من أيام العرب المشهورة، وقع بين بني عامر بن صعصعة من هوازن، وبني الحارث من مذحج -لمذحج على عامر-، إذ كانت بنو عامر تطلب بني الحارث بن كعب بن عمر بن علة بن جلد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب، بأوتاركثيرة، فجمعٍ لهم الحصين بن يزيد الحارثي، وكان يغزو بمن تبعه من قبائل مذحج، فجمع جيشا من بني الحارث وجعفى وزبيد وقبائل سعد العشيرة ومراد وصداء ونهد، واستعانوا بقبائل خثعم، فخرجت شهران وناهس وأكلب، عليهم أنس بن مدرك، وأقبلوا يريدون بني عامر، وقد أخذوا معهم النساء والذراري حتى لا يفروا من القتال، فإما تحقق لهم النصر وإما ماتوا جميعا، ولا شك أن خروج النساء تقليد قديم وقد يكون الهدف منه عدم التراجع حتى لا يظهروا أمام نسائهم بمظهر المزومين أو الفارين من ميادين القتال، إذ من العيب عند العرب فرار الرجل أمام أعدائه، وقد اجتمعت بنو عامر إلى زعيمها عامر بن الطفيل الكلابي العامري، وبادر بتطبيق سياسة الهجوم، فلما دنوا من القوم صاح الرقباء مخبرين بقدوم عامر وجيشه، فقال أنس بن مدرك لقومه من قبائل خثعم، انصرفوا بنا، ودعوا هؤلاء، يعني بني الحارث بن كعب وبني عامر- فإنهم إنما يطلب بعضهم بعضًا، ولا أظن عامرًا تريدنا، فقال لهم الحصين بن يزيد الحارثي: افعلوا ما شئتم فإنا والله ما نراد دونكم، وما نحن بشّر بلاء عند القوم فانصرفوا إن شئتم، فإنا نرجوا ألا نعجز عن بني عامر، فرب يوم لنا ولهم قد غابت سعوده، وظهرت نحوسه، فقالت قبائل خثعم التي مع أنس، إنا كنا
[ ١١ / ٧١١ ]
وبنو الحارث على مياه واحدة وفي مراع واحدة، وهم لنا سلم وهذا عدو لنا ولهم، فتريد أن ننصرف عنهم، فوالله لأن سلموا وغنموا لنندمن ألا نكون معهم، ولئن ظفر بهم لتقولن العرب خذلتم جيرانكم، فأجمعوا أخيرا على أن يقاتلوا معهم وقد جعل حصين لخثعم ثلث المرباع -ربع الغنيمة- ومناهم الزيادة، أما عامر بن الطفيل فقد بعث إلى بي هلال بن عامر، فاشترى منهم أربعين رمحا بأربعين بكرة، فقسمها في أفناء بني عامر. والتقى القوم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا ثلاثة أيام بفيف الريح، وشهدت بنو نُمير يومئذ مع عامر، فسموا حريجة الطعان، وقدقال عامر بن الطفيل في تلك الموقعة:
وقد علموا أني أكر عليهم … عشية فيف الريح كر المدور
فلو كان جمع مثلنالما نبالهم … ولكن أتتنا أسرة ذات مسخر
فجاءوا بشهران العريضة كلها … وأكلب طرا في لباس
كما قال أيضًا:
أتونا بشهران العريضة كلها … وأكلبها في مثل بكر بن وائل
فبتنا ومن ينزل به مثل ضيفنا … يبت عن قرى أضيافه غيرغافل
أعاذل لو كان البداد لقوتلوا … ولكن أتانا كل جن وخابل
وخثعم حي يعدلون بمذحج … وهل نحن إلامثل إحدى القبائل
وقال الشاعر ابن الدمينة:
ليالي عامر تلحى كلابا … على جهد وليسوا مؤتلينا
وكان ملاعبا حتى التقينا … فجد به وكنا اللاعبينا
وغادرنا فوارسه ورعلا … بفيف الريح غير موسدينا (^١)
_________________
(١) أبو العباس ثعلب ومحمد بن حبيب، ديوان ابن الدمينة، تحقيق أحمد راتب النفاخ، القاهرة، ١٩٥٩ م، ص ١٥٢.
[ ١١ / ٧١٢ ]