٠ ]
المساعيد لهانئ بن مسعود الشيباني لا جدال فيه؛ لأنه أمر قد عرفوه من آبائهم وأجدادهم وتناقلوه جيلًا وراء جيل، وذكروا أمورًا عن المساعيد ومناقب لهم بين قبائل العرب منها:
أ - أن القضاء كله في قبائل العرب في شمالي الحجاز والشام ومصر في قبيلة المساعيد وفيهم المنشد أو المنهى لجميع القضايا في عرف البوادي، وقد أعطى أجداد المساعيد بعض العلوم في القضاء وفرَّقوها على بعض العشائر التي قيل أن بعضهم فيهم خؤولة المساعيد مثل قطع أو قصاص الدم للسليلمي في عشيرة السلالمة من الحويطات، وحق الدلال للقهوة المُسمَّى الوجيكات عند عشيرة العمران من الحويطات، وحق الإبل وهو ما يُسقَى الضَريْبي عند السواركة أو الرميلات أو السلميين الحويطات، وحق البيت عند الأحمدي البلوي، وحق العُتبي وهو الحريم عند بني عُقبة، وحق الصوف عند الترابين، وحق الحطب عند بني عطية، وإن صار خلاف في قطع الحق أو حكم هؤلاء القضاة المذكورين كل فيما يخصه، يعود راعي الحق المتضرر إلى المنهى أو المنشد وهو المسعودي وهو بمثابة المحكمة العليا في قضاء البوادي أو في قبائل العرب، ولا قضاء أو لا حكم بعد القاضي المسعودي ولا يرفع قاضٍ مسعودي إلا لقاضٍ مسعودي مثله لأي ظرف حدث، وقد احتفظ المساعيد بحق الشرف أو العرض وحق الوجه وحق العطواء أو الجيرة وكافة قضايا المال، وكل هذا ليس من فراغ قد اكتسبه المساعيد ولكن يعود إلى شرف نسبهم ورفعتهم وسمو معدنهم وكرم خصالهم، ويعدُّ منقبة لهم ووسامًا يتحلَّون به بين القبائل العربية.
وكما يقول الرواة: أن رجلًا أراد أن يتعدى على المساعيد ويحكم في قضاء المنهى بفلسطين، فقال له آخر عندما وجده لا يحسن قطع الحقوق مثل المساعيد:
"دع الحكم لراعيه والقضاء لأهله فإن الحكومة من شيبان" أي كما قال الشاعر:
دع الحكومة لست من أهلها … إن الحكومة في بني شيبان
قتلوا كليبا (^١) برمْح جارهم … يا قوم كِسْرى لست بيهجان
_________________
(١) الأعشى الشاعر هنا لا يقصد كليب بن ربيعة بن مُرَّة أخي المُهْلهَل من تغلب بن وائل ولكنه كليب آخر كان قائدًا لقوات الفُرس حين قال القصيدة.
[ ١ / ١٤١ ]
وتعني هنا المساعيد من هانئ بن مسعود الشيباني فارس بني ربيعة وزعيم عدنان كلها هي شرق جزيرة العرب.
ب - أن الإبل تبصم للمسعودي وخاصة من هو رد في رد أي من أب مسعودي وأم مسعودية، وأكد لي بعضهم أن البصم في نسل أولاد سليمان أي الأمراء، ومعنى تبصم أي تتوقف عن المضغ والهدبلة في المساء، ويقول البدو عن ذلك (هدبل جِرَّة)، فعند الغروب تبدأ في رد ما في جوفها من الطعام وتعيد مضغه ثانية بين أسنانها طوال الليل، ويقول الرواة أن الإبل وخاصة الأصيلة، أي الصافية إذا اشتمت رائحة المسعودي تتوقف عن الهدبلة والمضغ وترفع رأسها على الفور!! وسألت في هذا الأمر فقال لي بعض العارفين من قبائل بلِّي والحويطات وبني عطية (المعازة) وغيرهم: أنهم سمعوا هذا وجربوه مع المساعيد وخاصة من هم في ربع أو في نسل الأمير سليمان وثبت صحته، وقال لي أحد الحويطات من البوادي أنه رأى ذلك كثيرًا وقال: المساعيد فيهم نسل طيب ومبروك أو جدهم كان وليًّا لله، يقصد الأمير سليمان المنطار، وحظهم عند الله جيد وهذا شيء من الله ﷾ كرامة لهم في الدنيا بين قبائل العرب.
جـ - أكد الرواة من المساعيد أن أحد أجدادهم ويسمي هانئ بن قبيصة حفيد هانئ بن مسعود قد علَّق حق القرايا والعنايا مع كل من هو من نسل هانئ بن مسعود الشيباني الوائلي، ومعنى حق القرايا أن القرى التي كانت تقع قديمًا قرب ديار المساعيد تصبح آمنة وعليهم حق حمايتها من كل أذى أمام الحكام والولاة في الأقطار العربية، أما العنايا فهم القبائل المستضعفة وهم يلجأون إلى المساعيد لأخذ حقوقهم من المعتدي عليهم.
د - ذكرت مقولة شهيرة عن المساعيد (^١) ويعرفها غيرهم من القبائل وتؤكد نسب المساعيد لشيبان من بكر بن وائل، والمقولة هي: مساعيد من طرفة ومساعيد
_________________
(١) ذكر الرواة أن المساعيد ما زال لهم بقية في بلادهم القديمة في العراق والكويت وتفرق منهم في دول الخليج وعُمان ومنهم قم مع قبائل عَنَزة، وبعضهم سكن ديار بكر في تركيا، ومن المساعيد في دولة الكويت الصحفي عبد العزيز المساعيد صاحب مجلة النهضة ودار الرأي بالكويت. * ذكر لي عن حلف المساعيد مع الحويطات والترابين فقال الشيخ إبراهيم بن سِلمي بن بنية من أولاد الأمير سليمان المسعودي في مصر: أن الحويطات أغلبهم من الأشراف، أما الرابين من بني بقم (البقوم - القحطانية)، وقد حالفهم المساعيد في القرون الأخيرة بعد مذبحة الأمير سليمان المُلقَّب بالمنطار في شرق =
[ ١ / ١٤٢ ]
من غضا ومساعيد ترعى في ظراهم اللفايف أو العمايم، وتعني مساعيد من طرفة أن هناك مع المساعيد قديمًا في نجد فرقة من نسل طرفة بن العبد البكري الشاعر الشهير في الجاهلية، ومعنى مساعيد من غضا، أي هناك فرقة من شيبان أو بكر بن وائل انضوت مع المساعيد من نسل هانئ بن مسعود وكانت هذه الفرقة تسكن وادي الغضا في ذي قار وهو واد من وديان بكر بن وائل كان يشتهر بأشجار الغضا، ومعنى مساعيد ترعى في ظراهم اللفايف أو العمايم أي تنزل في حماهم العشائر والفخوذ من قبائل العرب الضعيفة وهو ما يسمونه بالطنب والجوار، وهؤلاء يمثلون أولاد الامير سليمان المنطار وأبناء عمومته الذين سنُفصِّل عنهم في موضعه.
هـ - ذكر بعض الرواة أن ما يؤكد أن المساعيد من شيبان هو تمسك جميع الرواة أن المساعيد جدهم هانئ بن مسعود، فلو سألت رجلًا من مساعيد الحجاز أو من مساعيد سيناء أو وادي النيل أو فلسطين لرد على الفور: (نحن من هانئ بن مسعود). ودلل بعضهم أن هناك فرقة من المساعيد في صعيد مصر تسمى الشيبانية حتى الوقت الحاضر، وذكر لي أن هناك نياشين تركية أهديت قديمًا لبعض فرسان المساعيد نُقش عليها الشيخ فلان المسعودي الشيباني.