انقسم عرب مُطَيْر على أنفسهم فرافق قسم منهم بني عُقبة وعُرف هذا بالمطيريين، وقد استوطنوا البلقاء وديارهم اليوم في منطقة المشقر على نحو ٣٠ كيلو مترًا جنوبي عمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، وعشرة كيلو مترات شمالي مادبا حيث يشكلون اليوم أهم بطون قبيلة العجارمة هناك، أما شيوخ العجارمة فهم الشهوان (اليسفة) وأصلهم بطن من اللحاوي من قبيلة الشراراث، ومن مُطَيْر فريق آخر وقتئذ سلك على بلاد الخليل من فلسطين، أما القسم الأكبر من مُطَيْر فقد دخل في أوائل القرن السابع الهجري إلى شمالي سيناء ومنهم الدواغرة، أما بقيتهم فنزلوا إلى الشرقية وتفرقوا في جهات الجيزة وأسيوط من الديار المصرية (انظر السرد عنهم).
أما بني عُقبة (^١) فقد ساروا نحو الشراة من بلاد الأردن باتجاه الجنوب الشرقي نحو بلاد الشوبك عبر نقبي نملا والضحل. وقد ذكرهم الحمداني عام ٧٠٠ هـ - ١٣٠١ م، أي في أواخر القرن السابع الهجري، فقال: وعُقبة ديارهم من الشوبك إلى حِسْمى إلى تبوك إلى تيماء إلى الحريداء وهي شرق الحجار، ثم توسعوا فيما بعد في بلاد الكرك والطفيلة في شرق الأردن.
أما المساعيد فإنهم توجهوا مرتحلين تجاه بلاد غزة عبر نقب صفى وهو من أهم المداخل نحو بلاد بئر السبع وغزة من منطقة شمال غرب وادي عربة، وهذا النقب يقع إلى الشمال الغربي من عين الحصب في الطريق إلى غزة، وقد أخذ المساعيد يفرضون هيمنتهم على العشائر والقبائل الصغيرة القاطنة في بلاد فلسطين وقتئذ في آخر القرن السابع الهجري، أو فرضوا على أغلبها الخاوة، فلما وصلوا إلى بلاد غزة فرض عليهم حاكمها من دولة المماليك الأتراك وقتئذ ضريبة، بعدما
_________________
(١) يؤكد الرواة أن أمير بني عُقبة ومعه أغلب قومه عادوا ثانية إلى ديارهم شمال الحجاز وظلوا حتى القرن العاشر الهجري.
[ ١ / ١٥١ ]
علم أن المساعيد وحدهم القادمون وأن تحالفهم مع بني عُقبة قد فض، بعدما كانوا مجتمعين يشكلون خطرًا جسيمًا على الدولة أو على ولاية غزة على الأخص، وقد فرض الحاكم المملوكي ضريبة سنوية على أمير المساعيد وهي فرس من جياد خيله يقدمه المساعيد للحاكم كل سنة، كما فرض عليهم دفع العشور. وقال نعوم شقير: إن المساعيد ساروا إلى بلاد غزة فضرب عليه حاكمها فرسًا من جياد خيله يقدمه كل سنة، وقد ظلَّ المساعيد يؤدون الضريبة والعشور حقبة من الزمن؛ لأنهم لا طاقة لهم بحرب الحاكم بعدما فقدوا خيرة فرسانهم في معركة المُطَيْرية علاوة على أنهم فقدوا تحالفهم مع بني عُقبة، حتى تولى إمرتهم الأمير سليمان بن عمرو الشهير بالمنطار والذي يسميه أهل غزة باسم على أبو سليمان الشهير بالمنطار وفي أحيان أخرى يسمونه الأمير أبو علي المنطار.
ولما تولى الأمير سليمان المسعودي إمرة المساعيد في أوائل القرن الثامن الهجري، وقال نعوم بك شقير: (بقى المساعيد يؤدون هذه الضريبة حتى قام عليهم أمير يُدعى سليمان المنطار فاستثقل الضريبة وأبى دفعها وجاهر بالعداوة للدولة في حينه).
وصار المساعيد بأمر من الأمير سليمان كلما جاءهم جباة الدولة لأخذ الضريبة يقومون بضربهم وطردهم فيعودون بلا فائدة، ثم تداعى بهم الأمر إلى أن يقوم من المساعيد أنفسهم جباة للضرائب بدلًا من الدولة وصاروا يأخذون العشور من العربان والأهالي في القرى الفلسطينية، فزاد حنق الحاكم في غزة على المساعيد الذين زادت سطوتهم على الدولة وشكلوا هم حكومة لا تدين بالولاء للمماليك، فقرر في نفسه شيئًا حينما تواتيه الفرصة، كما سنرى في سرد الأحداث التالي ذكرها.
[ ١ / ١٥٢ ]