من الطبيعي أن واديا كوادي الليث يخر سيله في البحر خليجا، ويسكنه الناس ويبعد عن المدن مسافة كهذه، أقول من الطبيعي أن تكون فيه حركة تجارية، وأن يتخذه صيادو الأسماك مرسى لهم ومنطلقا، فإذا كان هذا كثر حوله طالبو الرزق، ثم صار منهلا تحكم الظروف بنموه وانحساره، ولكن إلى الجنوب من هذه البلدة وعلى مسافة (٤٣) كيلا كانت مدينة السرين فحدّت من ظهور هذا المرسى وتطوره.
وإذا ذكر المتقدمون الليث فإنما يعنون الوادي، ولم يذكر أحد منهم البلد، وحتى الذين يصفون لك طريق الحاج اليمني يقولون (ثم الليث) فلا يميزون البلدة عن الوادي، على أنه لو كان قد تطور إلى قرية عامرة حتى القرن الحادي عشر الهجري لذكره مؤرخو مكة، الذين أخذوا يذكرون الواديين، وأول من ذكره ذكرا بارزا الشريف شرف البركاتي في الرحلة اليمانية، حيث قال: ونزلنا على بئر يقال لها الكلابية في الجهة الشرقية من بندر الليث، وهو مركز لقائم مقامية تابعة لولاية مكة، وبالليث قائم مقام من طرف الحكومة، ومأمور من أشراف مكة من طرف دولة أميرها لحفظ الأمن وجباية الأموال. ثم يقول: … بندر الليث، وهي مرفأ على البحر الأحمر وفيها تجار من الحضارمة، وأهل الوطن، وحركة البيع والشراء فيها جيدة، وأكثر واردات تلك الجهة الحبوب من: دخن، وذرة بيضاء، والسمن والغنم، ومنها تصدر إلى جدة.
[ ١١ / ٦٥٧ ]
وأبنية منازل بندر الليث باللَّبن، وبه بعض أبنية حجرية، وبالبندر المذكور حدائق نخيل.
فترى أن الشريف شرف ذكر أنه بندر، والبندر في تلك العهود يطلق على كل مدينة بحرية، فكانوا يقولون: بندر جدة، ولا يقولون: بندر رابغ.
فالليث -إذًا- كان قد لحق بدرجة البنادر، وصار قائم مقامية، وهذا يعني أنه مرت عليه مئات السنين من التطور التدرجي، وإذا ألقينا نظرة على تأريخ مدينة السرين حكمنا بأنها قد اندثرت في القرن الهجري السابع تقريبا.
ومن طبيعة البشر حب الوطن: فما كان من أهل السرين إلا أن اتجهوا إلى أقرب قرية تصلح للسكن والحياة وتقرب شبها من بلدتهم ومسافة. فإذا الليث بكل مياهه وخيراته وبحره فاتجه أكثرهم إليه فعمروه، ولكن نظرا لأن هذه القرية تحمل اسم الوادي ظلت شبه مجهولة.
أما بلدة الليث اليوم فقد لحقت بمدن الدرجة الثانية، فيها: مديرية تعليم تضم عددا من المدارس الثانوية والمتوسطة والابتدائية، وبها فرع لإدارة تعليم البنات، وإدارة شرطة ومحكمة شرعية وفرع للبنك الأهلي، وإدارة مرور، وكل ما تحتاجه المدن مثل: البلدية وهيئة الأمر بالمعروف وغيرهما.