حدثت هذه الواقعة في شمالي غرب وادي عربة إلى الجنوب الغربي من البحر الميت في الجزء الواقع بأرض فلسطين من وادي عربة، في موضع يعرف هناك باسم عين الحصب وحصى المدرة عند مصب نقب غارب إلى الجنوب الشرقي منه، وعلى عين الحصب كان ثمة شجرة سدر قديمة ضخمة تُعرف بشجرة الحصب لوقوعها على عين الحصب، وقد ذكر الدبَّاغ فقال في حديثه عن عين الحصب: أنها تقع على بعد ٣٦ كيلو من البحر الميت وسبعة كيلو مترات من الحدود الأردنية، قال: وقيل أن فيها شجرة قديمة عملاقة لها من العمر آلاف السنين. وقال قسطنطين خمار يذكرها عند ذكره لعين الحصب: توجد بقربها شجرة ضخمة جدًّا
[ ١ / ١٤٦ ]
يزيد عمرها على ألف عام. وقال علي نصوح طاهر الذي زار عين الحصب عام ١٩٤٦ م: وكان فيها شجرة ضخمة يبلغ قطر امتداد فروعها ما لا يقل عن عشرين مترًا!، وكانت هذه الشجرة. الوافرة بظلالها وقربها من الماء مقر لقاء أمير المساعيد وشيخ بني عُقبة، وكانوا يلتقون لتبادل الآراء والتشاور بشأن ارتحالهم إلى الديار الغزيَّة بانتظار عودة عيونهم والذين أُرسلوا للتجسس، وكانوا أثناء لقاءاتهم تحت ظلال شجرة الحصب يلعبون لعبة المنقلة التي يعرفها بدو اليوم باسم السيجة، وهي من الألعاب التي تعتمد على الذكاء والخبرة، ولم يمض وقت طويل حتى عاد الرسل وأخبروا المساعيد وبني عُقبة بوفرة خيرات غزة وبخصب مراعيها وضعف عربانها، وقد عاد المُطَيْري إلى قومه ليُنفِّذ اتفاقه مع حاكم غزة المملوكي ثم إنه أعطى ابنته اللباس والزينة والحلي التي جلبها من الحاكم، وقد زعم أنه اشتراها فتزينت الفتاة وتميزت عن غيرها بذلك فعُرفت بأنها المُطَيْرية في أوساط بني عُقبة، وذات يوم أمرها أبوها أن تسير إلى عين الحصب ساعة التقاء أميري المساعيد وبني عُقبة تحت شجرة الحصب فتَرِد الماء لتشرب وتكشف عن وجهها وجمالها للأمير المسعودي المغرم بالنساء عله يطلب يدها ويتزوجها، وهكذا نُفَّذت الخطة الجهنَّمية المرسومة بين المُطَيْري وحاكم غزة، فلما التقى الأميران أمير المساعيد سعود بن مسعود وأمير بني عُقبة داود العُقبي تحت الشجرة تجالسا وتحدثا ثم لعبا لعبة المنقلة (السيجة) كعادتهما، حينئذ مرت ابنة شيخ مُطيْر بهودج على جمل وقد تزينت بألبستها وحليها فوردت الماء وأخذت تشرب الماء وهي سافرة الوجه أي غير مُلثَّمة كغيرها من فتيات البدو، فبدت فاتنة جميلة ولا أحد يعلم أنها حيَّة رقطاء تريد دس السم الزعاف وتفتن القبائل لتقع الحرب وتسيل الدماء الغزيرة وتُرمَّل النساء وتُيتَّم الأطفال!.
ولما كانت تلك الفتاة بديعة الجمال رشيقة القد تنثني كالخيرزان، فما إن رآها الأمير المسعودي أُعجب بها وفُتن بجمالها ودلالها فصار ينظر إليها وتنظر إليه، فأخذ الأمير المسعودي يضع حجارة "حصى" السيجة فوق بعضها البعض دون وعي منه لما يفعل لانشغاله بالنظر إليها، فلما شربت الفتاة أخذت بالانصراف فتابعها ببصره وقد وقع في هواها ولم يدر من هي فأنشد يقول:
ما قال ابن مسعود شاف نظره … غزال بين الحنايا شقى بها
[ ١ / ١٤٧ ]
وفي رواية أنه قال:
وش شفت لي بين الحنايا شوفه … ياشوفه كِنْ عاد قلبي شقى بها
فالتفت الأمير العُقبي إلى الفتاة المُطَيْرية ليرى التي فتنت صديقه المسعودي فعرفها بزينتها وعرف أنها ابنة شيخ فرقة مُطَيْر الذين أطنبوا عليه وقال:
مُطيرية يا أمير ما هي لنا من سمية … وطنيبها داود الذي ما يعيبها
وفي رواية أخرى أنه قال:
مُطيرية يا أمير ما هي لنا من قبيلة … ولا هي من حمانا لك نجيبها
وهنا يوضح العُقبي أن الفتاة ليست من بني عُقبة ليعطوه أو يزوجوه إياها ولكنها طنيبة على بني عُقبة والتفريط بالطنيب صعب على العرب.
فقال الأمير المسعودي مهددًا:
نجيبها بالسُرد والمُرد والقنا … وضرب يعدي جارها مع طنيبها
فأجابه العُقبي بحزم صارم:
ياما دونها يا أمير من طعن سابق … وحربة تقد الجوف حامي لهيبها
نرعى بها حِسْمى وشقرة ونعمة وعاجات* ونثني ونعديها عن كل وبش يريدها
مُطيرية يا أمير ما هي لنا من قبيلة … وطنيبة لداود الذي ما يعيبها
إن شاف الغر (^١) يجنب ثوبها … لا يسأل عنها ولا يعتني بها
يا مادونها يا أمير من طعن سابق … وكم عودة في الميدان ما ينسخي (^٢) بها
وهنا قوله نرعى بها حِسْمي وشقرة ونعمة وعاجات فهي مواضع في شمالي الحجاز من ديار جُذام ثم بني عقبة أحد بطونهم القديمة، فحِسْمي هي دار جُذام القديمة قبل الإسلام، وشقرة ونعمة من مياه حسمى، أما عاجَات فهي مرتفعات جبلية كانت من ديار بني عُقبة وهي جبال بارزةَ بين شروري شرقًا وبئر ابن هرماس غربًا شمال مدينة تبوك.
_________________
(١) الغر: الشق في الثوب لو حدث لا يفتنه.
(٢) ينسخي: يكرم أو يجاد لها.
[ ١ / ١٤٨ ]
وفي رواية أخرى أن العُقبي قال:
ياما دونها يا أمير من طعن سابق … وعودة في الميدان ما ينسخي بها
ياما دونها يا أمير من طعن سابق … وحربة يا أمير ياضى (^١) لهيبها
ياما دونها يا أمير من طعن سابق … وعين تغُض (^٢) البكا علي حبيبها
فأجابه الأمير المسعودي قائلا بكل تحدٍ:
من لامني يبلى بحرب مِسْمة … والا بحية نايمة في كتيبها
وإن كان له ولدين يعدم خيارهم … والثاني يقرط له العصا ما يجيبها
وإن كان له بنتين يعدم خيارهن … والثانية يلقى عليها طنيبها
فافترق الأميران غاضبين للاستعداد للقتال وقد أخذ كل منهما يجمع جموعه ورجاله أو فرسانه استعدادًا للحرب والنزال، ثم إن الجمعين بعد انتهاء استعداداتهما التقيا في معارك حامية الوطيس في وادي سيف بفرَعة وادي الحصب عندما يميل إلى وادي الفقرة، قالوا:
ولكي يُجرِّئ بعضهم بعضا على القتال وعدم الهرب وضع الأمير داود وراء رجاله النساء ليرمين كل من تحدثه نفسه بالهرب من صف القتال بالنبلة وكذلك فعل أمير المساعيد، وقد احتدم قتال عنيف بين الجانبين في وادي سيف وحصى المدرة، وأسفرت المعركة عن انتصار المساعيد وانهزام بني عُقبة بعد أن استحر القتل في فرسانهم، وقد تم دفن القتلى في منطقة حصى المدرة، وقال نعوم شقير في تاريخ سيناء: "وفي حصى المدرة إلى الآن أي حتى عام ١٩١٤ م قبور قديمة قيل أنها مدافن قتلى واقعة المساعيد مع بني عُقبة"، وقد قُتل في هذه الواقعة كما يقول الرواة شيخ أو رئيس من المساعيد يُسمى سيف المسعودي وقد سُمي الموضع الذي قُتل فيه بودي - تصغير وادي - سيف وهو بجوار الحصب إلى الشمال الغربي وهذا الوادي يلتقي بوادي قصيب قبيل وصوله إلى وادي عربة، وفي هذا الوادي رجوم - أي حجارة وعلامات: كثيرة ذكرى تلك المذبحة الشرسة أو المعركة الدامية.
_________________
(١) ياض: يضيئ كالنار الشديدة.
(٢) تغُض: أي تكثر.
[ ١ / ١٤٩ ]
ويقال أن بعد انتصار المساعيد واندحار بني عُقبة سبى الأمير المسعودي الفتاة المُطَيْرية التي هي السبب في البلاء والحرب واصطحبها أسيرة إلى بيته وتزوجها واستمتع بجمالها عدة أيام، وقيل: أنه لم يلحق منها شيء، فعندما أدخلها بيته وعرفت أمه أنها الفتاة التي فتنت القوم تشاءمت منها وقالت هذه حيَّة خربت البيوت، وخرجت مُغْضبة، فلما سألها ابنها (أمير المساعيد) لماذا غضبت وخرجت من البيت؟
أجابت قائلة: لا أقيم تحت سقف واحد مع عروسك فلا تعجبك بزينتها وجمالها تراها صَلَبية!!، هنا قول المرأة على المُطَيرية هكذا لأنها تكرهها فأرادت ذمها وحتى يكرهها ابنها، وفعلًا طردها هي وأهلها إرضاءً لأمه وظلَّت بكرًا ولم يمسها!
فلما عرفت المُطَيْرية السبب وسمعت مقالة أم أمير المساعيد غضبت وتنكدت من هذا الظلم الواقع عليها وعلى أهلها من سب أصلها وهي تعتبر نفسها من قبيلة مُطَيْر المعروفة بنجد بقوتها وأصالتها بين العرب، فأخذت تخاطب الأمير المسعودي مدافعة عن أصلها ونسبها وأنها ليست من الصَّلَب وأنشدت تقول:
تقول المطيريه يا أمير ماني خفية … ولاني من اللِّي خافيات جدودها
أهلي أهل المرابيش والقنا (^١) … وقومي حربة يرموا وراء الجب عودها
منزل أهلي بين الظفير وشمَّر (^٢) … على مثل صلوا النار حامي وقودها
قَنَّاصهم يقنص بيومه وينثني … ويجيب من لحم الجوازي عضودها
وتقصد في البيت الأخير أن قومها مُطَيْر أهل نجدة وحمية يغزون القبائل ويرجعون سالمين ويعودون بالإبل والغنائم بحد السيف البتَّار، وقد مثلتهم بقناص أو صياد يرجع في نفس اليوم على عَجَل ويأتي بالغزلان في رحْله أو في صيده وهذا دليل مهارته وتفوته.
_________________
(١) هنا تقصد أن مُطَيرًا أهل حرب وفروسية.
(٢) هنا تقصد أن مُطيرًا بلادهم تقع بين قبائل شَمَّر (طيئ) في شمال نجد وبين قبيلة الظفير جنوبًا غرب الكويت (شمال وادي الحفر).
[ ١ / ١٥٠ ]