في البداية لا بد أن نستعرض سير الأحداث التي اندلعت قبل نشوب معركة "الحزم والوزية"، وأهمها تلك الأحداث التي وقعت بين عساكر طالب باشا النقيب وقبيلة آل مُرَّة والهواجر، وهي معركة صغيرة سميت معركة "قهدية"، وهو اسم لمكان يقع بين الإحساء والعقير يطلق عليه اسم "قهدية".
ففي عام ١٣٢٠ هـ - الموافق ١٩٠٢ م، طلب شيوخ قبيلة آل مُرَّة، وشيوخ قبيلة الهواجر زيادة مرتباتهم من المتصرف العثماني في الإحساء، فلم يلب طلبهم، فتمردوا عليه، وقرروا التعرض للقوافل وانتهابها، وبالفعل بدأت تحرشاتهم بالقوافل التي يقوم على حراستها عساكر الترك، وقتلوا عدم كبيرًا من أفرادها، ولم تسلم منهم القوافل ركم وجود حراسة رسمية من جنود الحاكم العثماني في الإحساء، وتمادوا في غاراتهم حتى أصبح الرحَّالة يخشون السفر في طرق القوافل التي تمر بمنطقة الإحساء، ومن جراء ذلك تأثرت هيبة الدولة العثمانية الممثلة بمتصرف الإحساء وقواته المسلحة.
[ ٦ / ٦١٧ ]
ولما علم بذلك والي بغداد العثماني، عزل على الفور موسى كاظم متصوف الإحساء، وعيَّن بدلًا منه السيد طالب باشا النقيب ومعه قوة عسكرية إضافية.
وعندما وصل النقيب بقواته إلى الإحساء، توجه على الفور بما معه من عسكر ومدافع قاصدًا آل مُرَّة الذين يقيمون في منطقة ماء تسمى "الزرنوقة"، فأخذ طالب النقيب بعض مواشيهم وعاد بها إلى منطقة الإحساء ليشاهدها الناس، فتطمئن قلوبهم، وتسير قوافلهم كعادتها، وبعد مرور أربع سنوات قضاها السيد طالب باشا النقيب حاكمًا للإحساء، عُزل، وعين بدلًا منه المتصرف العثماني محمد نجيب أبو سهيلة، عام ١٣٢٥ هـ الموافق ١٩٠٧ م (^١).
وفي أيام حكم أبو سهيلة، وقعته معركة الحزم والوزية، حيث كان كثير من العجمان وأحلافهم ينزلون في أيام الصيف الحارة بالإحساء عندما يحين وقت صرام النخل (^٢)، فيشترون حاجتهم ثم يخرجون إلى البادية، وكانوا ينزلون في منطقتي" الحزم" وهي قريبة من منطقة المبَّرز، و" الرقيقة" وهي بقرب منطقة الهفوف.
وأهل البادية في تلك الأيام كانوا يتحاربون لأتفه الأسباب، وكلنا نذكر أسباب اشتعال حرب "داحس والغبراء" بين قبائل غطفان من عبس وذبيان التي زعموا أنها طالت أربعين عامًا، والسبب ناقة، والمعركة التي نحن بصددها وقعت بسبب رجلين أو ثلاثة، احتاجوا إلى قليل من البلح فقطفوا من النخيل، وربما كان ذلك بسبب الجوع، ولكن أصحاب النخيل أطلقوا عليهم النار فردوا عليهم بالمثل، فنشبت بينهم معركة استخدمت فيها البنادق من الطرفين، ووقعت هذه المعركة بين أهل منطقتي المبرَّز والحزم، ثم اتسعت المعركة حينما هب أهل المبزَّر والهفوف لجماعتهم أصحاب النخيل، وهب أهل الحزم والرقيقة لجماعتهم العجمان، واستمرت المعركة بينهم يومًا كاملا، وبعد ذلك تغلَّب أهل المبرَّز والهفوف على
_________________
(١) تحفة المستفيد، مصدر سابق، ص ١٨٩، ١٩٠.
(٢) الصرام: القطع صرم العذق عن النخلة بمعنى قطع العذق. ويقال هذا وقت الصرام، ونخل صريم.
[ ٦ / ٦١٨ ]
أهل الحزم والرقيقة، وهاجموا منازلهم وأحرقوها، وكانت خسائر الفريقين كبيرة حيث سقط عدد كبير من القتلى والجرحى من الجانبين.
كل هذا كان بسبب كمية بسيطة من التمر، ولم يكتف أهل الإحساء بهذه المعركة بل صعَّدوا الموقف وأعلنوا محاربة العجمان وإخراجهم من الإحساء، واستمرت المعارك بينهم من شهر جمادى الآخرة حتى شهر رمضان عام ١٣٢٤ هـ الموافق ١٩٠٦ م، وعندما علم العجمان بنوايا أهل الإحساء، استنفروا جميع العجمان الذين في منطقة الإحساء والذين خارجها فجاءوا جميعًا إلى الإحساء لأخذ حقهم بالقوة.
أما أهل المبرَّز فإنهم عندما سمعوا وشاهدوا عناد العجمان وزيادة قوتهم، طلبوا من المتصرف محمد نجيب أبو سهيلة أن يدعم موقفهم بحملة عسكرية مزودة بالمدافع ليصدوا هجمات العجمان الذين أتوا من البادية لمناصرة أهل الحزم والرقيقة، فتجمع أهل الإحساء ومعهم عساكر النظام العثماني، ثم توجهوا إلى منطقة الحزم والرقيقة والوزية، وكان ذلك في شهر رمضان عام ١٣٢٤ هـ الموافق ١٩٠٦ م، مستهدفين العجمان، وفي ذلك المكان المسمى "الحزم والوزية" حيث نشبت معارك البنادق والسيوف والمدافع، حتى أتى الليل، وعندما أصبح القصف عشوائيًّا، وارتبك الفرسان وأصبح أحدهم لا يرى الآخر بسبب الظلام الدامس، مما أدى إلى ارتفاع عدد القتلى من أهل الإحساء والعجمان، فضلًا عن العدد الكبير من قتلى عساكر الدولة العثمانية.
وتم إحراق عدد كبير من النخيل وإتلاف جزء كبير من الأراضي الزراعية من جراء القتال الذي جرى عليها، كما أدى إلى تشريد أبناء القرى الصغيرة التي تأثرت بالمعارك الدائرة حولها، كقرية الحليلة، والشقيق، والكلابية (^١).
والشيء الجميل في البوادي، أن عداوتهم لبعض لا تدوم فترة طويلة، فهم بمجرد ما ينتهون من معاربههم وتضع الحرب أوزارها يتم الصلح فيما بينهم بسهولة ويسر" وعفا الله عما سلف"، تمامًا كما كانت تبدأ معاركهم لأتفه الأسباب.
_________________
(١) الكلابية: نسبة إلى بني كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وتقع قرية الكلابية شرق مدينة المبرَّز.
[ ٦ / ٦١٩ ]
ومن هذا المنطلق نلاحظ أنه بعد ذلك بأيام قليلة جدا تم الصلح بين العجمان وأهل الإحساء، الذين كانوا بالأمس القريب يتقاتلون على تمر.