إذا استثنينا أحداث مناخ الرضيمة عام ١٢٣٨ هـ الموافق ١٨٢٢ م التي أدركها راكان وهو صغير السن، حيث كان عمره حوالي ٨ سنوات فإن الفترة الممتدة من عام ١٢٤٥ هـ حتى ١٢٤٨ هـ لم يحدث للعجمان أي خلاف يستحق الذكر بينهم وبين آل سعود، بل كانوا مع جيش الإمام تركي في معركة السبية ضد بني خالد عام ١٢٤٥ هـ الموافق ١٨٢٩ م، ولعلَّ الإمام تركي أسكن العُجمان في "النقرة" (^١) وهي إحدى قرى الإحساء خلال هذه الفترة.
وخلال تلك الفترة الممتدة من عام ١٢٤٨ هـ حتى ١٢٦١ هـ لَمْ تحدث أي مشاكل للعجمان، ففي سنة ١٢٥٠ هـ الموافق ١٨٣٤ م كان بدَّاح رئيس آل حبيش مع الإمام فيصل في محاصرة قصر مشاري عام ١٢٥٩ هـ الموافق ١٨٤٣ م (^٢).
وفي عام ١٢٥٨ هـ الموافق ١٨٤٢ م كان فلاح بن حثلين مع ابن عفيصان في إشكال مع أهل القطيف، وفي عام ١٢٥٩ هـ الموافق ١٨٤٣ م قام وفد من شيوخ العُجمان بزيارة للإمام فيصل وهو بحريملا وبايعوه على الطاعة والتعاون.
_________________
(١) النقرة: هي "وادي العُجمان" ويسميها البعض أيضًا "وادي المياه"، وتمتد حوالي ٢٢٠ كم في منطقة الإحساء من الشمال حتى الجنوب، حيث يسكنها عدة هِجَر جميعهم من قبيلة العُجمان، ويحدها من الجنوب عريرة وجودة شمال النعيرية".
(٢) العُجمان وزعيمهم راكان - ص ١٤٠ - مصدر سابق.
[ ٦ / ٥٩٩ ]
ولكن اعتداءات العجمان على القوافل نشطت مرة أخرى، خلال الفترة الممتدة من عام ١٢٦١ هـ حتى ١٢٦٢ هـ حيث قام فلاح بن حثلين بالتصدي لقوافل الحجاج، وهذا السلوك أثار غضب الإمام فيصل مما جعله يُقدم على قتل فلاح بن حثلين، وطرد العجمان من ديرة بني خالد "الإحساء" ويذكر لنا حمود بن عبيد الرشيد، بأنه بعد مقتل فلاح أصبح ابنه راكان بن فلاح بن حثلين شيخًا للعجمان، وقام بمراسلة الإمام فيصل وقدم له الهدايا، ثم حضر لمقابلته وبايعه (^١).
ولكن الأحداث الدائرة آنذاك تفيد بأن راكان لم يتزعم قبيلة العجمان بعد مقتل والده فلاح، وإنما كان حزام بن حثلي عم راكان هو شيخ القبيلة بعد مقتل شقيقه فلاح.
وهناك رأي آخر يفيد بأنه في عام ١٢٦٤ هـ الموافق ١٨٤٧ م وفد عدد من رؤساء العجمان برئاسة محمد الطويل وأجروا مقابلة مع الإمام فيصل، ودفعوا له الزكلاة وعفا عنه؛ لأنهم غزوا بعض قوافل الحجاج.
ويقال أيضًا إن الشيخ حزام بن حثلين عم راكان تنازل عن سلطاته كشيخ لقبيلة العجمان، لابن أخيه راكان، وذلك بعد أن كبر في السن وكان ذلك في حدود عام ١٢٧٦ هـ الموافق ١٨٥٩ م.
وقال أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:
وفيما بين - عامي " ١٢٦٧ هـ -١٢٧٦ هـ"، نرجح أن راكان قال في الرد على جمل بن لبدة أمام الإمام فيصل.
إنه يكذب يافيصل … ما هو لكم مطواع
نتافة لحية مرشد … والشيخ الآخر ضاع
ويلاحظ أن الفترة الممتدة بين ١٢٦٧ هـ حتى ١٢٧٦ ليست عامين وإنما هي حوالي تسعة أعوام.
_________________
(١) الحجمان وزعيهم راكان ص ١٤٠ مصدر سابق.
[ ٦ / ٦٠٠ ]
والحقيقة أنه خلال هذه الفترة وقعت أحداث كثيرة لراكان، منها ما جرى مع بني هاجر ومُطير وقحطان، حيث نقرأ لراكان مساجلته مع ابن هادي (شيخ فحطان عامة) التي قال فيها:
كزيت لك نور السلف والجهامة … باغيك ذخر في مقاديم الأيام
فلقد كانت سيطرة محمد بن هادي على براري نجد كبيرة قبل أن يزحزحه تركي بن حميد (^١).
وكان راكان يفخر بمنصور الطويل، الفارس المشهور الدي قُتل عام ١٢٨٨ هـ الموافق ١٨٧١ م وقال فيه:
معنا الطويل اللِّي تجيكم علَّامه … مثل العديم اللِّي عدى الجول صرَّام
وقال راكان:
الترك قبلك زارنا به زعامه … قد عافنا واختار عنَّا هل الشام
مع بدايات عام ١٢٧٦ هـ الموافق ١٨٥٩ م، بدأت تسوء علاقته بعبد الله ابن الإمام فيصل، ابتداء باستهداء الحمراء "خيول العجمان".
وفي عام ١٢٧٦ هـ الموافق ١٨٥٩ م أغار العجمان على مواش خاصة للإمام فيصل، وأخذوها ثم رحلوا ونزلوا قرب الكويت، فأمر الإمام فيصل ابنه -عبد الله لاستعادة ما سلبوه، وفي موقع آخر من هذا الكتاب سوف نعود لذكر ما فعله عبد الله ابن الإمام فيصل عندما أدرك العجمان في منطقة الوفرة، ثم في الصبيحية وملح، وسنأتي على ذكر تفاصيل هذه المعارك في باب "معارك العجمان".
ويبدو أن الشيخ راكان بن فلاح بن حثلين كان يتمتع بقدرة عظيمة على نظم الشعر الارتجالي، وأشعاره عموما فيها من القوة والجمال والعمق وبلاغة التعبير مما يجعل لها أبلغ التأثير في النفوس.
وعندما لجأ راكان إلى البحرين، بعد معركة الطبعة، قال هذه القصيدة يمدح فيها الأمير عبد الله الفيصل، والتي يقول في مطلعها:
_________________
(١) العجمان وزعيمهم راكان - ص ١٤٢ - مصدر سابق، وابن حميد شيخ شمل عُتيبة.
[ ٦ / ٦٠١ ]
انحى من العرق الحمر ياذلولي … طريق والعارض تحوز وراها
وبعد معركة الطبعة نشب خلاف بين العجمان وبني هاجر، فاستنجد شيخ بني هاجر شافي بن شعبان، بالشيخ محمد بن هادي، متعللًا بحلف "جنب" الذي يجمع بين بني هاجر وقحطان (^١).
وقد استجاب الشيخ محمد بن هادي، لنجدة شافي، فأرسل هذه القصيدة يتوعد وبهدد فيها العجمان أو المطران:
حِنَّا شوي وحاميتنا القرامة … قطاعة تنطح ولو كملوا يام
وعندما سمع راكان هذه القصيدة، رد عليها بقصيدة طويلة ورائعة، هذا مطلعها.
ياراكب حر تذرب سنامه … عليه ني راكب نيه العام
وعندما سمع محمد بن هادي قصيدة راكان، رد عليه بقصيدة أخرى يقول مطلعها:
لابد من يوم يطير كتامه … إما على المطران إلا على يام
ونقرأ رواية ابن فردوس التي تقول:
حدث بين العجمان وبين حكومة جلالة الملك عبد الله بن فيصل آل سعود، سوء تفاهم، وأدى ذلك إلى معارك طاحنة بين الطرفين، ثم أرسل ابن حثلين برسالة يطلب فيها من أمير البحرين أحمد بن خليفة، بأن يسمح لهم بالعودة إلى ديارهم التي تقع ما بين الإحساء والكويت، واستجاب أمير البحرين إلى رغبتهم فأمر لهم بتجهيز السفن التي تحملهم ومواشيهم ليعبروا البحر.
وبعد ذلك تقدم الشيخ راكان إلى أمير البحرين بالشكر والامتنان على حسن الرعاية التي لقيها العجمان وهم في ديار البحرين، وقرر راكان أن يرسل إلى الملك
_________________
(١) العجمان وزعمهم راكان ص ١٤٣ - ١٤٧ مصدر سابق.
[ ٦ / ٦٠٢ ]
عبد الله بن فيصل آل سعود رسالة يستأذنه بها بالعودة، وقال راكان لرفاقه الذين لجأوا معه إلى البحرين:
- مَنْ منكم يستطيع أْن يحمل رسالتي إلى جلالة الملك عبد الله بن فيصل آل سعود؟
فأخذ القوم يترددون، فتقدم إليه أحدهم يسمى، علي بن سهيله، وقال:
- أنا الذي أحمل رسالتك متحملًا ما يحدث لي من جلالة الملك، من أجل خدمتك وطاعتك يا أبو فلاح.
واستلم ابن سهيلة الرسالة، وانطلق بها إلى قصر الملك عبد الله بن فيصل آل سعود بنجد، فلما دخل ابن سهيلة ورآه الملك عبد الله، وعرفه، غضب عضبًا شديدًا، وأخذ يردد اسم قبيلته، ويذكر الحاضرين في مجلسه آنذاك، ما حدث بينه وبينهم من معارك، فقال له ابن سهيلة:
- إننى أحمل إلى جلالتك رسالة.
فقال له:
- أعطني الرسالة، ولما أخذها منه أعطاها على الفور إلى كاتب القصر، وقرأها أمام الملك ومن في حضرته، وكانت الرسالة تتضمن قصيدة نظمها الشيخ راكان، قال في مطلعها:
قال المعيضي بالضحى يباع القاف … في دار سمحين الوجيه الكرام
فعندما سمع الملك عبد الله بن فيصل هذه الأبيات قال:
- اسمع يا ابن سهيله، عندما تعود إلى راكان سلم عليه وقل له:
- نحن نرحب بقدومهم تجاه ديرتهم، والذي فات مات، ونحن إخوان وعلى الحق أعوان (^١).
_________________
(١) العجمان وزعيمهم راكان ص ١٤٩ - مصدر سابق.
[ ٦ / ٦٠٣ ]
وقال الضيغ راكان وهو هي البحرين، وكان يعاني شوقًا لدياره وبطولاته ومعاركه التي توقفت.
يا أبو هلا طير الهوى خبث البال … الطير نَزْرر والحباري قليله
وقال أيضًا:
لا من ذكرت رموس عصر لنا زال … وشوف الفياض وفقد عز القبيله
ويعبر راكان عن أشواقه لبني قومه وأبناء قبيلته، ولمراعيهم، ويفخر بمواقفهم، وهو في البحرين، فقال هذه القصيدة التي عبَّر فيها أجمل تعبير عن مشاعره تجاه أهله وقبيلته:
ومن عقب ذا ياما حلا شرب فنجال … في مجلس ما فيه نفس ثقيله
هذا ولد عمٍ وهذا ولد خال … وهذا رفيق ما لقينا بديله
[ ٦ / ٦٠٤ ]