كان الحويطات يتلقون رواتب شهرية من باشا مصر باعتبارهم حرَّاس القوافل للحجيج ويحفظون المؤن في العقبة لتزويدهم بها، ومنذ عام ١٨٨٢ م وقعت مصر تحت الاحتلال الإنجليزي وظلَّت سيناء كلها منطقة تابعة للدولة العثمانية والتي حاولت بدورها أن تفرض على العشائر بها الضرائب إظهارًا لنفوذها، فأوعزت بذلك إلى متصرف الكرك الذي طالب عودة أبو تايه بضرائب سنتين متتاليتين، وكان المبلغ كبيرًا باعتبار أن الحويطات يقطنون في العقبة وسيناء والشراة والطفيلة ويدخل في حلف معهم كلّ العشائر الموجودة في المنطقة، فلما رفض عودة أبو تايه طلب الحكومة العثمانية أرسلت قواتها لتحصيل الضرائب بالقوة الجبرية، وقد أطلق جنديان تركيان النار على عودة الذي نجا بأعجوبة، وقد كرَّ مع فرسان الحويطات على القوة العثمانية وهزمها وقتل الجنديين اللذين أطلقوا النار عليه،
_________________
(١) عرازيل: عناقيد.
(٢) الأشناق: الجهات أو الأركان الأربعة.
(٣) ماذاتي: الرصاص.
(٤) الولايش: الجثث.
(٥) وهذه الرواية مبالغ فيها والحقيقة غير ذلك، فقد ذكر تاريخ شرق الأردن عن هذه المعركة بكل حيادية (ص ٣٢٤) أن خسائر الطرفين في هذه المعركة كانت قتيل، وأن النصر كان حليف أبو تايه ومن معه من الحويطات، كما ذكر أن هجوم الشرارات أصلًا على الحويطات كان ردًّا على اعتداءات مسبقة عليهم من أبو تايه.
[ ١ / ٩٧ ]
وبقيت الحرب سجالًا بين عودة وجنود السلطان العثماني حتى الحرب العالمية الأولى، وسوف نُفصِّل هذا الموجز عن دوره في الثورة العربية الكبرى مع ذويه من الحويطات.
وقيل أن عودة أبو تايه (^١) هذا أنه كان في جسده عشرات الإصابات، وقد تزوج ثمان وعشرين مُرّة، وقام بغزوات قرب حمص وحماة وحلب ودمشق حتى نهر الفرات وجمع مالًا كثيرًا اغتنى به أفراد عشيرته من الحويطات، مما أثار عليه حسد القبائل المجاورة والتي هي أقدم من الحويطات مثل بني صخر الجُذَاميين (^٢)، والصخور هم أقوى القبائل حتى ذلك الوقت من أوائل القرن العشرين الحالي، ولكن تكاثر عشائر الحويطات والثراء الفاحش قد جعلهم في مركز قوي وصار الصخور يحسبون لهم حسابًا، وقد بدأت المشاحنات ثم المصادمات العديدة بين الطرفين، وحين بدأ النزاع بين الحويطات والصخور لَمْ تتدخل الدولة العثمانية، وقد اتخذت إجراءات جديدة تتناسب مع أوضاع المنطقة حيث عينت مديرًا عسكريًّا لإدارة وادي موسى والشوبك وكانت في ذلك الحين تابعة لولاية دمشق (سنجق الكرك)، وكانت ديار الحويطات قد امتدت نحو الشمال حتى السواقة أثر مصادمتهم مع بني صخر، ونحو الشرق حتى جبل طبيق وكان يقطنه بنو شاكر وبعض الشرارات الذين اتجهت عشائرهم قرب وادي الجوف، وقسم منها اتجه صوب الغرب وهم العوازل في فلسطين والرماضنة في غور دامية، وقد مارسوا الفلاحة واشتغلوا بالزراعة.
ولهذا فقد تحالف الشرارات مع بني صخر ضد الحويطات الذين قد تزايد توسع ديارهم على حساب غيرهم، ولكن عصبية وتماسك عشائر الحويطات مكنتهم من الصمود ضد خصومهم في ذلك الوقت. ومن أشهر مصادمات الحويطات مع بني صخر هي معركة الطور وكانت في أثر مصادمات متكررة في أوائل هذا القرن العشرين الميلادي، وانتهى ذلك بالصلح بين عنصري الحويطات وبني صخر وصار كلّ منهم على خير ما يرام من الإخاء وحسن الجوار في شرق الأردن.
_________________
(١) ذكر تاريخ شرق الأردن أن عودة أبو تايه قد توفي عام ١٩٢٧ م.
(٢) بنو صخر ذكرهم ابن خلدون في تاريخه ج ٢ ص ٢٥٤: بنو صخر من طيئ وفي ج ٦ ص ٧ ذكر منازلهم في تيماء وفي مراجع أخرى مثل تاريخ شرق الأردن أن بلادهم في العلا شمال المدينة المنورة ثم نزحوا للبلقاء في شرق الأردن.
[ ١ / ٩٨ ]
وبمناسبة معركة الطور الآنفة الذكر نظم الشاعر الحويطي (جوَّان المشهوري) قصيدة مطولة نذكر منها تلك الأبيات:
يا راكبًا حرا وضيحان منقَّاه … حر منقا بالوصايف عجيبي
مثل الوضيحي لا جفل من معشَّاه … ولا كما عرد الظبا المستريبي
خرجة التبوكي وافيًا زين معناه … وشداده اللِّي بالزهر ما يصيبي
كزه على ابن جاري لجيت تلقاه … ما قال اهلنا جال واحنا عزيبي
مثل الوزير وعسكر العز تبراه … متحزم بمطوعين الحريبي
وبني صخر هل المهاره المغَذَّاه … وصت لها شيخانها ما تغيبي
وحتن الضحي وثعولها تندفق ماه … كبت مطرها في نهار عطيبي
والظهر والله يخلف الراي برياه … وجموع ابن فايز تقفي هبريبي
من طاح ما فيه الرجا والمراجاه … حامن مرفعات السبيبي
ردوا عليهم ردة الذيب عالشاه … واشبع طيور موقعه بالرقيبي
وابن عطية سامعًا بطرياه … جتنا فعاله بالنفايل كسيبي
ولي غدير الموت والنار تصلاه … لما رموه وإذا حصانه صويبي
يوم أشرهوا طلَّابة الحمد عولاه … ثنا عليه اللي يعز الطنيبي
عبطان شوق أبو قرون مدلَّاه … سوق الغزال اللي وصوفه عجيبي
أما عن نزاعات الحويطات مع الكيانات الأقدم منهم فنلخِّص التالي:
- (بني عطية) كانت بعض النزاعات بين العنصرين وآخر المصادمات كما ذكر لي هي حرب البرقاء، وتم الصلح بين الطرفين وانتهي النزاع على الأرض فيما بين ديار القبيلتين، وأصبح العطاونة والحويطات في علاقة حسنة يسودها التآخي وحسن الجوار، وخاصة أن هناك الرحم والمصاهرة بين الطرفين لما أشرنا في قصة حويط مع بني عطية في بادية نشأته في العقبة.
- (بلِّي) بالطبع بعد - نماء كيان الحويطات إلى شمال بلِّي القبيلة القديمة كانت هناك مشاحنات آخرها كانت عام ١٩٠٤ م، وقد استنجد الحويطات في التَهَم بحلفائهم الطوَّرة بجنوبي سيناء المصرية ضد خصومهم من بلِّي، ولما كان الشيخ
[ ١ / ٩٩ ]
موسى بن نصير القرَّاشي شيخ الطوَّرة وقتئذ لَمْ ير مصلحة الطوَّرة في الاشتراك في هذا النزاع، علاوة على تصعيب السردارية في الحكومة المصرية على منع أي قبائل في سيناء بدخول الحجار، أي خارج نطاق الحدود المصرية، أحجم الطوَّرة من تلبية رغبة الحويطات بمد يد العون لهم، واتخذوها حجة بأنهم لا يستطيعون مخالفة الحكومة المصرية في ذلك الوقت، وحزَّ ذلك في نفوس الحويطات لخذلان حلفائهم في وقت الضيق والشدة.
فأرسل الشيخ عليان أبو طقيقة قصيدة طويلة للطوَّرة نذكر منها التالي:
يا راكبًا من فوق حمرا (^١) طويله … ما فوقها إلَّا خرجها والعزالي (^٢)
وصيِّتُ للطوري (^٣) حسبته قبيله … لقيته حُصني (^٤) لابد في الخمالي
حويطات لا تدنوا علينا الفشيله … بخيل وركب مالها أول وتالي
نابي تداوي عله مستطيله … من واحد قلَّع عيونه زوالي
يابي (^٥) بكابلنا وحِنَّا نكيله … واللِّي يريد الحرب يشبع نكالي
في منتصف داما رجال ذليله … يشرب من الحامض ويشي رفالي (^٦)
اللِّي يدرج فاطره مع رويل (^٧) … وإن ربَّعت ثلبه يسوق الريالي (^٨)
فرد الطوَّرة بقصيدة على أبو طقيقة شيخ الحويطات نذكر منها:
اللِّي فتح باب الحرب يسدَّه … واللِّي يعطي الحكم راعيه!
_________________
(١) الحمراء: الناقة.
(٢) العزالي: ما يحمل الرجل على بعيره.
(٣) الطوري: عشائر الطوَّرة بجنوب سيناء - مصر.
(٤) حُصني: الثعلب.
(٥) نابي: نبقي.
(٦) رفالي: بدون سلاح.
(٧) الرويلة: صغار الغنم.
(٨) ريالي المال مقابل الرعي وتُسمَّى رتاعة.
[ ١ / ١٠٠ ]