بعد السرد التاريخي الذي تقدم في إثبات عراقة وصراحة نسب عرب هُتيم إلى العدنانية من بني كلاب من عامر بن صعصعة من هوازن من قيس عيلان من مضر، يجدر بنا أن نؤكد أن هذه القبيلة الكلابية بعد أن ضعفت وتعرضت للجور والحيف من حاكم وأمير عسير - من أمراء الدولة العباسية - عام ٤٢٠ هـ، تفرقت من بلادها الأصلية في الخرمة ونواحي رنية وما صاقبها من البلاد إلى بعض جهات عسير واليمن والشام ومصر، وبعض فروعها دخل يحتمي بقبائل قوية في الجزيرة العربية وحسب منها بمرور الزمن.
وقد ادعى بعض الكُتَّاب والنسابين في العصور المتأخرة أن بعض قبائل من قيس عيلان المُضَرية أو قبائل من كلب القُضَاعية أو غيرها من القحطانية أنها من بني هُتيم بن عوف - خطأ -.
ووهم من ظن ذلك في بعض القبائل المعروفة المنشأ؛ لأن الظن لا يغني من الحق شيئًا، وإن الله حق لا يستحيي من الحق.
حقا، فقد ضعفت بنو كلب في ديارها بعد هجرة الغالبية العظمى منها إلى بلاد الأناضول وصقلية ومصر وبلاد المغرب العربي، وذلك بسبب العداء المستحكم بينها وبين العباسيين؛ لأن هذه القبيلة العتيدة كانت الساعد الأول في قوة الأمويين أعدائهم، مما أدى بهذه القبيلة أن تكون عرضة للنفور والازدراء بعد ذمها ووصفها بالشذوذ والخيانة من قبل الخلفاء العباسيين، مما كان له أكبر الأثر على طوائف المجتمع القبائلي، بعد أن دُس في الأذهان بالباطل عن هذه القبيلة العريقة؛ الإشاعات المغرضة التي تتهمها بسوء الفعال تارة وتطعن في أصولها تارة أخرى، وقد نتج عن ذلك كله أن ضُربت على بقايا كلب مقاطعة جائرة واعتُبرت من هُتيم ظُلمًا.
[ ٦ / ٦٦١ ]
وشتَّان بين هُتيم بن عوف الكلابي العدناني، وبين الشراري الكلبي القُضاعي! وقبيلة الشرارات من بني كلب هي قبيلة عريقة وكريمة، وهي جزء عزيز من أمتنا العربية المجيدة.
وقد ظلت بقايا قليلة من أعراب كلب في ديارها المعروفة في بلاد الجوف ووادي السرحان بمشارف الشام بأقصى شمال الجزيرة العربية - المملكة العربية السعودية - ولم تندثر، ورجح المحققون أن اسم كلب قد تغير إلى الشرارات بعد أن نزحت الكثرة الكاثرة من هذه القبيلة الضخمة في عهد الخلفاء العباسيين على مراحل زمنية، وقد استمر إلى نهاية القرن السابع الهجري.
كما يؤكد محققو ونسابو الشرارات أن هذا الاسم مأخوذ من شرار بن سلمان بن هلال بن مكلب، وكان أحد أجدادهم ومن الرجالات البارزين في كلب بن وبرة.
ولنا هنا وقفة لنؤكد تشتت بني هُتيم بن عوف من بني كلاب وتفرقهم في بلاد العرب ودخول البعض منهم في قبائل عدنانية وقحطانية مشهورة، ودحض دعوى هؤلاء النسابين والمؤرخين الذين ذكروا في مصنفاتهم بإسناد ركيك وخاطئ من النقل عن بعض العوام الجهلاء من أعراب الجزيرة العربية وغيرها من الحاقدين على بعض قبائل قيس عيلان ومثلها كلب لما جرى معها من حروب وضغائن قديمة معروفة في التواريخ يطول سردها.
وللأسف لم يؤكد مؤرخ حتى الآن الحقيقة عن نسب هُتيم الحقيقي لبني كلاب كما تقدم من وجود نصوص صريحة وقديمة تؤكد ذلك النسب الدي لا ريب فيه، وأقول، إن هذا دليل واضح على خطأ جسيم وقع فيه هؤلاء المؤرخين والنسابين؛ لادعائهم على قبائل عديدة بأنها من هُتيم بدون تمحيص ولا تدقيق، وهذا قد أوجد خلطًا في الأنساب وظلمًا في الأحساب العريقة المعروفة.
كما يدل أيضًا على تناقض وجهل مطبق من بعض هؤلاء الكُتَّاب واستخفافهم بعقول الناس فترة طويلة دات عدة قرون من الزمان.
وأقول هنا بصرف النظر عن النصوص العديدة التي أبرزناها سالفًا لايضاح نسب بني هُتيم بعيدًا عن قبائل قيسية معروفة أو بعيدًا عن قبائل من كلب مشهورة، أتساءل
[ ٦ / ٦٦٢ ]
بالحجة والمنطق وأقول كيف بهذه القبيلة (هُتيم) التي ضعفت ومُزِّقت شر ممزق وشُنِّع بفرسانها، وحكم عليهم حكمًا صارمًا زمنًا من الدهر بعدم ركوب الابل والخيول، وقد تعرضت للمقاطعة الجائرة - كما تقدم - كيف لها وهي بهذا العجز وهذا الخوَّر؛ أن تتمكن من ديار العديد من القبائل العدنانية، ثم لا تكتفي بدلك فتضم ديار كلب القُضاعية المعروفة في شمال الجزيرة العربية؟!
الأمر الثاني وهو الأهم والذي يدعو للتعجُّب هو أن بلا بني هُتيم - حسب ما أوضحنا - كانت ما بين رنية وبيشة ومركزهم في الخرمة، وهي ديار عامرية هوازنية منذ الجاهلية، فكان الأجدر والأفضل بأبناء هُتيم هؤلاء أن يتشبثوا بديار أجدادهم وبلاد قومهم والتي نبتوا فيها؛ لا أن يقتحموا ديار قبائل عدنانية مشهورة بضراوتها ثم يأخذون هذه الديار المنيعة ويستولون عليها عنوة واقتدارًا، ويقارعون القبائل الطامعة فيها ثم يتقدمون بكل ثبات ورباطة جأش إلى مشارف الشام ووادي السرحان وبلاد الجوف ليكتسحوا ديار كلب ويضمونها هكذا بسلام لتصبح ديارًا جديدة للهُتمان!؟
كلا يا أمة العرب فبنو هُتيم هؤلاء لم يحفظوا مركزهم المعنوي بعد الضربة القاسمة التي تعرضوا لها عام ٤٢٠ هـ، فضلًا عن حفظ ديار كانت لهم مع قومهم من بني كلاب وسائر بني عامر وهوازن - وهي بلادهم المذكورة - فكيف بهم إذن أن يسيطروا على بلاد عدة قبائل وفي أماكن مختلفة في آن واحد، ثم نراهم يحتفظون بهذه البلاد أو تلك الديار حتى الوقت الحاضر دون منازع أو معارض؟! ثم أتساءل مرة أخرى أهل الألباب والعقول؛ هل أن قبائل العرب في شبه الجزيرة العربية ستكون هذه الفعال من بني هُتيم على مرأى ومسمع منها وتقف هكذا متفرجة مكتوفة الأيدي؟
كلا، فلن يتركوا بالطبع هذه القبيلة الممزقة المنبوذة (هُتيم) تصول وتجول في طول الجزيرة العربية وعرضها على هواها وحسب مزاجها، ثم تملك ديارًا غير ديارها المعروفة وتنهل من آبار ليس لها وترعى الكلأ في بلاد غير بلادها بكل أمان واطمئنان.
كلا وألف كلا يا من أرختم عن أنساب القبائل وقلبتم الأمور بالزور والبهتان وجعلتم العديد من القبائل العدنانية المعروفة من الهُتمان، ثم ألحقتموهم بقايا كلب من قُضاعة بالظلم والعدوان، فيا عجبًا أن جمعتم قُضاعة في قيس عيلان!؟
[ ٦ / ٦٦٣ ]
فعلى رسلكم أيها المؤرخون والنسَّابون، أقولها صريحة ولا أخشى في الحق لومة لائم، ولا أبتغي غير رضا الله، فهُتيم من بني كلاب (^١)، هكذا خلقهم رب الأنام وسيبقون هكذا على من الزمان، هذا ما قدَّره الرحمن، جفت الصحف ورُفعت الأقلام.
قال ابن سيده ونقله ابن منظور يؤكد تشتت عرب هُتيم في البلاد والأمصار؛ أي لم يبق لهم في بلادهم قرار، قال: "إن الهُتيم كسائر حثالة الأعراب يتنقلون في كل صقع وينتجعون كل ربع، وقد نزل قوم منهم ديار مصر وتنقلوا فيها". (انتهى).
وقال الحافظ يشير إلى فقرهم شأن قبائل البدو في الجزيرة العربية وخارجها قال: "هُتيم عرب مساكين يستجدون ركب الشام" (^٢).
_________________
(١) هنا نوضح أن هناك قبائل من كلاب غير هُتيم فليست هُتيم كل بني كلاب، فهناك قبائل عديدة تنسب لكلاب أهمها العوازم، وقد وضحنا عنها في المجلد الخامس من الموسوعة. (انظر طبعة ٢٠٠١ م/ ١٤٢١ هـ).
(٢) انظر المشتبه والمشتبه في الرجال وأسمائهم وأنسابهم - والحافظ توفي عام ٧٤٨ هـ.
[ ٦ / ٦٦٤ ]