إن أول من قال بهذا هو المصعب بن عبد الله بن المصعب الزبيري، المولود سنة ١٥٦ هـ المتوفى سنة ٢٣٦ هـ.
حيث قال بانقراض ولد خالد بن الوليد، وأنه لَمْ يبق منهم أحد، وأنه ورث دارهم بالمدينة أيوب بن سَلَمَة (^١).
وكان من استعمل رواياته في الأنساب ابن أخيه الزبير بن أبي بكار المُسمّى بكار ابن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، الذي ألف كتابًا في الأنساب بعنوان كتاب عمه (نسب قريش وأخبارهم) (^٢).
ونقل هذا القول عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (^٣) معتمدًا على ما نسب للمصعب الزبيري، وما جاء عن ابن حزم، وكان ابن حزم قد أخذ كثيرًا مما نسب للمصعب الزبيري، وقال عند كلامه عن أولاد خالد بن الوليد ما نصه: (فولد خالد بن الوليد: المهاجر، وعبد الرَّحمن، ولي الجزيرة، وشهد صفين مع معاوية، وعبد الله قتل بالعراق: أمهم بنت أنس بن مالك بن مدرك النخعي. وسليمان وبه كان يُكنَّى. فولد عبد الرَّحمن بن خالد المهاجر، وولد المهاجر خالد. روى عنه الزهري. وكثر ولد خالد بن الوليد حتى بلغوا نحو أربعين رجلًا كلهم بالشام، ثم انقرضوا كلهم في طاعون وقع، فلم يبق منهم عقب) (^٤).
وجاء بعد هؤلاء آخرون مثل الحمداني، الذي نقل عنه القلقشندي (^٥) هذا القول، وادعى الإجماع من النسَّابين عليه. ولكنه قال في الرواية الأخرى عنه: (وخالد عرب
_________________
(١) كتاب نسب قريش ص ٣٢٨.
(٢) المصدر السابق ص ٦.
(٣) التبيين في أنساب القرشيين ص ٣١٠، ٣١٢.
(٤) جمهرة أنساب العرب ص ١٤٧ - ١٤٨.
(٥) نهاية الأرب ص ٢٢٦، ٢٢٧.
[ ٦ / ٤٤٦ ]
حمص، وخالد من عرب الحجاز يدعون أنهم من عقبه -ثم قال الحمداني:- ولعلهم من سواهم من بني مخزوم، فهم أكثر قريش بقية، وأشرفهم جاهلية) (^١) ا هـ. وهذه العبارة يفهم منها تردده في هذه المسألة بقوله: (لعلهم).
واستمر عدد من النسَّابين، والمؤرخين غير المحققين في نقل ذلك مثل ابن الأثير الموصلي (^٢) وابن فضل الله العمري (^٣)، ولم يقتصر الأمر على القول بانقراض ذرية خالد ابن الوليد، بل إن محمود شكري الألوسي (^٤) قد تجاوز القول بانقراض ذرية خالد بن الوليد إلى القول بأن خالد بن الوليد لَمْ يعقب ولدًا، وزعم إجماع النسَّابين والمؤرخين على ذلك.
وقبل الرد على هذه الأقوال فإنها تجدر الإشارة إلى أنه يوجد بين آل الزبير بن العوام - ﵁ - وبين آل خالد بن الوليد ضغائن، وإحن، ومن أسبابها:
١ - شعور آل الزبير بالإهانة من آل خالد بسبب لمز خالد بن عبد الرَّحمن بن خالد ابن الوليد لعروة بن الزبير بعد ثأر آل خالد في عبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد بقتل ابن أثال الذي دس السم لعبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد ومات بسببه بعد تعبير عروة لخالد ابن عبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد بقوله: ما فعل ابن أثال؟ حيث سافر خالد بن عبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد إلى الشام على أثر ذلك وقتل ابن أثال ثم عاد من الشام إلى المدينة وجلس بجانب عروة، وعندما سأله عروة مكررًا عليه سؤاله السابق، أجابه خالد بقوله: كفيتك ابن أثال، ولكن ما حال ابن جرموز - يقصد أن ابن جرموز قد قتل الزبير بن العوام والد عروة ولم يأخذ آل الزبير الثأر فيه (^٥).
_________________
(١) قلائد الجمان ص ٢٤٥.
(٢) اللباب ج ٣ ص ١٤٣.
(٣) مسالك الأبصار ص ١٤٣.
(٤) المسك الأذخر ص ٢٤٨.
(٥) تاريخ الأمم والملوك ج ٥ ص ٢٢٧، البداية والنهاية ج ٨ ص ٣١.
[ ٦ / ٤٤٧ ]
ب - أن الجمانة بنت المهاجر بن خالد بن الوليد نظرت إلى: عبد الله بن الزبير وهو يرقى المنبر يخطب في يوم جمعة فقالت حين رأته رقى المنبر: أيا نقار، يا نقار (^١)، أما والله لو كان فوقه نجيب من بني أمية، أو صقر من بني مخزوم، لقال المنبر: طيق طيق (^٢). فأني كلامها إلى عبد الله بن الزبير فبعث إليها فأتي بها، فقال لها: ما الذي بلغني عنك يا لكاع؟ قالت: الحق يا أمير المؤمنين. قال: فما حملك على ذلك؟ قالت: لا تعدم الحسناء ذاما، والساخط ليس براض، ومع ذلك فما عدوت فيما قلت لك أن نسبتك إلى التواضع والدين، وعدوك إلى الخيلاء والطمع، ولئن ذاقوا وبال أمرهم لتحمدن عاقبة شأنك، وليس من قال فكذب كمن حدث فصدق، وأنت بالتجاوز منك جدير، ونحن للعفو منك أهل، فاستر على الحرمة تستتم النعمة، فوالله ما يرفعك القول ولا يضعك، وإن قريشًا لتعلم أنك عابدها وشجاعها ولسانها، حاط الله دنياك، وعصم أخراك، وألهمك شكر مولاك (^٣).
والشاهد من هذا أن الجمانة صرحت لابن الزبير بعداوة قومها له في قولها بأنها نسبت عدوه إلى الخيلاء، وذكرها للسخط وهو من العداوة.
ج - أن خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد لما دخل مع بني هاشم الشعب اضطغن ذلك ابن الزبير عليه فالقى عليه زق خمر وصب بعضه على رأسه، وشنع عليه أن وجده ثم من الخمرة فضربه الحد (^٤).
د - أن آل خالد بن المهاجر على مذهب أبيهم المهاجر بن خالد بن الوليد في محبة
_________________
(١) النقر وهو بالفتح اضطراب اللسان، وبالكسر مراجعة في الكلام، والمراد أنَّها تعرض بعبد الله وأنه ليس بالخطيب الذرب اللسان.
(٢) طبق حكاية صوت الحجر، والمراد أنه ضعيف لا يملأ فراغ المنبر ولو كان غيره خطيبا من بني أمية أو بني مخزوم لاهتز المنبر منه.
(٣) أعلام النساء لعمر رضا كحالة ج ١ ص ١٧٠.
(٤) شخصيات الأغاني ص ١٩٥، جمهرة النسب لابن الكلبي، تحقيق الدكتور ناجي حسن ص ٨٨ ط الأولى. قلت: لَمْ أتحقق من صحة هذا القول.
[ ٦ / ٤٤٨ ]
آل هاشم، ومن ثم فإنهم يبغضون عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير - الذي هو والد المصعب الزبيري - لتحامله على آل البيت، ولكونه من شرار النّاس (^١).
مما تقدم يتضح وجود الأسباب التي أفضت إلى العداوة بين آل خالد بن الوليد وبين آل الزبير بن العوام بصفة عامة، وبين آل خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد وبين آل الزبير بصفة خاصة. والعداوة تورث، والعدو لا تقبل شهادته على عدوه فضلًا عن خبره عنه. إضافة إلى أن كتاب (نسب قريش) المنسوب للمصعب الزبيري، هو رواية عاشت في الأندلس، قيل بأنه رواها ابن أبي خيثمة عن مصعب (^٢). هذا، ومن تتبع القول بانقراض العقب الخالدي، والقول بإجماع النسَّابين والمؤرخين على ذلك، ظهر أن ابن فضل العمري قد أخذه عن الحمداني وهو بدر الدين أبو المحاسن يوسف بن أبي المعالي ابن زماخ المعروف بابن سيف الدولة الحمداني، وأن ابن فضل الله العمري قد استقى معلوماته عن القبائل، والبطون، ومناطق انتشارها من المهمندار المعاصر لأواخر الدولة الأيوبية وأوائل الدولة المملوكية وهو (الحمداني) المذكور، وأنه اعتمد أيضًا على الحمداني كل من: القلقشندي، والمقريزي في معلوماتها عن القبائل وأنسابها، وأن القلقشندي ينقل أيضًا عن العمري الذي ينقل عن الحمداني (^٣). وأن العمري ليس بنسابة، ولا بمؤرخ، وإنما هو من المشتغلين في علم الجغرافيا (^٤). أما القلقشندي، والمقريزي فإنهما من المؤرخين والنقلة للأنساب لا من المحققين فيها.
وتبعًا لهذا فإن من أسباب كثرة أخطاء النسَّابين، والمؤرخين اعتمادهم على أقوال السابقين لهم دون أن يحققوها، فمثلًا نجد القلقشندي يقول: (بنو منقر) (^٥) بكسر الميم،
_________________
(١) الفهرست لابن النديم ص ١٦٠، مقدمة كتاب نسب قريش ص ٦.
(٢) مقدمة كتاب (نسب قريش) ص ٥، موارد الخطيب البغدادي ص ٢٠٧.
(٣) مسالك الأبصار ص ١٧، قلائد الجمان ص ١٤٥، نهاية الأرب ص ٢٢٦، ٢٢٧.
(٤) أعلام الجغرافيين العرب ص ٥٤٨ - ٥٤٩.
(٥) بنو منقر ما زال يوجد عائلات منهم بهذا الاسم في المنطقة الغربية من المملكة العربية السعودية، ومنهم أيضًا: أسرة آل منقور أسرة كريمة مشهورة في مدينة حوطة سدير التي تقع على شفير وادي الفقي بنجد ومنها الشيخ: أحمد المنقور.
[ ٦ / ٤٤٩ ]
وفتح القاف - بطن من تميم من القحطانية، وهم بنو منقر بن عبيد بن مقاعس - في حين أننا نجده يذكر نسب بني تميم وأنهم من عدنان (^١)، ولم يذكر والدهم.
كما نجده ينسب بني خالد (خالد الحجاز) إلى غزية، من طيئ، من قحطان في كتابه (نهاية الأرب) (^٢) ثم يعود وينسبهم مع بني خالد عرب حمص في بني مخزوم القرشيين العدنانيين في كتابه: (قلائد الجمان) (^٣). وقد وجدت مثل هذا كثير عنده وعند غيره، وهذه النقول غير المحققة هي السبب في كثرة أخطاء المؤلفين. وهذا ما جعل عددًا منهم يتناقلون قول المصعب الزبيري بانقراض ولد خالد بن الوليد ويتسللون على هذا الخطأ.
أما ابن حزم - ﵀ - فإنه بعدما ذكر أنه ولد لعبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد: المهاجر - قال: وولد للمهاجر خالد - وذكر بأن خالدًا هذا أي: خالد بن المهاجر بن عبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد - روى عنه الزهري (^٤). بينما هذا القول غير صحيح، فإن الزهري لَمْ يرو عن خالد بن المهاجر بن عبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد، بل روي عن ابن عمه وهو: خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد (^٥).
ومن هذا يتضح أن ابن حزم - ﵀ - لَمْ يستطع أن يفرق بين أبناء خالد بن الوليد. ومن هذه حاله في هذه الحالة لا يعتمد على أقواله، ومن ثم فإن قوله بانقطاع ذرية خالد لَمْ يزد عن نقله لقول غيره دون بحث أو تحقيق.
أما ابن الأثير فقد ذكر نسب: حسان بن سعيد في كتابه: (اللباب في تهذيب الأنساب) (^٦) فقال: (والرئيس أبو علي حسان بن سعيد بن حسان بن محمد بن أحمد
_________________
(١) نهابة الأرب ص ١٧٧، ٣٨٠.
(٢) نهابة الأرب ص ٢٢٦.
(٣) قلائد الجمان ص ١٤٥.
(٤) جمهرة أنساب العرب ص ١٤٧.
(٥) الجرح والتعديل ج (١) قسم (٢) ص ٣٥١ ترجمة (١٥٨٥).
(٦) الباب في تهذيب الأنساب ج ٣ ص ٢٦٥، ٢٦٦.
[ ٦ / ٤٥٠ ]
ابن عبد الله بن محمد بن منيع بن خالد بن عبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد المخزومي المنيعي نسبة إلى جده - إلى آخر ما جاء في ترجمته له من ذكر لمناقبه - ثم قال: قلت: لَمْ يعقب عبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد. وقال: وذكر الزبير بن بكار أن ولد خالد بن الوليد انقرضوا وورثهم أيوب بن سَلَمَة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزومي.
ويرد على هذه الأقوال، وما في معناها بردود مختصرة هي:
١ - أنه بوجود المثبتين للعقب الخالدي في عدد من الأمصار والأعصار تبين أن القول بانقطاع العقب الخالدي، وبإجماع النسَّابين على ذلك غير صحيح.
٢ - أن من المثبتين لتسلسل نسب العقب الخالدي رجال ثقات لو لَمْ يثبته إلَّا اثنان منهم لحصل اليقين بإثباتهما، ومن المثبتين على سبيل المثال: الإمام الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، والحافظ جلال الدين عبد الرَّحمن بن أبي بكر السيوطي، والحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، والعلَّامة عبد الرَّحمن بن علي بن محمد بن علي بن الجوزي الحنبلي، والنسابة عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني والإمام الحافظ عمر بن محمد بن فهد الهاشمي، وتاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، والعلَّامة علي بن أنجب المعروف بابن الساعي المتوفى سنة ٦٧٤ هـ وشيخ الإسلام سراج الدين عبد الله بن محمد الرفاعي، وكمال الدين أبو الفضل عبد الرزَّاق بن تاج الدين أحمد المعروف بابن الفوطي الشيباني الحنبلي، والحافظ العالم الشيخ عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر، والعلَّامة المؤلف المشهور صلاح الدين خليل بن عبد الله الصفدي، والشيخ قطب الدين موسى بن محمد اليونيني المتوفى سنة ٧٢٦ هـ والمؤرخ الكبير عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني، والشيخ الإمام جمال الدين محمد بن علي الحموي المعروف ب (ابن الصابوني)، وجمال الدين عبد الرحيم بن الحسن الأسنوي، والشيخ عبد الحفيظ الفاسي، والمؤرخ النسَّابة محمد كمال الدين الغزي، والمؤرخ الناقد الحافظ شمس الدين أبو الخير محمد بن
[ ٦ / ٤٥١ ]
عبد الرَّحمن السخاوي، والعلَّامة الشيخ محمد جميل بن عمر الشطِّي، والعالم الفاضل محمد بن فضل الله المحبي، والإمام العلَّامة شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، والمؤرخ اليماني مطهر بن محمد الجرموزي، والعماد محمد بن حامد الأصفهاني، وابن الحنبلي رضي الدين محمد بن إبراهيم بن يوسف الحلبي، والشيخ محمد أبو الهدى الصيادي الرفاعي، والشيخ إبراهيم البقاعي، والشيخ عبد الرزَّاق البيطار، والأستاذ الدكتور ناجي معروف عميد كلية الآداب بجامعة بغداد، والأستاذ راغب بن محمود بن هشام الطباخ الحلبي، والمحققة منيرة بنت ناجي سالم، والمؤرخ أيوب صبري باشا، والشيخ زكي محمد مجاهد، والأستاذ محمد عمر حمادة. وغير هؤلاء كثير، وقد ذكرت في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الكتاب ما يزيد على مائة وخمسين عامًا من ذرية خالد بن الوليد - ﵁ -.
ومما سبق يتضح أن دعوى الإجماع بانقطاع العقب الخالدي مجرد قول تناقله غير المحققين من المؤلفين فحسب.
٣ - أن من القواعد العامة في الشريعة الإسلامية أنه إذا وجد نفي وإثبات يقدم الإثبات على النفي.
٤ - أن دعوى انقراض العقب الخالدي مجرد عدم علم بوجود العقب فقط وليس علمًا بعدمه، فالذين أثبتوا العقب أثبتوا ما يعلمون، والذين قالوا بنفي العقب أفادوا بعدم علمهم به، ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ … (٩)﴾ [الزمر: ٩].
٥ - أن حجة القائلين بالقطاع العقب الخالدي الوحيدة هي ما نسب للمصعب الزبيري بأنه قال بانقراض عقب خالد بن الوليد، وأنه ورث داره بالمدينة أيوب بن سَلَمَة.
وهذه الحجة ثبت بطلانها بما سبق ذكره، وما روي من أنه لما عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد لَمْ يزل مرابطًا بحمص حتى مرض فدخل عليه أبو الدرداء عائدًا، فقال:
[ ٦ / ٤٥٢ ]
إن خيلي، وسلاحي على ما جعلته في سبيل الله ﷿، وداري بالمدينة صدقة، وكنت أشهدت عمر بن الخطاب ونعم العون هو على الإسلام، وقد جعلت وصيتي وإنفاذ عهدي إلى عمر، فقدم بالوصية على عمر فقبلها، وترحَّم عليه (^١).
فإنه يتضح أن خالد بن الوليد قد أوصى بأن تكون داره بالمدينة صدقة؛ أي أنَّها ليست ضمن تركته التي خلف لأولاده بعد وفاته، ومن ثم فإن الاستدلال بإرث الدار قد انهار.
٦ - إن ممن قالوا بانقراض عقب خالد بن الوليد من ناقض نفسه بنفسه مثل ابن الأثير، حيث قال: (قلت: ولم يعقب عبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد) (^٢)، ثم تراجع وأثبت العقب لعبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد، حيث ذكر خالد بن عبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد في تاريخه: (الكامل) (^٣) عند ذكره لقصة قتل ابن أثال لعبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد، وثار خالد بن عبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد لأبيه من ابن أثال بقتله له.
وقد أثبت عدد من النسَّابين والمؤرخين خالد بن عبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد، كما ثبت تسلسل ذريته (^٤).
وكون ابن الأثير مُرّة يقول بانقطاع ذرية خالد وينسب ذلك للزبير بن بكار، ومرة يقول بأن عبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد لَمْ يعقب ثم يعود ويثبت العقب له دليل على تراجعه عن نفيه.
_________________
(١) صفوة الصفوة لابن الجوزي ج ١ ص ٦٥٤ ط الرابعة، انظر: تاريخ الأمم والملوك ج ٥ ص ١٣٠ ط الأولى، تاريخ الخميس ج ٢ ص ٢٤٧.
(٢) اللباب ج ٣ ص ٢٦٦.
(٣) الكامل في التاريخ ج ٣ ص ٣٠٩ الثانية - سنة ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م - دار الكتب العلمية - بيروت.
(٤) تاريخ الأمم والملوك ج ٥ ص ٢٢٧، البداية والنهاية ج ٨ ص ٣١، ج ١٢ ص ١٠٣، المنتظم ج ٨ ص ٢٧٠، صحاح الأخبار ص ٥، ٦، الدرر الكامنة ج ٥ ص ١١٥، مرآة جزيرة العرب ج ٢ ص ٣١٨.
[ ٦ / ٤٥٣ ]
وكان قد عقب علي ابن الأثير وغيره عدد من النسَّابين، فمثلًا عند ترجمة صاحب كتاب (حلية البشر) (^١) لخزام بن علي الخالدي قال ما نصه: (وقد نص صاحب قاموس العاشقين على أنه هو وأصوله من ذرية خالد سيف الله بن الوليد المخزومي القرشي الصحابي الجليل الأمير الشهير، دفين حمص، فاتح بلاد الشام وصاحب الفتوحات الشهيرة التي لا تحصى في الإسلام) - ﵁ - وقال: (نعم قال ابن الأثير بانقراض ذرية سيدنا خالد في كتابه (أسد الغابة) ونقض كلامه في تاريخه: (الكامل) في غير موضع، وخالف كلامه في (أسد الغابة) جماعة من فحول أعلام العلماء منهم العلَّامة النسَّابة الإمام السمعاني، والشيخ عبد الغافر في تاريخهما، والإمام السبكي في طبقات الشافعية، والبقاعي في تاريخه، وشيخ الإسلام المخزومي في (صحاح الأخبار)، وغيرهم -﵏- وأثبتوا كلهم الذرية الخالدية، وترجموا جماعة من رجالها) ا هـ.
وقد جاء في كل من كتاب (عشائر العراق) (^٢) وكتاب (الروض البسام في أشهر البطون القرشية في الشام) (^٣) وكتاب (صحاح الأخبار في نسب السادة الفاطمية الأخيار) (^٤): بأنه قال بعض المؤرخين ومنهم ابن الأثير - ﵀ - أن ذرية خالد بن الوليد - ﵁ - قد انقرضت وهذا خلاف المشهور المتواتر فإن الإمام السبكي، وعبد الغافر، والسمعاني، والبقاعي، وخلائق نصوا في طبقاتهم، وتواريخهم على وجود الذرية الخالدية، وترجموا كثيرًا من أكابر رجالها. أما ما رواه ابن الأثير الموصلي في تاريخه من انقراض عقب خالد، وأن النسَّابين أجمعوا على ذلك فهفوة مؤرخ لا يعبأ بها، بل إن إجماع النسَّابين على أنَّ لا عقب له في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وهذه الكلمة أوهمت ابن الأثير - ﵀ - وقال بانقراض الذرية الخالدية بلا تؤدة. ومثله ما حكاه العدواني - ﵀ - ولا ريب لدى عامة المحققين من
_________________
(١) حلية البشر ص ٥٨٩.
(٢) عشائر العراق ج ٤ ص ١٩٨.
(٣) الروض البسام ص ٨ فما بعد.
(٤) صحاح الأخبار في نسب السادة الفاطمية الأخيار ص ٥، ٦.
[ ٦ / ٤٥٤ ]
النسَّابين في أن عقب خالد بن الوليد منتشر في الشام، ونجد، والعراق، ومنهم بمرو الروذ، وبلاد الأفغان، وهم الوف مؤلفة، وصفوف مصففة، وعصائب وافرة، بادية وحاضرة.
٧ - أن القائلين بانقراض العقب الخالدي، قالوا بأن أولاد خالد كثروا وبلغوا نحوأربعين رجلًا، وأنهم بادوا بالطاعون (^١).
وهذا القول مردود بالآتي:
١ - أن الطاعون الذي قالوا بموت أولاد خالد فيه هو طاعون عمواس الذي وقع في أواخر سنة ١٧ هـ وقيل سنة ١٨ هـ (^٢).
ب - أنه لَمْ يمت المهاجر بن خالد بن الوليد إلَّا في معركة صفين سنة ٣٧ هـ (^٣).
ج - أنه لَمْ يمت عبد الرَّحمن بن خالد بن الوليد إلَّا سنة ٤٦ هـ مسمومًا من قبل ابن أثال طبيب معاوية بن أبي سفيان (^٤) - ﵁.
د - أن خالد بن الوليد - ﵁ - لَمْ يمت إلَّا في سنة ٢١ هـ (^٥)؛ أي أنه عاش بعد طاعون عمواس هو وعدد من أبنائه منهم عبد الرَّحمن، والمهاجر، ومحمد.
هـ - أنه جاء في كتاب (الجوهرة في نسب النَّبِيّ ﷺ وأصحابه العشرة) (^٦) أن خالد ابن الوليد توفي سنة ٢١ هـ وأنه كان له بالشام من الولد عدد كثير باد أكثرهم بالطاعون.
وقوله باد أكثرهم بالطاعون يفيد عدم موت الجميع بالطاعون وهذا خلاف الرواية
_________________
(١) جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص ١٤٨ ط الأولى.
(٢) سيف الله خالد بن الوليد للجنرال أ. أكرم ص ٥٢٢ ط السادسة، سيف الله خالد بن الوليد للعماد: مصطفى طلاس ص ٤٤٦، انظر: الطبري ج ٥ ص ٣٤ ط الأولى، كتاب المحبر لمحمد بن حبيب ص ١٤.
(٣) التبيين في أنساب القرشيين ص ٣٠٩ ط الأولى، تاريخ خليفة بن خياط ص ١٩١.
(٤) التبيين في أنساب القرشيين ص ٣٠٩ ط الأولى، الطبري ج ١ ص ١٤٣ ط الأولى.
(٥) الطبري ج ٥ ص ١٣٠ ط الأولى، الجوهرة في نسب النَّبِيّ ﷺ وأصحابه العشرة ج ١ ص ٧٦ ط الأولى.
(٦) انظر: ج ١ ص ٧٦ من الكتاب المذكور.
[ ٦ / ٤٥٥ ]
المنسوبة للمصعب الزبيري وما جاء عن ابن حزم في جمهرة أنساب العرب سابقتي الذكر منهم أنهم بادوا جميعًا بالطاعون.
و- جاء في كتابي (سيف الله خالد بن الوليد) لكل من الجنرال أ. أكرم (^١) والعماد الركن مصطفى طلاس (^٢) عند الكلام عما حصل بخالد بن الوليد سنة ١٨ هـ من المصائب أنه تعقب الموت أولاده واحدًا وراء الآخر؛ إذ دهمهم الطاعون فأمات منهم نحوأربعين في سنة الطاعون، وأنه قد بدأ وباء الطاعون في عمواس، إحدى قرى فلسطين في شهر محرم عام ١٨ هـ. قلت: وهذا يتفق مع ما جاء في كتاب (الجوهرة في نسب النَّبِيّ ﷺ وأصحابة العشرة) سابق الذكر، من أن الطاعون المذكور لَمْ يمت فيه جميع أبناء خالد، كما أن المتتبع لأخبار أولاد خالد، وأحفادهم في كتب التاريخ، والسير والمغازي، والأنساب، والتراجم، والأدب يستبين ذلك، ومنهم من تمت الترجمة لهم - كما سبقت الإشارة في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الكتاب. وهذه الأدلة تدحض ما يعارضها.
وخلاصة ما سبق فإنه من واقع ما تم ذكره من ذرية الصحابي الجليل خالد بن الوليد المخزومي القرشي في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الكتاب، وتسلسل نسب عدد كبير إليه، وما تم إيراده من أدلة على نسب بني خالد في المنطقة الشرقية، ونجد، ووادي ترج ببيشة من المملكة العربية السعودية، والشام، والعراق، وفلسطين، وغيرها إلى خالد بن الوليد في المبحث الثاني من ذلك الفصل، وما تم ذكره في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الكتاب من الأئمة، والنسابين، والمؤرخين، والمحققين الذين أثبتوا وجود العقب الخالدي وذلك عند الرد على القائلين بانقطاع عقب خالد بن الوليد - ﵁. وعن الصحابة أجمعين.
_________________
(١) انظر: سيف الله خالد بن الوليد ص ٥٢٢ للمؤلف المذكور ط الأولى.
(٢) انظر: سيف الله خالد بن الوليد ص ٤٤٦ للمؤلف المذكور.
[ ٦ / ٤٥٦ ]