قال الرواة: بعد مقتل الأمير المسعودي سليمان بن عمرو ومن معه من فرسان المساعيد فقد ظلت جثث قتلاهم ملقاة على الأرض ومنها جثة الأمير سليمان عند التل، فلما حل الظلام في الليلة الأولى بعد المعركة رأى الجند نورًا عند الجثث فظنوا أن أحدًا قد جاء للجثث من المساعيد فبلَّغوا عن ذلك، فطلب إليهم أن يحرسوا الجثث للتحقيق في أمر هذا الضوء عند الجثث بجوار التل، فظل الجنود ينطرون، أي يحرسون منتظرين إلى أن حل الظلام ولم يأت أحد، وقد تأكدوا من رؤية الضوء أو النور يضيء الظلام على جثة هؤلاء الشهداء الذين قُتلوا بالحيلة والغدر، وقيل أن الضوء كان واضحا على جثة الأمير سليمان المسعودي
_________________
(١) قيل أن عمرو ابن الأمير سليمان استطاع أن يصمد بعد مقتل أبيه وثأر من المماليك وكان معه عدة رجال ممن تبقوا ولهم في المساعيد سلالات مثل سليمان الأدغم ومنه الدغيمات وراشد ومنه الرواشدة ومربد ومنه المرابدة وعيهور ومنه العواهير وجد الأحيوات وقيل اسمه معلى، أما سلالة الأمراء فانحصرت في ذرية عمرو بن سليمان بن عمرو الشهير بالمنطار وسموا (أولاد سليمان) الأمراء من المساعيد.
[ ١ / ١٦٠ ]
فوق التل وكان من أهل الصلاح والتقوى ولا يخشى في الحق لومة لائم. وقال نعوم شقير عن ذلك: وكان سليمان المذكور من أهل الصلاح والتقوى فرأى الترك قنديلًا أضاء فوق جثته. وثمة إشارة يوردها الدكتور عبد الكريم رافق حول الضريبة التي فُرضت على المساعيد وتمرد الأمير سليمان الولي الصالح بقوله: ولا ندري إذا كان المنطار هذا هو نفسه الذي أعطى اسمه إلى ضريبة منطقة عُرفت بضريبة ولي الله تعالى الشيخ أبو علي المنطار، وكانت ظاهر غزة من الجهة الشرقية.
قلت: والشيخ أبو علي هو سليمان بن عمرو المسعودي وعلي أكبر أبنائه، ولا توجد له سلالة والظاهر أنه قُتل معه.
قال الرواة: وبعد تأكد الجند المماليك من الضوء تركوا الجثث للكلاب، فلما اقتربت الكلاب إلى الجثث لتأكلها وأرادت افتراس جثث الأمير سليمان ومن معه فرَّت وهي تنبح!، فلما تبين لهؤلاء الجند كرامة هؤلاء وكبيرهم الأمير سليمان قاموا بدفن هذه الجثث بإكرام، وقيل قاموا ببناء قبة على الأمير سليمان عند التل الذي كانوا ينطرونه بالأمس، أي يحرسونه فسمي سليمان المنطار (^١) وعُرف هذا التل بتل المنطار أيضًا وهو تل يرتفع نحو ١٧٠ قدمًا عن سطح البحر، ولا تزال القبة قائمة حتى الآن والعرب من أهل قطاع غزة يزورونه حتى الوقت الحاضر.
وقال نعوم بك شقير: فدفنوه بإكرام وبنوا قبة فوق قبره لا تزال قائمة والعرب تزورها إلى اليوم.
وقال عارف العارف في ذكر تل المنطار: وفيه مزار الشيخ علي وكنيته سليمان، وعلى قول اسمه سليمان وكنيته أبو علي واشتهر بالمنطار، وكان جامعا واليوم مزار فقط.
وقد كان لأهل غزة موسم يحتفلون فيه بزيارة الأمير سليمان الشهير بالمنطار في أوائل الربيع من كل سنة في يوم الخميس ويسمونه بخميس المنطار، حيث كانوا يخرجون جميعًا رجالا ونساء وأولادًا من صباح الخميس حتى العصر.
_________________
(١) قيلت رواية أخرى عن تسمية المنطار وهي: أنه عندما قُتل الأمير سليمان وقد ضربه أحد فرسان المماليك الأتراك طارت رأسه من جثته فوق تل عال ولم يجدوها لكي يأخذونها إلى السنجق أو الحاكم، وقد جاءت التسمية عندما سأل الجنود عن أعجوبة اختفاء الرأس وشيوع أنها طارت فقالوا مَنْ طار؟ أي يسألون عن رأس مَنْ التي طارت ويبحث عنها القادة فسمي المنطار .. والله أعلم.
[ ١ / ١٦١ ]
وقال الدبَّاغ: للغزيين موسم يحتفلون به في أوائل الربيع يعرف باسم موسم المنطار. وقال الرحَّالة التركي نعمان قسطلي في رحلته حين مرَّ بتلك المنطقة: في خميس المنطار يخرج أهل غزة لمحل مرتفع على تلة شرقي المدينة وبها مقام يسمونه بالشيخ أبو علي المنطار، وكان مقامًا له جامع يقصده الرواد من أنحاء بلاد وقرى غزة ويسمونه المنطار، أي الذي طار، ثم أضاف قائلًا: أما هذا المحل فهو أعلى تل مرتفع في جهات غزة وعلوه ينصرف أي يعلو المائة قدم من سطح البحر، وفي يوم عيده تخرج جميع أهالي غزة رجالًا ونساءً وأولادًا لزيارته إلا ما ندر منهم، ودائمًا يكون خروجهم صباحًا ويبقون هناك لما بعد الظهر بساعتين وأكثر، وتصير سوق لبيع المأكولات والحلوى، وقد خرجتُ في ذلك النهار فلم أجد شيئًا من أسباب الطرب الذي يتوهمون به في ذلك المحل، ولكن قد تبين لي بأنه حيث يصير لهم حرية ليرون بعض النساء أو الفتيات (^١) ويعتبرون هذا الشيء طربًا لهم إذ إن كل صاحب غاية من رواد هذا المحل يفوز بمقاصده!!.
ويعود بنا الحديث عن باقي المساعيد السالمين من مذبحة غزة (^٢) فقد أخذوا يبتعدون عن بلاد غزة هاربين من سطوة وعنف الدولة وبطشها بعد أن ظهرت قسوتها لأقصى درجة بقبيلتهم العزيزة المرهوبة الجانب، وقد تفرَّق المساعيد في شتى الاتجاهات فرارًا بأنفسهم من وجه حاكم غزة وزبانيته، وقد غيَّرت نساؤهم براقعهن الطويلة اللاتي كن يتميزن بها، وجعلنها على هيئة براقع نساء عربان ديار غزة لكيلا يُعرف المساعيد بزيِّهم، وكانت براقع المسعوديات تصل إلى السُّرَّة، وقد أخذ المساعيد يجمعون أنفسهم بعد ابتعادهم عن الديار الغزية، فقادهم الأمير عمرو ومن معه من أبناء عمومته الذين صمدوا في قتال المماليك مع الشهيد المنطار، وقد عاد بعضهم إلى حيث أتوا من شمالي الحجاز في منطقة العقبة ووادي عربة والبدع، وبعضهم نزل جنوب سيناء وهم بعض الأمراء ثم نزحوا إلى الشرقية في جوار من سبقوهم من المساعيد الآخرين، وإلى جانب من تفرق من المساعيد في فلسطين والأردن وجنوب سوريا، وسنوضح عن كل قسم من هؤلاء بالتفصيل.
_________________
(١) وزيارة الأولياء أو القبور للنساء هي بدعة ابتدعها بعض المسلمين وهي حرام قطعًا، وكما يقول النبي - ﷺ -: "كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وهذه العادات راجعة إلى عصور الجهل والظلام في عهود ما بعد الخلافات الإسلامية وتغلُّب الأجناس الغريبة على العرب في بلادهم.
(٢) ذكر لي أحد الرواة في سيناء أن من المساعيد حتى الآن عائلات قوية وثرية في منطقة النصيرات بقطاع غزة القلسطيني.
[ ١ / ١٦٢ ]