ذكر الشيخ حمد الجاسر علَّامة الجزيرة العربية مقدمات ثلاث في قبيلة باهلة المفترى عليها، تلك القبيلة التي تعرضت ظُلمًا إلى الذم والطعن منذ الجاهلية؛ أي قبل قبيلة هُتيم والتي طُعنت بعد عام ٤٢٠ هـ - في عهد الدولة العباسية.
قال الجاسر - جزاه الله خيرًا - مدافعًا عن الحق وعن قبيلة عربية عدنانية أصيلة، هي قبيلة ياهلة القيسية، والئي وقعت فريسة لدعاوي باطلة، تطعنها في عاداتها وأصولها، لأسباب واهية ليس لها أساس من الصحة؛ لأن الصالح والطالح وارد في كل قبيلة، بل في كل أسرة. ومقدمات الجاسر في هذا الشأن تنطبق على باهلة أو هُتيم، أو غيرهما من القبائل العربية، التي تعرَضت للطعن قديمًا أو حديثًا، وهي كالتالي:
١ - إن الحق لا يدور دائمًا في جانب كثرة الخلق، فقد قال الله جل وعلا ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (^٢) قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٣).
وحكى عن خليله إبراهيم ﵇ أنه قال في حق الأصنام:
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (^٤).
وما الاقتداء بالكثرة في البحث عن تمييز الأمور، ومحاولة إدراك حقائق الأشياء سوى تعطيل لأعظم ما أنعم الله به على الإنسان، وهو عقله الذي به يتضح الحق من الباطل، ويُميز النافع من الضار، وما تعطيل العقل سوى إهدار لكرامة الإنسان الذي فضَّله على سائر الحيوان ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَو يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ (^٥).
وأسوأ وصمة يوصم بها المرء أن يدعى (إمعة)؛ أي مع الناس يتيعهم حيثما اتجهوا وفي الأثر: (اغد عالمًا أو متعلمًا، ولا تكن إمعة) (^٦)
_________________
(١) من كتاب باهلة القبيلة المُفترى عليها انظر المقدمة ص ٢٧
(٢) الآية ١٢٢ من سورة النساء.
(٣) الآية ١١٦ من سورة الأنعام
(٤) الآية ٣٦ من سورة إبراهيم
(٥) الآية ٤٤ من سورة الفرقان.
(٦) انظر لسان العرب - رسم إمع.
[ ٦ / ٦٥٤ ]
٢ - إن صفات المدح والذم الخُلُقية صفات طارئة على المرء تحدث بفعله هو، أو بما تهيئه له الطبيعة التي أوجده الله عليها، من قوة أو ضعف، قدرة أو عجز، فهي صفات مكتسبة بالنسبة له، وليست ملازمة له، أو طبيعة فيه، ومن هنا فإن إضافتها إليه تنوقف على اتصافه بها متى ثبت ذلك، وعلى هذا يتضح أن من الخطأ وصف امرئ - بل هي جماعة لا ينحصر عددها - أي صفة من الصفات مدحًا أو قدحًا بدون ثبوت الاتصاف بها.
٣ - أليس من أظلم الظلم أن تصم مجموعة من البشر لا يحصون كثرة، طيلة عشرة قرون من الزمن (^١) بوصمة من وصمات السوء كالخسة أو الحقارة (^٢) بدون تثبت أو اطمئنان عن يقين باتصافهم كلهم بها، فضلًا عن عدم ثبوت اتصاف واحد منهم بتلك الوصمة. وقال تعالى يُحذِّرنا:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (^٣).
صدق الله العظيم. (انتهى).
وفي ص ١٧ قال حمد الجاسر في مقدمته عن كتاب باهلة القبيلة المُفترى عليها تحت عنوان: ماذا عن اختصاص قبيلة باهلة بهذا المؤلَف (الكتاب).
قلت: وقبل ذكر كلام الجاسر، أقول هنا: إن هذه السطور التي كتبها العلَّامة الفاضل، تصلح لأن تكون ناقوسًا يدق ليوقظ الأذهان لأبناء القبائل العربية، أن يكفُّوا عن طعن بعضهم البعض، سواء في أنسابهم أم أفعالهم، ولا أقصد هنا بالذات قبيلة باهلة أو قبيلة هُتيم فقط، ولكن هناك قبائل عديدة تتعرض للطعن والظلم غيرهما في العصور المتأخرة.
حقا، هذا جُرم عظيم [في أمة لا إله إلا الله محمد رسول الله]، أمة كرَّمها المولى ﷿ وقال عنها تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
فيجب أن نقلع عن هذا الظلم، ونرفع من بيننا الغبن، قبل أن نقف بين يدي عزيز
_________________
(١) الأصل في قول الجاسر (ستة عشر قرنًا)؛ لأنه يقصد قبيلة باهلة القيسية العدنانية التي تُطعن منذ الجاهية، وبدلنا المدة هنا إلى عشرة قرون؛ لأن المقصود هنا التطبيق على قبيلة هُتيم الكلابية الهوازنية - من قيس علان أيضًا - والتي طعنت بعد عام ٤٢٠ هـ، كما تقدم - أي في صدر الإسلام.
(٢) هنا النية موجهة إلى سبِّ الأصل وتحقير النسب.
(٣) الآية ٦ من سورة الحجرات.
[ ٦ / ٦٥٥ ]
جبار حرَّم على نفسه الظلم، حيث قال ما معناه في حديث قدسي، قال تعالى: "وعزتي وجلالي لقد حرَّمتُ الظلم على نفسي، لأسألن الحجر لما خدش الحجر"!
فيا ويلتاه من غضب الله .. كيف بنا نحن وإلى أين نذهب بأعمالنا؟ والقوي المتين سيجمع الأولين والآخرين من الثَقَلين (الإنس والجن)، حتى الحيوانات والحشرات والنبات والجماد، ليقضي فيهم بالعدل ثم يقول لهم سبحانه: كونوا ترابًا، ليبقى الإنس والجان أمام الملك الديَّان، فإما إلى جنة رضوان في النعيم المقيم، وإما إلى الجحيم، نعوذ بالله وسائر المؤمنين منها - إن شاء الله تعالى - ونستشفع برسولنا الأمين محمد - ﷺ -.
ونعود إلى الجاسر حيث قال:
كانت الأدواء - ولازالت - تنخر في كيان الأمة حتى كادت تُمزِّق أقوى وشائج القربى بين فروعها، وتسبب التباعد بين تلك الفروع، بإيجاد مختلف وسائل التنفير بينها، واختلاق الصفات التي تُحدث التنافر والكراهية، حتى أوشكت أن تفصل قبائل كانت من الشهرة والبروز معدودة في القمة، ومشهودًا لها كغيرها من القبائل الأخرى - بسمات المجد والشرف، والتحلي بجليل الخلال، فتبعدها عن منبتها الأصيل في عنصر تلك الأمة الكريمة، بما تُلصق بها من أوصاف سيئة، وبما تنعتها به من نعوت السوء والفساد، ظلمًا وعدوانًا - في أول الأمر - ثم تقليدًا أعمى وسيرًا على طريقة ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (^١) فكان نصيب تلك القبيلة من ذلك - يقصد باهلة وبالطبع مثلها هُتيم - وأضاف: لعلَّ من أهم ما ينبغي أن يتوخاه الباحث في أي علم من العلوم إدراك حقائق وأهمها: الغاية من ذلك العلم، وعلى أي أساس من أسس المعرفة قام، وما هو أثره في حياة الجتمع؟
والنظرة الصحيحة إلى علم النسب توضح أن الغاية منه البحث عن الروابط القوية بين الشعوب والأسر، وذوي القرابة، لينشأ التعارف الموجب للتواصل والتقارب اللذين بهما تقوم حياة المجتمع على أسس قوية من المحبة والأخوة كما في الآية الكريمة:
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (^٢).
_________________
(١) آية ٢٣ من سورة الزخرف.
(٢) الآية ١٣ من سورة الحجرات.
[ ٦ / ٦٥٦ ]
وفي الأثر: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم"، فالتواصل هو أسمى الغايات من معرفة الأنساب، ومتى انتفت تلك الغاية السامية التي أساسها التعارف والتآخي، زالت الفائدة من ذلك العلم، بل أصبح الاشتغال به من الأمور التي قد تصرف عما هو خير منه، هذا إذا لم يصبح الاهتمام به ضارًا، وذلك عندما يُتخذ وسيلة للتباهي وللتفاخر، بتفضيل شعب على آخر، أو قبيلة على غيرها؛ إذ التفاضل الصحيح ما كان قائمًا إلَّا على الأعمال النافعة كما في الحديث النبوي: "إن الله قد أذهب عنكم عُبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليدَّعنَّ رجال فخرهم بأقوام، إنما هم فحم من فحم جهنم، وليكونن أهون على الله من الجُعلان التي تدفع بأنفها النتن" (^١).
ذلك أن أصل بني الإنسان عربهم وعجمهم واحد، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالعمل الصالح وتقوى الله ﷿.
ومن هنا يتضح أن مجرد الانتساب لأية قبيلة أو شعب، مهما بلغت تلك القبيلة أو ذلك الشعب من سمو المنزلة، لا يجدي شيئًا.
وأمر آخر فعلم النسب من العلوم التي تتوارثها الأجيال، وليس من العلوم القائمة على أسس عقلية تُدرك بالتعمق في البحث، بحيث يتبين صحيحها من زيفها، ولا شك أن ما تتناقله الشعوب من موروث تراثها ليس قائمًا على حقائق علمية ثابتة، فكل نقل عُرضة لحدوث الخطأ فيه، وكل خبر يحتمل الصدق أو الكذب لذاته، ولا يمكن الجزم بصحته ما لم تكن هناك قرائن تُوجب ذلك الجزم، مما هو ثابت بوحي من الله ﷾، أو مما صحت نسبته إلى أحد أنبيائه عليهم الصلاة والسلام.
ولقد كان - ولا يزال - من أهم ما اتجه إليه حينما أتحدث عن الأنساب، البحث عن الوسائل التي تقوي ما بين القبائل العربية من روابط، ومحاولة إثبات أمر لا يختلف فيه من عُني بالبحث في علم الأنساب، وهو أن جميع سكان هذه الجزيرة العربية تقوم
_________________
(١) أورده السيوطي في جمع الجوامع، ونسب روايته إلى الإمام أحمد وأبى داوود والبهقي، والعُبية - بضم العين وكسرها وتشديد الباء الموحدة مكسورة بعدها مثناه تحتية مشددة مفتوحة هي النخوة والفخر والكبر.
[ ٦ / ٦٥٧ ]
أنسابهم على درجة من الصحة والصراحة، تُعدُّ هي الأساس عند البحث في نسب أية قبيلة؛ إذ هذه البلاد هي مهد العرب منذ أن عُرف لها تاريخ، ولو فُرض أن قبيلة في هذه الجزيرة أصبحت مجهولة النسب الآن، فليس معنى هذا أنها ليست عربية ذات أصل صحيح، فالقاعدة ثبوت ذلك الأصل، وأن ما طرأ هو الجهل به، والجهل لا يصح أن يُتخذ أساسًا لإثبات الحقائق، بل ينبغي إزالة غشاوة ذلك الجهل ليتضح نسب تلك القبيلة المجهولة. (انتهى قول الجاسر).
[ ٦ / ٦٥٨ ]