قلت: بتحليل ما ورد في نص إمتاع السامر، نجد أن صاحبه قد أضاف شيئًا هاما ومفيدًا عن عرب هُتيم، ألا وهو استمرارهم في مؤازرة القرامطة حتى آخر عهدهم، خلاف غيرهم من فروع بني كلاب وسائر بني عامر بن صعصعة؛ الذين أداروا ظهرهم مبكرًا للقرامطة، وقد انتقلوا إلى الديار المصرية في كنف الخلافة الفاطمية قبل نهاية القرن الرابع للهجرة، وعلى رأسهم بني هلال بن عامر، وبعض بني عُقيل بن كعب ومن اجتمع إليهم من جُشَم وعليا هَوَازِن، وغالب أبناء عمومتهم من قبائل بني سُلَيْم، وغيرهم من غَطَفَان أو فَهْم وعُدْوان من قيس عيلان.
وقول صاحب إمتاع السامر أن هُتيمًا كانوا في مقدمة الجيوش القرمطية، انطلاقًا من الخرمة وما صاقبها من البلاد، وذلك عند توجها إلى منطقة عسير عام ٤٢٠ هـ، يؤكد أن هذا البطن الكلابي من عربان بني عامر بقي في ديارهم القديمة المعروفة منذ الجاهلية (^١)، كما يوضح أن هُتيمًا حتى هذا الوقت كانت لهم صولة وشوكة في الجزيرة العربية.
وتجدر الإشارة إلى عدد الأسرى وكونهم ألفين من الجيش القرمطي، وهل جميعهم من بني هُتيم، أم من عموم جيش القرامطة؟
فإذا كانوا جميعًا من هُتيم، فلا بد أن يكون بنو هُتيم في هذا الوقت قبيلة كثيرة العدد؛ كيف لا؟ وعدد المأسورين منها في تلك الوقعة ألفين رجل من حملة السلاح. أما إذا كان الأسرى من عموم جيش القرامطة - وهو الأرجح - فلماذا أطلق عليهم أمير عسير من قِبَل الخلافة العباسية - حينئذ - وذكرهم بهُتيم وبينهم عساكر وفرسان لا يمتُّون إلى بني هُتيم الكلابيين بصلة نسب؟!
_________________
(١) وذكر صاحب إمتاع السامر مساكن وديار هُتيم ما بين رنية وبيشة وخاصة في الخرمة، هذا قول صحيح لأن ديار بني عامر بن صعصعة من هوازن هي نفس هذه المناطق، وهي لازالت من ديار قبائل بني عامر من هوازن بن منصور. كما ذكر لي رواة ثقات من بادية هذه الديار السعودية، أن عرب هُتيْم ما زال لهم آثار في جنوب شرق الدفينة، متمثلة في أبيار الهتيمِيات، وهى خمسة آبار مشهورة، وذكر لي أيضًا أن بعض بني هُتيم تفرقوا في هذه المناطق وسكنوا حول بيشة، وبعضهم نزح إلى الجنوب في عسير ومنطقة المخلاف السليماني أو قرب حدود اليمن، وقسم آخر انطلق إلى سوريا في بلاد الشام يعرفون للآن باسم (هتيم).
[ ٦ / ٦٤٠ ]
وأقول غير جازم أن أمير عسير عام ٤٢٠ هـ وهو محمد بن عبد الله بن سعيد بن هشام - وصف عموم جيوش القرامطة بعد تلك الوقعة ب (هُتيم) تنكيلًا ببني هُتيم الكلابيين؛ الذين قادوا جيش ابن قرمط باتجاه عسير في عام ٤٢٠ هـ، وهكذا كان.
ومنذ ذلك العهد، أصبحت كلمة هُتيم مرادفة لكلمة قرامطة، وسواء قيل قرمطي أو قيل هُتيمي - وقتئذ - فالمعنى صار واحدًا عند العوام.
وكما هو معروف أن نفور العرب من القرامطة راجع إلى سفكهم لدماء المسلمين في الحرم عدة مرات، وقيامهم بسرقة الحجر الأسود من جوف الكعبة، ونقله إلى دولتهم في بلاد هجر والإحساء (^١)، وقد جعلوا لهم كعبة مُصطنعة في هذه الديار بشرق الجزيرة العربية لمدة اثنين وعشرين عامًا، وصار المسلمون من حجاج بيت الله الحرام - كل هذه المدة - يطوفون بالكعبة دون وجود الحجر الأسود في جوفها!.
وهذا الحدث يُعدُّ في عهد الخلافة العباسية أكبر فتنة للمسلمين، ومن ثم دليل على تمزُّق كيان الأمة العربية - حينئذ - بعد أن عجز الخليفة العباسي في بغداد عن حماية أقدس مقدسات المسلمين من هؤلاء الرافضة الذين عبثوا بها.
وقد بذل بجكم نائب بغداد خمسين ألف دينار للقرامطة كي يردوا الحجر الأسود إلى قراره في الكعبة المشرَّفة، فأبوا، وظل الحجر في بلاد الإحساء طيلة هذه المدة، حتى أعادوه بلا مقابل عام ٣٣٩ هـ إلى مكة المكرمة، وقالوا: أخذناه بأمر الله ونعيده بأمر الله! (^٢).
ويظهر لنا ارتباط قبيلة هُتيم بهؤلاء القرامطة حتى قرب نهايتهم واندحارهم في الجزيرة العربية بعد غزو عسير بعقود قليلة، وقد كان وجود هُتيم على الساحة جنبًا إلى جنب مع ابن قرمط في غزو إقليم عسير حتى نهاية العقد الثاني من القرن الخامس الهجري، وهذا على العكس من بقية فروع بني كلاب - أخوة هُتيم - ومن سائر بني عامر من هوازن، أو من بني سُلَيْم، فنرى أن هذه القبائل القيسية كانت لا تؤيد مذهب الرافضة، بل كانت تحارب إلى جانب القرامطة لمجرد النكاية بالعباسيين في بغداد،
_________________
(١) هذه البلاد من شرق الجزيرة العربية كان يُطلق عليها بلاد البحرين، وأما في العصور المتأخرة فأصبح اسم البحرين يُطلق على جزيرة صغيرة في الخليج العربي وهي دولة البحرين بالوقت الحاضر.
(٢) انظر في كتاب دولة الإسلام لشمس الدين الذهبي ٦٧٣ - ٧٤٨ هـ - طبع في دولة قطر.
[ ٦ / ٦٤١ ]
والذين أحاطوا أنفسهم بجنود وبطانة كبيرة من العجم، سواء من التُرك أم الفُرس، وما فتئوا في إرسال تجريدات وحملات يقودها أتراك أشهرهم بغا الكبير، يحاصرون ويفتكون بهذه القبائل القيسية المتمردة ضد سياستهم القاسية مع قبائل العرب، وحرمان البلاد الحجازية والنجدية من الرعاية والعناية، وكان هؤلاء الخلفاء في بغداد يبررون حملاتهم ويحتجُّون بأن هذه القبائل البدوية تقطع طرق التجارة والمواصلات، وتهاجم الحجاج وتنهب المدينة النبوية .. إلخ، متناسين الأسباب والدوافع التي دفعت هؤلاء لهذا السلوك، وهي الفاقة والفقر والحرمان التي تتجرعه في ظل الخلافة العباسية، التي كانت تملك كنوز الشرق والغرب، وقد كان الخلفاء والأمراء والوزراء من بني العباس وبطانتهم من العجم في النعيم المقيم في بلاد الرافدين وغيرها من الأمصار الإسلامية.
وهكذا نهج العباسيون مع قبائل قيس عيلان، وفي المقابل كان نهج مضاد يتميز بالعنف والكراهية والمقت - لأن الضغط يولد الانفجار - وفي النهاية بعد العداء المستحكم بين السلطة والرعية، وبعد الويل والثبور طُردت أغلب قبائل قيس من شبه الجزيرة العربية، وأقول ذلك لأنها غادرت بلادها مُرغمة مقهورة، وقد استُقطبت من قبل خلافة أخرى في إفريقيا هي الخلافة الفاطمية، والتي لم ترتح هيَّ الأخرى لهذه القبائل، فدُبرت لهم حيلة على يد وزير المستنصر الفاطمي المُسمى اليازوري، لإرسالهم لمقاتلة ملوك البربر من صنهاجة وزناتة، الذين انشقوا عن الفاطميين في القاهرة ورفعوا راية العباسيين في بغداد، وهكذا كان في عام ٤٤٢ هـ وقد اقتحموا بجحافلهم بلاد المغرب وكسروا ملوك البربر، وتغلَّبوا على ضواحي إفريقيا، وانتهى بهم المطاف إلى أن يتوطنوا تلك البلاد، وينجوا بأنفسهم من خسف الخلافتين العباسية والفاطمية، وكليهما لم يستمرا طويلًا، فكانت نهاية الأولى مُفزعة وقاسية على يد التتار (المغول) عام ٦٥٦ هـ، ولا يخفى على أحد الفظائع التي اُرتكبت ضد آل العباس ورعيتهم وتدمير مُلكهم. أما الخلافة الفاطمية فكانت هي الأخرى قد بدأت في الانحطاط بعد نزول هذه القبائل لمصر بفترة وجيزة، ثم انقرضت عام ٥٦٧ هـ وتولى بعدها بنو أيوب "الأكراد" وتملكوا البلاد، فكانت بداية أليمة لخروج الحُكم والسلطان من العرب على المسلمين، وقد سلمتهما امرأة من بقاياهم في آخر عهدهم بمصر وهيَّ (شجر الدر) إلى المماليك، وذلك في عام ٦٥٢ هـ فأصبح هؤلاء الرقيق من الشراكسة والتركمان سادة وحكام على أمة العرب والإسلام!
ولا يخفى على أحد تاريخ هؤلاء المماليك المشهورين بالغدر وسفك الدماء مع
[ ٦ / ٦٤٢ ]
الشعوب العربية، وخاصة مع قبائل العرب في مصر والشام على مدى ثلاثة قرون قاتمة بالظلم حالكة بالبطش والقهر. وقد انتهى حكم هؤلاء الطغاة باحتلال الأتراك العثمانيين الغاشم للبلاد العربية عام ٩٢٣ هـ ذلك الاستعمار الطويل الذي جثم على صدر الأمة قرابة أربعة قرون، وسعى جاهدًا في طمس تاريخ ومجد العرب، وحوَّلهم إلى جثة هامدة لا حول لهم ولا قوة، وفي نهاية الأمر وجدهم الاستعمار الأوروبي الصليبي البغيض لقمة سائغة، فزحف بجيوشه الجرارة ووسائطه القتالية المتقدمة وأسلحته العصرية الفتَّاكة، وقد سفك دماءهم ونهب خيراتهم بلا شفقة أو رحمة، وظل هذا الاستعمار مُتسلطًا على مقدرات الأمة سنوات طويلة، وتقاعس الأتراك الذين يدينون بالإسلام - والإسلام بريء من أفعالهم وخزاياهم - عن مناصرة العرب، وتركوهم في ساحة الجهاد وحدهم، بإمكانياتهم المحدودة وأسلحتهم المتواضعة، حتى نالوا استقلالهم وحريتهم وعزتهم، بدماء عدة ملايين من الشهداء الأبرار. وخذل الله هؤلاء الأتراك وانتهت إمبراطوريتهم العثمانية الشاسعة، وسقطت خلافتهم على المسلمين إلى الأبد - فلكل ظالم نهاية -.
وما هدفت هنا أيها القارئ العربي العزيز من إبراز هذه اللمحة المبسَّطة، إلا لتبيان فداحة كارثة تاريخ أمتنا المجيدة، وأفول نجم العرب مئات من السنين، والسبب الأول كان من البداية كامنًا في سياسة البطش والعنف من آل العباس بقبائل الجزيرة العربية (^١) - العمود الفقري للأمة كلها - وعلى رأسها قبائل قيس عيلان المُضَرية، التي سعت الخلافة العباسية في بغداد إلى إضعافها وحصارها وتشتيتها في الأمصار الإسلامية.
وما قبيلة هُتيم التي مثِّل بها، وقد لحقتها المهانة والتشهير من أمير عسير، إلا الجزء اليسير من هذا الظلم وذلك القمع الذي لحق بهذه القبائل العزيزة، التي كان على كاهلها مع بقية قبائل الجزيرة العربية فتح البلاد شرقًا حتى حدود الصين، وغربًا حتى حدود فرنسا من بلاد الإفرنج، وهزيمة أكبر إمبراطوريتين في التاريخ هما إمبراطوريتي الفُرس والروم.
_________________
(١) وسياسة البطش لم يسلم منها بنو هاشم أنفسهم، ومن لا خير له في أهله لا خير له في الناس، وقد ذكر أبو فرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين أن خلفاء بني العباس قتلوا ٧٦ رجلًا من سلالة السبطين (الحسن والحسين) وبعضهم مات بطريقة بشعة بأمر هؤلاء الخلفاء، في حين أن بني أمية لم يقتلوا من سلالة السبطين مع الإمام الحسين وضمنهم بني جعفر وعَقِيل سوى ٢٣ رجلًا في كربلاء.
[ ٦ / ٦٤٣ ]
ونعود إلى هذا الحي من قيس عيلان وهو هُتَيم الذي ناله ما ناله من الخسف وقد انفصم مبكرًا عن قبيلة بني كلاب (^١) العامرية الهوازنية، تلك القبيلة التي كانت هولًا من الأهوال، وتذكر لنا المصادر التاريخية أنها من أفرس قبائل العرب، وأنجبت الكثير من صناديد الفرسان وخبراء الحرب في بني عامر، منذ عهد الجاهلية وحتى صدر الإسلام، وبلغ بها من العز والسؤدد أن ملكت بلاد اليمامة بوسط نجد، وأقامت دولة هناك، وأنشأت أيضًا دولة أخرى في بلاد حلب بسوريا من بلاد الشام - في عهد الدولة العباسية -.
وتاريخ كلاب وعموم قبائل بنو عامر بن صعصعة حافل ومجيد - لو عددناه - من مُلك بنو عُقَيْل في الإحساء - بلاد البحرين قديمًا - ومُلك خفاجة في العراق وكذلك المنتفتي، إلى تاريخ عرب الهلالية ومن تبعهم من بني عامر أو هوازن، لا يتسع المقام هنا لتعداده والتفصيل عنه؛ لأن الغرض هو إلقاء الضوء على بني هُتيم، وما جرى لهم من أحداث جسيمة، تختلف في مأساويتها عن مأساة قبائل قيس؛ والتي أصابها الشتات والشقاء في مهدها بجزيرة العرب، وانتقل بعضها إلى أطراف العراق والشام، وأغلبها نزح إلي الديار المصرية إلى شمال إفريقيا - بلاد المغرب العربي - كما تقدم.
وإن ما حدث لعرب هُتيم من قبَل حاكم عسير، ومن ثم جعلهم كبش الفداء، حيث مَثَل بهم أشنع تمثيل لم يسبقه إلَيه أحد من أمراء أو حكام الحرب والمسلمين، فقد خُيِّل إليه إنه قد شفى الغليل في صدر الخليفة العباسي القابع في بغداد، والذي كان موغرًا على بقية قبائل قيس التي لم تنزح عن خلافته، ولم تحذو حذو من نزح إلى مصر في سلطة الخلافة الفاطمية المنافسة له (^٢)، وأصبح ما فعله هذا الأمير الظالم عِبرة لجميع
_________________
(١) وقد روى أن الإمام علي بن أبي طالب - ﵁ - قال لأخيه عَقِيل وكان نسابة: انظر إلى امرأة قد ولدتها الفحولة عن العرب لأتزوجها، فقال له: تزوج أم البنين بنت حزام الكلابية، فإنه ليس في العرب أشجع عن آبائها، فتزوجها علي وعقب منها أربعة هم العباس وجعفر وعثمان وعبد الله قتلوا جميعًا مع الحسين - ﵁ - في كربلاء. وانظر عن بني كلاب في الجمهرة لابن حزم، ونهاية الأرب للقلقشندي، وفي عشائر الشام لوصفي زكريا. وانظر عن هذه القبيلة في المجلد الخامس ط ٢٠٠١ م من موسوعة القبائل العربية - قبيلة العوازم الكلابية عن هوازن - ولصاحب الموسوعة أيضًا قصة من التراث "بطولات الأميرة ذات الهمَّة الكلابية"، والناشر دار الفكر لعربي - القاهرة، وتطلب من دار الكتاب الحديث بدولة الكويت.
(٢) وكانت أيضًا هناك خلافة أخرى منافسة للخلافة العباسية في الأندلس وهي خلافة بقية الأمويين، وقد أسسها عبد الرحمن الداخل المُلقَّب بصقر قريش.
[ ٦ / ٦٤٤ ]
من تُسوِّل له نفسه من بقية هذه القبائل القيسية المتمردة، التي جُبلت على الغزو والنهب والسلب وشَنَّ الغارات وزرع الفوضى وإثارة القلاقل في شبه الجزيرة العربية، إلى جانب ما لعبته من دور هام في مؤازرة القرامطة الذين أنشأوا دولة في شرق الجزيرة خارج سلطان الخلافة العباسية (^١)، وقد كانت هذه القبائل الساعد القوي لهؤلاء الرافضة، الذين دأبوا في تمزيق كيان الدولة العباسية، ونشر الرعب والفزع في ربوع البلاد العربية، قرابة قرن ونصف قرن من الزمان.
وذاع الأمر في بلاد العرب عن هُتيم الكلابيين من بني عامر، وارتبط في وقتئذ في ذهن الجميع - خطأ - أن هُتيم هم القرامطة أهل الفساد في الأرض، وهم سُرَّاق الحجر الأسود من الكعبة المُشرَّفة، وهم قادة وأدلة وسيوف ابن قرمط المسلولة على رقاب العباد، وإلَّا لماذا حكم عليهم أمير عسير بكل قسوة بهذا الحكم الغريب والعجيب والخطير، من لبس الملابس السوداء وعدم ركوب الإبل والخيول واستبدالها بركوب الحمير حينًا من الدهر؟
وقد كان أثر هذا الحكم الجائر مريرًا على بني هُتيم، وأقول: جائر وشاذ وزره على هذا الأمير يوم القيامة؛ لأنه حطَّ من شأن عرب عدنانيين أقحاح - من ذرية نبي الله إسماعيل - ﵇. وعن فعال هُتيم مع القرامطة في غزو عسير أو غيرها، فهم لم يفعلوا شيئًا أعظم عند الله ممن فعله قبلهم من العرب المسلمين، ومن عهد النبي - ﷺ - فقد تنبأ - أي ادعى النبوة - بعض الأشخاص كمُسَيلمة الحنفي في اليمامة والأسود العنسي في اليمن وطُليْحة الأسدي وسجاح التميمية في نجد، وقد تبعهم بعض القبائل والبطون العدنانية أو القحطانية فلم يأمر النبي - ﷺ - بمقاطعة هذه القبائل أو التشنيع عليها، ولما انتقل ﵊ إلى جوار ربه بقي هؤلاء واستفحل أمرهم بعد أن ارتدت معظم قبائل العرب عن الإسلام، وقد قاتلهم الصدِّيق - ﵁ - بكل جسارة وصدق إيمان، وقال قولته المشهورة: "والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله - ﷺ -، لقاتلتهم عليه حتى يؤدونه بعد وفاته". وانطلقت جيوش المسلمين يقودهم سيف الله المسلول - خالد بن الوليد - وانقضوا على المرتدين وهزموهم
_________________
(١) بعد قيام أمر القرامطة ونجاحهم في تكوين دولتهم قد شجَّع معظم الأقاليم في الانفصال عن العباسيين مثل ابن بويه في فارس وابن طباطبا من الأشراف في اليمن وسيف الدولة الحمداني التغلبي ومن بعده ابن مرداس الكلابي في حلب وابن طولون ومن بعده الإأخشيد في مصر، حتى جاءت الدولة الفاطمية واستولت على مصر والشام قادمة من بلاد المغرب.
[ ٦ / ٦٤٥ ]
شر هزيمة، وقُضي على هذه الفتن العظيمة … وهنا لم يُشنِّع الخليفة أبو بكر - ﵁ - بأي قبيلة أو عشيرة من هؤلاء المرتدين، رغم هذا الذنب العظيم الذي اُقترف من قبل هذه القبائل من حيث دخولها في مرحلة الكفر بدين الإسلام، وقد عفا عنها الصدِّيق بعد أن عادت لحظيرة الإيمان، حتى ذاك المتنبي طليحة الأسدي الذي نجا من الموت في عهده، وقد عاد إلى الفاروق عمر - ﵁ - تائبًا، فلم ينله غير التأنيب (^١) في قتل الصحابي الجليل عكاشة بن محصن - ﵁ - أثناء حروب الرِّدة على قبيلتي أسد وغَطَفَان.
ثم تأتي الفتن على العرب المسلمين مرة أخرى كقطع الليل في مقتل الخليفة عثمان ابن عفان - ﵁ - من قبل المتآمرين بقيادة قبيلة بني تُجيب الكندية في مصر .. وهنا أيضًا بعد ثبوت هذه الجريمة الشنعاء على هذه القبيلة القحطانية، ورغم ذلك لم يُشنَّع بها مثل هُتيم؟ والذنب أفظع في قتل خليفة المسلمين الراشد عثمان ذي النورين، وما أدراك ما عثمان الذي تستحي منه الملائكة، واحد العشرة المُبَشَّرين بالجنة.
ثم كم وكم من الأحداث الجسام بين قبائل العرب في عهد الإسلام، وما وقع من فتن عظيمة بين الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه، ومن معه من قبائل العرب وهو إذ ذاك خليفة للمسلمين، وبين معاوية بن أبي سفيان المعارض له المدَّعي بحقه في الخلافة وريثًا لعثمان بن عفان الأموي ومناديًا بثأره.
وقد نشب أولًا القتال بين الإمام علي وبين قوات طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسرعان ما هُزمت من الإمام علي، وقد قُتل طلحة من جراء هذا القتال. أما المعارك بين الإمام علي وبين معاوية فكانت سِجال نظرًا لجيوش الشام التي كانت تحت إمرة معاوية وقتئذ، وقد انتهت الفتن بانتهاء هَذه الأحداث الرهيبة بمقتل الإمام علي بن أبي طالب - ﵁ - في العراق من قبل الخوارج، وقد نجا معاوية وعمرو بن العاص من القتل .. وهنا أيضًا لم يُشنَّع بهذه الفئة من العرب مثل ما صار لهُتيم، رغم الجُرم العظيم والرهيب من قتل خليفة المسلمين الراشد وصهر النبي الكريم - ﷺ - وابن عمه الذي نام في فراشه ليلة الهجرة مُعرِّضًا نفسه للخطر الداهم الذي يتربَّص بالنبي من كفار قريش .. علي الذي قال فيه النبي - ﷺ -. "أنا مدينة العلم وعلي بن أبي طالب بابها" وقيل أيضًا فيه: لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار (سيف رسول الله - ﷺ -).
_________________
(١) قال له عمر - ﵁: أقتلت الرجل الصالح عكاشة بن محصن؟ وعكاشة بن محصن من بني أسد أيضًا وكان حليفًا لقريش.
[ ٦ / ٦٤٦ ]
ثم يأتي العصر الأموي وما جرى فيه من مذابح عظيمة وسفك دماء غزيرة للمسلمين في بيت الله الحرام، ورمي الكعبة بالمنجنيق والنيران، وقتل عبد الله بن الزبير ابن العوام إلخ من الجرائم التي يندى لها الجبين من قبل العرب المسلمين، من هتك أعراض مئات الفتيات الأبكار في المدينة النبوية من قبل عساكر الأمويين، إلى قتل آلاف البشر من أمة العرب المسلمين على يد سفاحيهم في الحجاز والعراق مثل الحجاج الثقفي، وكانت أعظم جرائم الأمويين هي قتل الإمام الحسين - ﵁ - مع ستين من آل البيت (من بني عبد المطلب)، وخدش حياء نساء بيت النبوة وإهانتهن على أيدي بعض الأفراد من عدة قبائل، قد انجرفوا وراء اليزيد بن معاوية كي يُثبِّتوه في الخلافة، وقد نجحوا والثمن هو سفك دماء آل البيت على رأسهم سيد الشهداء الإمام الحسين - ﵁ - في كربلاء بأرض العراق .. وهنا لم يُشنِّع العرب بأي شخص أو عشيرة أو قبيلة شاركت في هذه المأساة المروِّعة المخزية والرهيبة والتي غضب لها عرش الرحمن. حقًّا وصدقًا فقد كان هؤلاء أولى بالتشنيع والمقاطعة من المجتمع العربي والإسلامي، وأين لفعال بني هُتيم وغزوهم لعسير من جريمة هؤلاء الطغاة الذين أسقطوا الشفاعة عن أنفسهم من رسول الله - ﷺ - يوم الحشر، وكيف أن تكون لهم شفاعة من نبيهم أو رحمة من مولاهم ﷿، وقد آذوا نبيهم في أهل بيته وذريته الطاهرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وبعد سرد هذا المختصر من أحداث العرب في عهد الإسلام، وما كان فيها من فتن
وآثام قبل عهد القرامطة أو بالتحديد قبل ما وقع لهُتيم، أكرر ثانية وأقول: إذن بكل
تأكيد نعم فهذا الحكم الجائر على هذه القبيلة الهوازنية العريقة، وأصلها من خيرة مُضَر،
ومن أعظم قبائل العدنانية لا ريب في ذلك، ورغم شرف نسب عرب هُتيم وحسبهم بين العرب، إلا أن حُكم أمير عسير المذكور قد سبب لهم الازدراء من عموم قبائل العرب، فضَعُف حالهم وتفرقوا في الجزيرة العربية وخارجها، واختلطوا ببعض القبائل أو دخل بعضهم فيها وحسبوا منها بمرور الزمن. وأهم نتائج هذه الوقعة المؤلمة والظالمة علي بني هُتيم، أن امتنعت قبائل العرب عن مصاهرة هذا الحي، وقد فُرضت عليهم مقاطعة قاسية لا يرضاها الله ﷾ على أي مسلم يقول: لا إله إلا الله، ولم يأمر بها المصطفى - ﷺ - كما يتوهَّم البعض؛ لأن بني هُتيم هؤلاء في زمن النبي كانوا مجرد عشيرة صغيرة من عمرو بن كلاب من بني عامر بن صعصعة (هوازن)، ولم يُذكر في التاريخ النبوي لابن هشام المعافري اليماني أو لابن إسحاق شيئًا يمس بني هُتيم من
[ ٦ / ٦٤٧ ]
قريب أو من بعيد، وحتى بعض بطون العرب التي دعا عليها النبي ﷺ - أو حاربها، لم تكن هُتيم منها إطلاقًا، وهذه البطون من قبائل العرب عندما دخلت في الإسلام عفا عنها - ﷺ - بل قرَّبها إليه.
وهنا لنا وقفة من موضوع المقاطعة مع هُتيم من قبائل العرب - أي امتناع هذه القبائل من مصاهرة بني هُتيم، سواء أخذ نسائهم أم تزويج رجالهم. فنقول: إن هذه المقاطعة الفريدة على عرب ومسلمين (؟!)، تشبه مقاطعة بني هاشم من قبيلة قريش وتحريضها لقبائل العرب في الجزيرة على ذلك بصفة عامة، وقد نفذوا هذه المقاطعة عدة سنوات بعهد مكتوب في صحيفة علَّقوها في جوف الكعبة، وكانت تنص على عدم مصاهرة هذا الحي - بنو هاشم - لا يُنكحونهم ولا يَنكحون منهم، إلى جانب عدم المتاجرة سواء بالبيع أم بالشراء مع أفراد هذا البطن من قريش، وأراد الله ﷾ أن يظهر كرامته لنبيِّه محمد بن عبد الله الهاشمي - ﷺ -، فأوحى إليه أن الله تعالى قد سلَّط الأرضة على الصحيفة، فأكلتها وأكلت كل ما فيها من قطيعة للرحم والقربي والظلم والجور علي بني هاشم والمسلمين، ولم يبق في الصحيفة سالمًا إلا (باسمك اللهم)، فلما تبيَّن الأمر لعقلاء قريش أخرجوا الصحيفة قهرًا عن أبي جهل وحزبه، وأنهوا تلك المقاطعة الظالمة، وسار المعاندون والمشركون بعد أن زادهم ذلك شرًّا وغيظًا إلى طريق آخر للكيد للرسول - ﷺ - والسعي إلى قتله - كما هو معروف - ويأبى الله إلا أن يظهر دينه وينصر نبيه، ويُبطل كيد الغادرين.
ولو نظرنا إلى هذه المقاطعة القاطعية علي بني هاشم - رهط النبي المختار - ﷺ - لوجدنا أنها أقوى من مقاطعة بني هُتيم؛ لأنها علي بني هاشم لا تتضمن عدم المصاهرة معهم فحسب، ولكنها تتضمن عدم المتاجرة والتي لو استمرت لكانت ستؤدي ببني هاشم إلى الموت جوعًا.
وهنا فهذه المقاطعة علي بني هاشم والتي قررتها قبيلة قريش عليهم ليست بسبب وضاعة في الأصل، كلا فبنو هاشم من أشرف وأوسط قريش نسبًا، كما أنها أيضًا ليست بسبب سوء الخصال أو فعل القبيح، كلا - وحاشا لله - أن يوصم الهاشميون بذلك، وقد شرَّفهم المولى ﷿ واختارهم سبحانه من خيرة بني عدنان ومن قُرعة بني إسماعيل (من قريش) ليخرج المصطفى الهادي الأمين منهم ويُنسب إليهم.
[ ٦ / ٦٤٨ ]
إذن فهذه المقاطعة إنما هي قائمة على أسباب تمس الدين والعقيدة التي أُرسل النبي - ﷺ - لتغييرها لأنها باطلة، ورغم هذا اعتبر كفار ومشركو قريش - وفتئذ - أن المساس بهذه العفيدة مصيبة كبرى وكارثة عظمى، وفعلوا من أجل التمسك بها الأفاعيل، وسلكوا كل درب كي يقضوا على دين الحق الذي جاء به النبي - ﷺ -، ومن بين هذه الدروب التي سلكوها هي تلك القاطعة الظالمة مع بني هاشم. وكذلك أيضًا فمقاطعة القبائل العربية لقبيلة هُتيم من حيث عدم مصاهرتها - رغم عدم مشروعية هذه المقاطعة - فهي لأسباب دينية في الأصل، وذلك بسبب انجراف هذه القبيلة مع القرامطة حتى بعد تفرُّق معظم قبائل قيس عيلان عنهم في العقد الثامن من القرن الرابع للهجرة. والقرامطة أرادوا العبث بقبلة الإسلام وتجرأوا عليها؛ بأن انتزعوا الحجر الأسود من جوف الكعبة عنوة وقهرًا، وقد كانوا بذلك الجُرم العظيم في رأي جماعة المسلمين في جميع الأمصار، كفار متزندقين، منذ أن ظهروا بالفساد في بلاد الإحساء عام ٢٨٦ هـ (^١)، وحتى انتهى أمرهم وقطع الله دابرهم من جزيرة العرب (^٢).
_________________
(١) انظر تاريخ الطبري ج ٥ ص ٦٣٠، وقال الطبري: كان ظهور أمر القرامطة في بلاد البحرين -يعني الإحساء- على يد أبي سعيد الجنابي، فانضم إليه عدد من قبائل العرب من بني سُلَيم وبني هلال وغيرهم، وذكر ابن خلدون قبائل أخرى من هوازن وخاصة من عامر بن صعصعة مثل كلاب وعُقيل.
(٢) والظاهر أن انتهاه أمر القرامطة قد كان تدريجيا، ويرجح في العقد السابع من القرن الخامس الهجري بعد غزو عسير بنصف قرن. وكان أول من هزم جيوشهم في الشام العزيز بالله الفاطمي، ثم توالت عليهم الهزائم في عقر دارهم من الأصفر في بلاد البحرين، وكان ذلك ما بين عامي ٣٦٥ هـ و٣٨٧ هـ. وفي الكامل في التاريخ لابن الأثير ج ٩ ص ٥٨، ٥٩ أن الأصفر قد تمكن من القرامطة في بلاد البحرين (الإحساء والقطيف) في عهد العزيز الفاطمي الذي حكم مصر من سنة ٣٦٥ هـ إلى سنة ٣٨٦ هـ. قلت: وقول ابن الأثير هنا لا يعني أن القرامطة قد انتهوا تمامًا بل يعني أنهم هُزموا لأول مرة في عقر دارهم، بعد أن هُزموا في بلاد الشام على يد العزيز بالله، الذي نقل أشياعهم من سُليم وهلال إلى مصر في أواخر القرن الرابع للهجرة. وفي كتاب علي بن مقرب العيوني (ص ٤٥) أكد الدكتور علي بن عبد العزيز الخضيري أن أمر القرامطة لم ينته حتى حلول عام ٤٦٧ هـ في منطقة القطيف بشرق الجزيرة العربية، وكانت لهم قوة ظلت تهدد حكم العيونيين من عبد القيس لهذه المنطقة، وأوضح أن العيونيين قضوا على بقايا القرامطة بمساعدة الإمدادات التي أتتهم من الحجاز عام ٤٦٧ هـ. ومن نصوصه أن قال الخضيري: "إلى المهاجر خالد بن خالد بن الوليد ينتسب العمائر أحد فخوذ بني خالد الرئيسي في منطقة القطيف، فقد وفدوا على منطقة القطيف عام ٤٦٧ هـ ضمن الدعم الذي أرسل للعيونيين - ضد القرامطة - من الحجاز، وما أن وصلوا حتى انتشروا في المنطقة ورعوا في باديتها وتسلموا من العيونيين أمر خفارتها. (انتهى).=
[ ٦ / ٦٤٩ ]
وألفت النظر هنا إلى نقطة هامة، وهي أن أهم شيء حينذاك قد ثبَّت هذه المقاطعة على قبيلة هُتيم أو نبذها في أوساط المجتمع القبائلي، هو وقوعهم في مأزق التمثيل والتشنيع فترة من الزمن، من لبس ملابس سوداء وركوب الحمير بدلًا من الإبل والخيول، فأصبحت هذه العقوبة العجيبة والفريدة حُجَّة عليهم من الناس في وقتها، واستمرت عبر الأجيال العربية متناقلة على علَّاتها، بل وقد صارت مع الوقت وبمضي الزمن هذه الكلمة أو هذا الاسم (هُتيم) يرمز إلى سُبَّة في الأصل ووضاعة في النسب. وهذا خطأ فادح وظلم كبير على هذا الحي من العرب، وخاصة على تلك الأجيال التي تناسلت من ذرية هُتيم بن عوف ولا ذنب لهم ولا جُرم، فإنما هي أُمة قد خَلَت، وكما أخبرنا دستورنا السماوي (القرآن الكريم): "أنه لا تزر وازوة وزر أخرى"؛ إذن فما ذنب الأجيال المؤمنة من بني هُتيم فيما اقترفه أجدادهم منذ ألف عام؟
_________________
(١) = كما ذكر الباحث السعودي المعاصر أبو عبد الرحمن الظاهري في كتاب أنساب الأسر الحاكمة في الإحساء (ص ١٧٣) بقاء حكم القرامطة في بلاد البحرين والقطيف حتى عام ٤٦٧ هـ قائلًا تحت عنوان "علاقة بني عامر بالعيونيين": قال الدكتور الحميدان: (لقد تلا الأحداث التي أشرنا إليها سابقًا والتي هي مؤشر على ضعف وتداعي قوة القرامطة قام عبد الله بن علي العيوني الذي ينتمي إلى عبد القيس بمحاولته الناجحة في إنهاء حكم القرامطة من بلاد البحرين مستعينًا بسلطان السلاجقة أبي الفتح ملك شاه الذي أرسل له قوة كبيرة بقيادة أرتق بك، فتم له انتزاع القطيف أولًا من ابن عياش عام ٤٦٧ هـ / ١٠٧٧ م وأقام حكومة فيها تدين بالتبعية للخلافة العباسية في بغداد. (انتهى قول الدكتور الحميدان)، وأضاف الظاهري نقلًا عن التحفة النبهانية ٩٦ - ٩٨، وتحفة المستفيد ١/ ٩٨ - ١٠٠: ومما هو جدير بالملاحظة أن بني عامر وقفوا إلى جانب القرامطة في محنتهم هذه فقاتلوا جنود العباسيين، كما قاتلوا جنود عبد الله بن علي العيوني، وقام سلطة العيوني الجديدة في بلاد البحرين لم تمنع بني عامر من محاولة فرض نفوذهم عليهم ومطالبتهم بأن يدفعوا لهم العوائد والجرايات مثلما كان يدفع لهم القرامطة مقابل الحماية أو الخفارة للقوافل التجارية. (انتهى). وفي تاريخ ابن لعبون أيضًا ذكر بقاء حكم القرامطة حتى عام ٤٧٠ هـ في بلاد البحرين (الإحساء والقطيف) إذ قال. "ولم يزل ملكهم - أي القرامطة - حتى قام لحربهم عبد الله بن علي بن محمد بن إبراهيم العيوني العبقيسي جد الأمراء العيونيين، فقام بأربعمائة رجل على القرامطة ومن معهم من الأزد واليمن وعامر بن صعصعة خفرة البحرين والقطيف فحاربهم سبع سنين حتى انتزع المُلك منهم ومن اليمن وعامر، واستأصل عامرًا وغنم أموالهم وذراريهم ولم ينج في رجالهم إلا رئيسهم أحمد بن مسعر وأبو فراس بن الشباش، وبعد ذلك من على الحريم والذراري وسيِّرهم إلى عُمان، وكان القرامطة يومئذ في ثمانين أميرًا، وكان ذكور خيل بني عامر ومن معهم من قيس عيلان تبلغ ألفًا وإناثها أكثر. وأضاف: وكان مُلك عبد الله بن علي للإحساء عام ٧٤٠ هـ. (انتهى). قلت: وهذه السنة هي التي قطع الله فيها دابر القرامطة وقد انتهى أمرهم، ولا يعني ذلك انتهاء نفوذ بني عامر بن صعصعة في شرق الجزيرة العربية الذين أصجوا سادة البادية بعد عام ٤٨٣ هـ كما أكده المؤرخون مثل ابن الأثير والشريف الإدريسي وابن خلدون، وهي القبائل التي لم تنزح مع بني هلال وهوازن إلى مصر وبلاد المغرب.
[ ٦ / ٦٥٠ ]
وهل أن بني هُتيم هم فقط الذين ساعدوا القرامطة في سرقة الحجر الأسود من جوف الكعبة، وقتل الحجاج في الحرم، ونشر الفتن والحروب وسفك الدماء بين المسلمين حينئذ؟ كلا، فقد ساعد القرامطة في ذلك قبائل عدة من قيس عيلان، أو غيرهم من القحطانية وخاصة في اليمن وعُمان، ولكن سوء الحظ، أو قَدَرهم أن جعلهم حاكم عسير عِبرة دون سواهم من القبائل وقتئذ، فأصبح اسمهم مبغوضًا عند العرب من جراء ما فُعلَ بهم.
وقد جاء في شعر ابن مقرب العبقيسي المتوفى عام ٦٢٩ هـ، وهو دليل على ما صار إليه حال عرب هتيم، لفترة ليست بالطويلة، من الضعف والاستكانة؛ يقول ابن مقرب:
فإن هُتيمًا لو حوت مال طيئ … هُتيم فلا يغررك طيف خيال
سترجع فيما عودت لحميرها … وتحريق أشنان وخصف نعال
قلت: ويعني ابن مقرب هنا في شعره بهذين البيتين: أن هُتيمًا بعد ضعفهم - قرابة قرنين من الزمان - قد دبَّت فيهم القوة، وهو يستكثر عليهم ذلك بقوله: فلا يغررك طيف خيال؛ أي هذا الأمر وهم وسراب يحسبه الظمآن ماء، ثم يُبشِّر لهم بالعودة إلى ما كانوا عليه مرة أخرى، بركوب الحمير وخصف النعال (^١) ليُنقَّذ فيهم حُكم أمير عسير الغابر، والذي قصم ظهرهم عام ٤٢٠ هـ، بعد أن عربدوا مع القرامطة وسفكوا دماء العرب والمسلمين في طول الجزيرة العربية وعرضها، وحاولوا النَيْل من قبلة المسلمين في البيت الحرام.
ويُعلِّق الباحث السعودي المعاصر الشيخ أبو عبد الرحمن الظاهري عدى قول ابن مقرب السالف قائلًا (^٢):
إن هُتيمًا كانت قبل عهد ابن مقرب لا تستنكف عن الحرف والأعمال التي تترفع عنها القبائل العريقة، ولعلَّها من أهم الأسباب التي وضعت هُتيم في أعين العرب الآخرين، فقد كان العرب يُعيِّرون سكان اليمن - رغم أنهم عرب قحطانيون أقحاح - بأنهم بين ناسج بُرد ودابغ جلد. (انتهى).
_________________
(١) ذم هذا الأمر في الشرع والدين حرام، فقد جاء في الحديث الشريف عن النبي - ﷺ - أنه كان يخصف نعله ويحلب شاته ويركب الأتان - أي الحمار -، وقد أُهدي للنبي - ﷺ - من المقوقس صاحب مصر - حمارًا - يُسمى يعفورا، وكان من جملة هداياه للنبي - انظر الخطط للمقريزي ص ١٥٤.
(٢) انظر مسائل من تاريخ الجزيرة العربية - أبو عبد الرحمن الظاهري - طبعة ثالثة.
[ ٦ / ٦٥١ ]
قلت: ومن سياق هذا القول يتضح لنا أن نظرة العرب لهُتيم منذ ذلك العهد القرمطي بعد ضعفهم، ليس بسبب وضاعة أصولهم أو جهل أنسابهم، وهذا لا شك أنه مثبوت ومعروف في التواريخ القديمة، وبعضه أشعار مشهورة لفحول الشعراء، وقد أبرزنا بعض هذه النصوص سالفًا، والأرجح أن بني هُتيم قد احترفوا بعض الحرف التي لا تفعلها قبائل العدنانية، وهذه كانت فترة ضعف مروا بها قرابة قرنين، أما القبائل التي لم تتعرض لصفعة قوية من الحكام ولم يُشنَّع بها مثل ما فُعل بهُتيم، فقد ظلت عزيزة مُهابة في شبه الجزيرة العربية، حتى بعد أن شاخت وهرمت.
وأقولها كلمة صدق وحق، فمن جهة أصالة عرب هُتيم فهم أكثر صراحة في نسبهم من بعض قبائل العرب الآن، والتي نرى بعض أفراد هذه القبائل يزهو ويفتخر بأصله لقبيلة كذا أو كذا، ولو دققنا البحث لوجدنا هذه القبائل مُذبذبة بين قحطان أو عدنان، أو أنها غير مؤكدة الانتماء لكلاهما! (^١).
وقد ضيَّع كثير من العرب أصولهم وأنسابهم لأسباب عدة من بينها الحُمق، - والحُمق داء ما له دواء - واعتبروا أي قبيلة لمجهل أصولها هي من هُتيم، وهذا خطأ جسيم. ونرى بعض الفبائل العربية تسخر من بعض القبائل العربية الأخرى وتُطلق عليها هُتيم أو هُتمان، جهلًا منها بمعنى هذه الكلمة، والتي هي في الحقيقة اسم عربي عادي، من قبيلة عدنانية مشهورة، وقد كان هُتيم أبًا لفارسين وبطلين سجلهما الشعر العربي في المعارك الشهيرة في التاريخ الجاهلي كما تقدم.
وعرب هُتيم هم في الحقيقة أكرم محتدًّا وأطيب أعراقًا وأصرح نسبًا، فقد خسئ ورب الكعبة من زعم أن هُتيما ما عندهم أصل، فهذا كله جهل ووهم باطل لا أساس له من الصحة.
ولا ندري كيف ومتى جُعلت كلمة (هُتيم) سُبَّة للأصل - وهم من أحسن العرب أصلًا -؟!
وهُتيم هو جدُّ هذه القبيلة، كانا ابناه فارسين مغوارين، يقودان بني كلاب وسائر
_________________
(١) ولا أريد هنا ذكر الأمثلة عن العديد من القبائل والبطون، فإن هدفي ليس الطعن بالأنساب، وإنما تأكيد الأنساب وبيان المجهول، وإظهار الحق للناس، إن شاء الله، وأرجو أن يكتبها لي مولاي ﷿ في موازين حسناتي يوم الجزاء.
[ ٦ / ٦٥٢ ]
بني عامر بن صعصعة كلها في الحرب والطعان ضد القبائل، حتى قتلتهما بنو ضبَّة في يوم دارة مأسل، وقد هُزمت كلاب بعد قتلهما.
وإن ما قرن هُتيم أو غيرها من القبائل، بعدم الأصل أو وضاعة النسب، فليتبوأنَّ مقعده من النار، وهذه الفرية اختلقها ودسَّها بالباطل الشيطان للحكام في عهد الدولة العباسية، وأصبح اسم هُتيم فيما بعد سلاحًا في أيدي الحُكَّام، فيما بعد دولة بني العباس من مماليك وشراكسة وأتراك لا يمتون للعروبة في شيء، وهكذا كانت بالباطل هذه الكلمة سُبَّة للأصل، شائعة عند قبائل العرب في شبه الجزيرة العربية وخارجها، يطعنون بها في أحسابهم، ويغمزون بعضهم البعض في أنسابهم، كما أصبح يضرب بعضهم رقاب بعض، وقد عادوا للجاهلية الأولى، وبدعوا الضلالات، وروجوا الإشاعات.
وقال نبينا الكريم عليه أفضل الصلوات والتسليم: "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". صدق رسول الله - ﷺ -، ونعوذ بالله من الجحيم.
وكل ما حدث ويحدث بين العرب من طعن في الأنساب بدون حق، ومن إراقة الدماء ونهب الأموال، قد فكك أوصال الأمة، وآل بها إلى الضعف والهوان بين الأمم والشعوب، وأصبحنا لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وكما أخبرنا رسولنا الهادي الأمين، عن أمتنا في آخر الزمان بعد تركها الحبل المتين من التمسك بالشرع والدين؛ قال - ﷺ -: "ستصبحون غثاءً كغثاء السيل، قالوا: عن قلة يا رسول الله، قال: لا، بل عن كثرة حينئذ" صدق رسول الله ﵊.
كيف لا؟ ونحن نقر ونؤمن بأشياء ما أنزل الله بها من سلطان وأنزل علينا قرآنًا وأعطانا آيات كريمة تُحذِّرنا. حيث قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ (^٢).
وقال تعالى أيضًا: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (^٣) صدق الله العظيم.
وقال رسولنا الكريم - ﷺ -: "المسلم أخو المسلم، ماله ودمه وعرضه حرام عليه".
_________________
(١) آية ١١ من سورة الحجرات.
(٢) آية ١١ من سورة الحجرات.
(٣) آية ١٢ من سورة الحجرات.
[ ٦ / ٦٥٣ ]