فولد الزبير بن العوام: عبد الله؛ والمنذر؛ وعروة؛ وعاصمًا، انقرض؛ ونسوة؛ وأمهم: أسماء بنت أبي بكر الصديق؛ ومصعبًا؛ ورملة؛ وحمزة، أمهم: الرباب بنت أنيف بن عبيد بن مصاد بن حصن بن كعب بن عليم بن جناب الكلبي: وخالدًا؛ وعمرًا، ابني الزبير، ونسوة، أمهم: أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاصي، من المبايعات، ولدت بأرض الحبشة، وقدمت مع أبيها في السفينتين، وسمعت من النبي ﷺ وهي صغيرة، وبايعته؛ وعبيدة؛ وجعفرًا، ابني الزبير، أمهما: زينب بنت بشر بن عبد عمرو بن مرثد، من بني قيس بن ثعلبة: كل هؤلاء قد أعقب، إلا عاصم بن الزبير هلك غلامًا، وزينب بنت الزبير، ولدت عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان بن حرب بن أمية وأخواته، وأمها: أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط؛ وخديجة بنت الزبير، وأمها: الحلال بنت قيس بن نوفل، من بني أسد بن خزيمة.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وعبد الله بن الزبير أسن ولد الزبير، وهو أول مولود ولد بالمدينة من المسلمين، ويقال: بل من المهاجرين. وكان ابن الزبير يقول: " هاجرت أمي، وأنا حمل في بطنها؛ فما أصابها من مخمصة ولا وصب إلا قد أصابني ". وحكه رسول الله ﷺ بريقه ويده؛ وله يقول العقيلي:
بر يبين ما قال الرسول له من الصلاة بضاحي وجهه علم
حمامة من حمام البيت قاطنة لا يتبع الناس إن جاروا وإن ظلموا
وقالت عائشة لرسول الله ﷺ: " اكنني " قال: " تكني بابنك عبد الله بن الزبير "، وهي خالته أخت أمه؛ وكانت كنيتها " أم عبد الله "، وكان النبي ﷺ قد جمع المهاجرين والأنصار الذين ولدوا في الإسلام حين ترعوعوا، فبايعهم؛ فكان منهم عبد الله بن الزبير. وسمع من النبي ﷺ شيئًا حدث به؛ وتوفي النبي ﷺ وعبد الله ابن عشر سنين. ويحدث أن عمر بن الخطاب مر بأبي لؤلؤة، وعمر يتكئ على يد عبد الله بن الزبير؛ فقام إليه أبو لؤلؤة، ومعه فاس كان يعمل بها؛ فجعل يدنو من عمر ويكلمه. قال ابن الزبير: فأنكرته، فصحت عليه؛ فتأخر؛ فأقبل على عمر، فقال: " إنه ليهم بشر ".
وغزا عبد الله بن الزبير إفريقية مع عبد الله بن أبي سرح العامري. قال ابن الزبير: هجم علينا جرجير ملك إفرنجة في عشرين ومائة ألف؛ فأحاطوا بنا، والمسلمون في عشرين ألفًا، فاختلف الناس على ابن أبي سرح؛ فدخل فسطاطًا له، فخلا فيه، ورأيت غرة من جرجير: بصرت به خلف عساكره على برذون
[ ١ / ٢٣٧ ]
أشهب، معه جاريتان تظللان عليه بريش الطواويس، بينه وبين جنده أرض بيضاء ليس فيها أحد، فخرجت أطلب الإذن على ابن أبي سرح، لأخبره بغرته؛ فأتيت حاجبه؛ فأبى أن يأذن لي عليه؛ فدرت من كسر الفسطاط؛ فدخلت عليه؛ فوجدته مستلقيًا على ظهره يفكر؛ ففزع واستوى حالسًا؛ فقلت: " إيه، كل أزب نفور "، قال: " ما أدخلك علي يا ابن الزبير، بغير إذن؟ قلت: رأيت عورة من العدو، فاخرج فانتدب الناس "، قال: " وما هي؟ " فأخبرته؛ فخرج معي مسرعًا؛ فقال: " يا أيها الناس! انتدبوا مع عبد الله بن الزبير "، فاخترت ثلاثين فارسًا، فقلت: " احموا لي ظهري "، وحملت في الوجه الذي رأيت فيه جرجير. فما كان إلا أن خرقت الصف إليه، فخرجت صامدًا إليه؛ ما يحسب هو وأصحابه إلا أني رسول، حتى دنوت منه؛ فعرف الشر؛ فقبل برذونه موليًا، وأدركته، فطعنته؛ فسقط، وسقطت الجاريتان عليه؛ وأهويت إليه، فضربته بالسيف؛ فأصبت يد إحدى الجاريتين فقطعتها، وذففت عليه؛ ثم احتززت رأسه، وجعلته على رمحي، وكبرت، ورفعت الرمح. وحمل المسلمون في الوجه الذي كنت فيه، وارفض العدو من كل وجه، ومنح الله أكتافهم. فوجهني ابن أبي سرح بشيرًا إلى عثمان بن عفان؛ فقدمت عليه، فأخبرته بفتح الله ونصره، ووصفت أمرنا كيف كان. فلما فرغت من ذلك، قال: " هل تستطيع أن تؤدي هذا إلى الناس؟ "، قال: قلت: " وما يمنعني من ذلك؟ أنت أهيب عندي منهم ". قال: " فاخرج إلى المسجد، فأخبرهم "، فخرجت حتى أتيت المنبر، فاستقبلت الناس؛ فتلقاني وجه أبي، الزبير بن العوام؛ فدخلتني له هيبة؛ فعرفها مني؛
[ ١ / ٢٣٨ ]
فقبض قبضة من حصى، وجمع وجهه في وجهي، وهم أن يحصبني؛ فاعتزمت، فتكلمت. قال أبي الزبير، حين فرغت: كأني سمعت كلام أبي بكر الصديق فمن أراد أن يتزوج امرأة فلينظر إلى أبيها وأخيها، فإنها تأتيه بأحدهما ".
وبشر عبد الله مقدمة من إفريقية بابنه خبيب بن عبد الله، وهو أكبر ولده، وبأخيه عروة بن الزبير، وذلك سنة ست وعشرين من الهجرة. وكان خبيب أكبر من عروة. وكان عبد الله يكنى " أبا بكر "، ويكنى " أبا خبيب " بابنه خبيب بن عبد الله. وأخبرني من قرأ في ديباج كسوة الكعبة مكتوبًا في طرازها: " لعبد الله أبي بكر أمير المؤمنين. كساها عبد الله بن الزبير " وكان يقال لابن الزبير " عائذ الله ". وقال بعض الشعراء:
وعائذ بيت ربك قد أجرنا وأبلينا فما نسي البلاء
وكان ابن الزبير، حين أبى بيعة بن معاوية، لجأ إلى الكعبة؛ فعاذ بالبيت، وخرج مع حسين إلى مكة؛ فخرج حسين إلى الكوفة، وأقام ابن الزبير بمكة.
قال المصعب: وأخبرت عن هشام بن يوسف الصنعاني، عن معمر، قال: سمعت رجلًا يحدث، قال: سمعت الحسين بن علي يقول لعبد الله بن الزبير: " أتتني بيعة أربعين ألف رجل من أهل الكوفة، أو قال: من أهل العراق "، فقال له عبد الله بن الزبير: " أتخرج إلى قوم قتلوا أباك، وأخرجوا أخاك؟ ". قال هشام بن يوسف: فسألت معمرًا عن الرجل؟ فقال: " هو ثقة ". وزعم بعض الناس أن ابن عباس هو الذي قال هذا.
وكانت عند عبيد الله بن الزبير تماضر بنت منظور بن زبان بن سيار بن عمرو بن جابر بن عقيل بن هلال بن مازن بن فزارة، وأمها: مليكة بنت سنان بن أبي حارثة المري، زوجه إياها الزبير بن العوام. وكان الزبير بعث عبد الله
[ ١ / ٢٣٩ ]
بن الزبير إلى العباس بن عبد المطلب يستعيره رحلًا؛ فوجد بين يدي العباس جفنة من ثريد يأكل منها؛ فقال له: " ادن، فكل "، قال: فأكلت منها شيئًا؛ فتضاعف أكلي؛ فلما فرغ أمر لي بالرحل، وقال لي: " اقرأ أباك السلام، وقل له: إن آل أبي بكر قد غلبوا على ابنك هذا؛ فزوجه من العرب "، فزوجه تماضر؛ فولدت له خبيبًا، وحمزة، وعبادًا، وثابتًا؛ مات ثابت بن عبد الله وقد زاد على سبعين سنة؛ فأما خبيب، فلا ولد له. وكان خبيب يعلم علمًا كثيرًا، مع فضل له وصلاح؛ وهو الذي ضربه عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، في خلافة الوليد بن عبد الملك؛ فمات من ضربه؛ وكان يقال لعمر ابن عبد العزيز: " أبشر، فقد صنعت خيرًا "، فيقول: " فكيف بخبيب؟ ". وكان أسن ولد عبد الله بن الزبير بعد حمزة، وهو الذي يقول له موسى شهوات، مولى بني سهم:
حمزة المبتاع بالمال الندى يرى في بيعه أن قد غبن
وقال الفرزدق:
أصبحت قد نزلت بحمزة حاجتي إن المنوة باسمه الموثوق
وكان ابن الزبير استعمله على البصرة؛ ثم عزله، واستعمل مصعبًا.
ومن ولد حمزة بن عبد الله: عباد بن حمزة، وأمه: هند بنت قطبة بن هرم بن قطبة بن سيار ابن عمرو؛ وهرم بن قطبة الذي حكمه عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة في منافرتهما. وكان عباد بن حمزة من أحسن الناس وجهًا وأسخاهم؛ وإياه عني الأحوص في قوله:
[ ١ / ٢٤٠ ]
لها حسن عباد وجسم ابن واقد وريح أبي حفص ودين ابن نوفل
ومن ولد حمزة بن عبد الله بن الزبير: عامر بن حمزة، وأمه: أم ولد؛ وكان من سروات آل الزبير وجلدائهم في العقل والبيان؛ قيل له: " ماخاصمت أحدًا قط إلا قضي لك عليه؟ "، فقال: " والله، إني ما خاصمت في شيء قط فيه شك عند أهل العلم ". ومات عامر بن حمزة بواسط عند خالد بن عبد الله القسري، هو ومصعب بن الزبير؛ ويلقب " خضيرًا ". ورثاهما عروة بن أذينة، فقال:
ذهب الزمان بمصعب وبعامر وكذاك يفجع ريبه بنواقر
ذهبا وكانا سيدين كلاهما في بيت مكرمة وعز قاهر
وقد انقرض ولد عامر بن حمزة إلا من قبل ابنته فاختة بنت عامر بن حمزة: ولدت عبد الله الأكبر بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزبير.
ومن ولد حمزة بن عبد الله: سليمان بن حمزة، أمه: أم الخطاب بنت شيبة بن عبد الله بن أنس بن رواح بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل؛ وليس لسليمان عقب إلا من قبل النساء.
ومن ولد حمزة بن عبد الله: هاشم بن حمزة، أمه: أم ولد، وله عقب؛ وكان من القراء؛ وكان وصي أكثر من يموت من آل الزبير، فيقوم في تركهم بالأمانة والكفاية.
ومن ولد حمزة بن عبد الله بن الزبير: أبو بكر ويحيى ابنا حمزة بن عبد الله بن الزبير، أمهما: فاطمة بنت القاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب، وأمها: أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأمها: زينب بنت علي بن أبي طالب، وأمها: فاطمة بنت رسول الله ﷺ؛ وأخوهما لأمهما: إبراهيم بن طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر. وقد انقرض ولد أبي بكر ويحيى ابني حمزة من الرجال، وبقي نسات.
[ ١ / ٢٤١ ]
وولد عباد بن عبد الله بن الزبير: محمدًا؛ وصالحًا، وأمهما: خديجة بنت عبد الله بن حكيم بن حزام؛ ويحيى بن عباد، أمه: عائشة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، كان يحيى بن عباد وصى أبيه، وهو الذي كان يروى عنه الحديث محمد بن إسحاق؛ وله عقب. وليس لصالح بن عباد بقية: كان له ولد، فانقرضوا. وكان عباد بن الزبير بن عبد الله بن الزبير من أكابر ولد عبد الله: كان له ولد، فانقرضوا. وكان عباد بن عبد الله بن الزبير من أكابر ولد عبد الله، يروى عن عائشة؛ وكان أبوه يستخلفه إذا غاب؛ وكان من أتراب عروة بن الزبير في السن.
وولد ثابت بن عبد الله بن الزبير: نافعًا؛ ومصعبًا؛ وخبيبًا؛ وسعدًا؛ وهم لأمهات أولاد شتى؛ ولكلهم عقب من ولد ثابت بن عبد الله. كان عبد الله بن المصعب بن ثابت في صحابة المهدي، صحبه سنتين حين قدم المهدي المدينة، وجلس للناس يعطيهم الأموال، يعطي الرجل من قريش ثلاثمائة دينار، ويكسوه سبعة أثواب؛ فأصحب ذلك العام عبد الله بن المصعب؛ فلم يزل في صحابته وصحابة موسى وصحابة هارون الرشيد، حتى مات سنة أربع وثمانين، ومات بالرقة؛ وكان المهدي استعمله على اليمامة؛ واستعمله الرشيد على المدينة، ثم ولاه اليمن، وولى ابنه أبا بكر بن عبد الله المدينة؛ فأقام أبو بكر على المدينة ثلاث عشرة سنة واليًا لأمير المؤمنين هارون.
ومن ولد خبيب بن ثابت: المغيرة بن خبيب، كان في صحابة المهدي، وكان المهدي يسميه الخبيبي؛ وكان يوليه القسم على أهل المدينة والعرض لهم في العطاء؛ وكان خاصًا بالمهدي، وموسى من بعده، وبالرشيد هارون؛ ثم مات في خلافة الرشيد.
وكان الزبير بن خبيب من وجوه قريش، وفد على المهدي في وفد يقال لهم وفد
[ ١ / ٢٤٢ ]
ابن صفوان، وابن صفوان، وابن صفوان من بني جمح، كان واليًا للمهدي على المدينة؛ فأمر له المهدي بسبعمائة دينار، ولكل رجل منهم، وكانوا وجوه لكل أهل المدينة.
وسمعت أبي يقول: قال لي أمير المؤمنين: " اذكر لي رجلًا من المدينة من قريش ممن قريش ممن له فصل منقطع ". قال: " فقلت له: " عمارة بن حمزة بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب " قال: " فأين أنت من ابن عمك الزبير بن خبيب؟ " قال: قلت له: " إنما سألتني عن الناس؛ ولو سألتني عن أسطوانة من أساطين المسجد، لقلت لك: الزبير بن خبيب! " ومن ولد عبد الله بن الزبير: هاشم؛ وقيس؛ والزبير؛ وعروة. قتل الزبير وعروة مع أبيهما، وانقرض ولد قيس وهاشم. وأمهم: أم هشام بنت منظور بن زبان بن سيار، أخت تماضر بنت منظور. ومن ولد عبد الله بن الزبير: موسى وعامر، وأمهما: حنتمة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ولهما عقب.
وكان عامر بن عبد الله منقطعًا في العبادة؛ وقد لقيه مالك بن أنس وحدث عنه.
ومن ولد عامر بن عبد الله: عتيق بن عامر، قتل بقديد، هو ابنه عمرو بن عتيق؛ وأم عتيق: قريبة بنت المنذر بن الزبير؛ وليس لعامر عقب إلا من عتيق.
ومن ولد موسى بن عبد الله: صديق بن موسى، كان يروى عنه الحديث؛ وعقب موسى من ولد صديق بن موسى.
ومن ولد عبد الله بن الزبير: أبو بكر بن عبد الله، أمه: ريطة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، يروى عن أبي بكر بن عبد الله الحديث. وقد انقرض.
كان له ابن يقال له عبد الرحمن هلك فورثه عامر بن عبد الله.
ومن ولد عبد الله بن الزبير: عبد الله بن عبد الله، وأمه: أم ولد؛ وكان أشبه ولد عبد الله به؛ وله عقب.
هؤلاء ولد عبد الله بن الزبير.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وولد المنذر بن الزبير: محمد بن المنذر، ويكنى أبا يزيد؛ كان من وجوه آل الزبير. وله يقول الذبيب الضبابي، وكان حبس في السجن بالمدينة هو وجماعة من الضباب، ثم أخرجوا عراة حفاة، فمروا ببقيع الزبير، يستحملون ويشكون عريهم وانقطاعهم عن قومهم؛ فحملهم، وكساهم، وزودهم؛ فقال الذبيب الضبابي:
ألا أيها الباغي الندى ووراثة الن بي وتقواه عليك ابن منذر
طوى البعد عنا حين حطت رحالنا بقرح العوادي كالأهلة ضمر
وأم محمد بن المنذر: زينب بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل؛ وكان محمد بن المنذر يعدل بكثير من أعمامه؛ لما قتل المصعب بن الزبير، نعاه عبد الله، فقال: " إن يقتل المصعب، فقد أبقى الله فينا محمد بن المنذر ".
وكان للمنذر بن الزبير من الولد، ممن له عقب: إبراهيم بن المنذر، وأمه: حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق؛ ولإبراهيم عقب؛ وعبيد الله بن المنذر، أمه: امرأة من بني تيم، وله عقب؛ وعمرو بن المنذر، وله عقب؛ وعاصم، وله عقب؛ وأبو عبيدة، وله عقب؛ وهم لأمهات أولاد شتى. فهؤلاء ولد المنذر لصلبه ممن أعقب.
وكان المنذر بن الزبير يتلو عبد الله في السن؛ وكان منقطعًا إلى معاوية بن أبي سفيان. وأوصى معاوية أن يحضرالمنذر غسله، وأمر له بمال؛ فكتب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد؛ فدفعه إليه؛ فأقطعه الدار التي تنسب إلى الزبير بكلاء البصرة، وأقطعه منزلًا بالبصرة. والمنذر بن الزبير الذي شهد على قول علي بن أبي طالب في زياد، قال: سمعت أبا سفيان بن حرب مقدم زياد من تستر من عند أبي موسى حين قدم على عمر، وأمره أن يتكلم يخبر الناس بفتح تستر؛
[ ١ / ٢٤٤ ]
فقام زياد فتكلم، فأبلغ؛ فعجب الناس من بيانه، وقالوا: " إن ابن عبيد لخطيب ". قال علي: فسمع ذلك أبو سفيان بن حرب؛ فأقبل علي، فقال: " ليس بابن عبيد؛ وأنا والله أبوه! ما أقره في رحم أمه غيري! " قلت: " فما يمنعك منه؟ " قال: " خوف هذا! " يعني عمر بن الخطاب. فكان آل زياد يشكرون ذلك للمنذر بن الزبير. ثم بدا ليزيد؛ فكتب إلى عبيد الله بن زياد يأمره بحبس ذلك المال عن المنذر، وألا يدع المنذر يخرج من البصرة، وذلك حين خالفه عبد الله بن الزبير، فخاف أن يلحق بأخيه، فيكون ذلك المال عونًا له؛ فأرسل إليه ابن زياد، فأخبره الخبر، وقال: " قد أجلتك ثلاثًا، وخذ من وراء أجلي ما شئت "، فانطلق المنذر قبل مكة، وسار سيرًا شديدًا. وقال الراجز:
تركن بالرمل قيامًا حسرًا وقد تلحق المولى العنود الجرائر
فكان المنذر على الصفا؛ فقال: " هذا ابن عثمان، حاشته العرب! " ثم تمثل:
جنيت على باغي الهوادة منهم لو يتكلمن اشتكين المنذرا
فسمع ابن الزبير، صوت المنذر مع عبد الله حتى قتل المنذر؛ كان على بغلة، فصرع عنها؛ فقاتل وهو راجل، وجعل يقول:
يأبى بنو العوام إلا وردا من يقتل اليوم يزود حمدا
فلم يزل يقاتل حتى قتل، وذلك في حصار بن نمير، وهو حصار ابن الزبير الأول.
ومن ولد عروة بن الزبير عمر بن عروة، قتل مع ابن الزبير؛ وعبد الله بن عروة؛ لا عقب لعمر، ولعبد الله عقب، رجل واحد، لم يبق غيره من
[ ١ / ٢٤٥ ]
ولد عبد الله؛ وكانوا كثيرًا، فانقرضوا؛ وكان عبد الله بن عروة من رجال آل الزبير، يشبه بعبد الله بن الزبير في لسانه وجلده. وكان عبد الله بن الزبير يقول لعروة: " ولدت لي! " يريد أن عبد الله بن عروة يشبه به؛ فزوجه عبد الله بن الزبير ابنته أم حكيم، وكانت أحب ولده إليه.
قال أبو عبد الله المصعب: حدثني حماد بن عطيل بن فضالة بن رداد الليثي وكان حماد قد بلغ مائة سنة وستين قال: رأيت عبد الله بن عروة في سنيات خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكيم بن أبي العاصي، وكان خالد واليًا لهشام بن عبد الملك على المدينة سبع سنين؛ فقحط المطر في تلك السبع؛ وكان يقال لها: " سنيات خالد "؛ فجلا الناس من بادية الحجاز، فلحقوا بالشأم؛ فحدثني حماد بن عطيل، قال: فحضرت عبد الله بن عروة بن الزبير في أمواله بالفرع: يدخل الناس في مربد تمره طرفي النهار: غدوة فيتغدون، وعشية فيتعشون، فما زال كذلك حتى أحيا الناس. وعبد الله بن عروة الذي يقول لهشام بن عبد الملك عام قدم المدينة، وكان عبد الله بن عروة يتظلم من إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وهو خال هشام بن عبد الملك: " أخذ إبراهيم بن هشام ما بين منابت الزيتون إلى منابت القرظ، فلم يغنه كثر ما بيده عن قليل ما في أيدينا! وإنا والله ما طبنا أنفسًا عن فراق الأحبة إلا بما ترك من معايشنا؛ وقد أعطيتمونا عهدكم، وأعطيناكم طاعتنا؛ فإما وفيتم لنا بما أعطيتمونا، وإما رددتم علينا بيعتنا! وإني أعيذ بالله أن تصل رحمنا بقطيعة أخرى ". وأم عبد الله وأم أخيه عمر أبني عروة بن الزبير: فاختة بنت الأسود بن أبي البختري.
ومن ولد عروة: يحيى، ومحمد، وعثمان، بنو عروة؛ وأمهم أم يحيى بنت الحكم
[ ١ / ٢٤٦ ]
عمة عبد الملك بن مروان؛ وليحيى عقب، وليس لمحمد وعثمان عقب، كان لهما ولد، فانقرضوا؛ وكانوا وجوه آل الزبير. وكان يحيى بن عروة وفد على عبد الملك بن مروان؛ فسأله يرد ما قبض من أموال آل الزبير؛ فذكر عبد الملك خلاف آل الزبير، وتناول عبد الله؛ فقال يحيى: " إنا أكرم العرب! اختلف العرب في عمي وخالي يعني عبد الله بن الزبير، ويعني مروان بن الحكم. أما إن عبد الله كان لا يسمعنا فيكم شيئًا نكرهه! " ورد عليه ما قبض له. وقال يحيى بن عروة، يعرض بإبراهيم بن هشام المخزومي:
أشرتم بلبس الخز لما لبستم ومن قبل لا تدرون من فتح القرى
نعوذ بأفواه الفجاج وخيلنا تساقي سهام الموت تكدس بالقنا
فلما أتاكم فيئنا برماحنا تكلم مكفي بعيب لمن كفى
وأخوه محمد بن عروة؛ وهو الذي أصيب بدمشق: قام من الليل متوسنًا، فسقط من عل على دواب؛ فضربته بأرجلها حتى مات؛ وكان من أحب ولد عروة إليه. ورثاه إبراهيم بن يسار وكان إسماعيل بن يسار أشهر من إبراهيم بالشعر، فقال:
[ ١ / ٢٤٧ ]
تلك عرسي رامت سفاهًا فراقي واستملت فما تواتي عناقي
زعمت أنها هلاكي مع الما ل وأني محالف إملاقي
وتناست رزية بدمشق أشخصت مهجتي فويق التراقي
يوم أدعى إلى ابن عروة نعشًا فوق أيدي الرجال والأعناق
فاستلقوا به سراعًا إلى القب ر وما إن لحثهم من سباق
بمقام زلج فلما أجيبوا شخصوا وارتقوا وليس براق
كدت أقضي الحياة إذ غادروه في ضريح مراصف الأطباق
فتوليت مرجعًا قد شجاني قرب عهد به وبعد التلاق
وأما عثمان بن عروة، فكان من وجوه قريش وساداتهم؛ وليس لعثمان عقب إلا من قبل بناته؛ وقد روى عنه هشام بن عروة، وهشام أسن منه؛ ومات عثمان قبل هشام.
ومن ولد عروة: هشام بن عروة، وأمه: أم ولد، ومات هشام عند المنصور في صحابته ببغداد، في سنة خمس أو ست وأربعين ومائة؛ ولهشام عقب.
ومن ولد عروة بن الزبير: عبيد الله بن عروة، وقد عقل عن أبيه، ولم يحفظ من حديثه شيئًا؛ ولعبيد الله ولد؛ وأمه: أسماء بنت سلمة بن عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي؛ ومصعب بن عروة، وأمه: أم ولد، وله عقب، ولم يعقل عن أبيه شيئًا؛ كان أصغر ولد عروة بن الزبير.
هؤلاء ولد عروة بن الزبير.
[ ١ / ٢٤٨ ]
ومن ولد مصعب بن الزبير: عيسى، وعكاشة، أمهما: فاطمة بنت عبد الله بن السائب بن أبي حبيش بن أسد بن عبد العزى بن قصي؛ قتل عيسى بن مصعب مع أبيه بمسكن؛ وقد كان عرض عليه الأمان؛ فأبى إلا أن يقتل. وله يقول الشاعر، وهو يعير حوشب بن يزيد بن رويم فراره عن أبيه:
لعمرك ما آسى أباه بنفسه غداة غد من جانب الري حوشب
فلو كان حر النفس أو ذا حفيظة رأى ما رأى في الموت عيسى بن مصعب
وافتخرت بقتله ربيعة؛ فقال شاعرهم:
نحن قتلنا مصعبًا وعيسى
وكم قتلنا قبله رئيسًا
عمدًا أذقنا مضر التأييسا
وليس لعيسى عقب. وكان عكاشة من وجوه قريش.
ومن ولد مصعب بن الزبير: عمر بن مصعب، وأمه: أم ولد؛ وكان من وجوه آل الزبير؛ وابنه مصعب بن عمر، الذي يقول فيه الشاعر:
يا مصعب الخيرات إني امرؤ أعيا سواك اليوم في مذهبي
قد قلت للدنيا وأيامها إذا اقتفى بي مصعب فاصعبي
إن يبقه الله فإني به عنك شديد الأسر والمنكب
ذاك الزبيري خليلي الذي لنائبات الدهر ما أختبي
لعمر مصعب فخر به وللزبير الخير من منصب
طاب وطابت ريح أعراقه للأطيب الأطيب فالأطيب
[ ١ / ٢٤٩ ]
وأمه: أم سليمان بنت خالد بن الزبير بن العوام.
ومن ولد مصعب بن الزبير: جعفر، وحمزة، وسعد، ومحمد، لأمهات أولاد شتى. ومن ولد مصعب: مصعب بن مصعب، وهو خضير، لأم ولد. قتل مصعب بقديد أيام جاءت الحرورية يقودهم بلخ وأبو حمزة، وجههم عبد الله بن يحيى الذي يقال له " طالب الحق "؛ فلقيهم أهل المدينة بقديد؛ وكان على المدينة عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، استعمله عليهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك؛ وكان هذا في زمان مروان بن محمد؛ وقتل حمزة بن مصعب وابنه عمارة بن حمزة؛ فيقال: إن أعرق الناس في القتل: عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير؛ يقال: له أربعة آباء في الإسلام، ولجعفر بن مصعب عقب؛ وليس لسعد ومحمد ومصعب بني مصعب بن الزبير عقب إلا من قبل النساء.
ولخالد بن الزبير، وعمرو بن الزبير، وعبيدة بن الزبير، وجعفر بن الزبير عقب.
وولد جعفر بن الزبير: محمد بن جعفر.
هؤلاء ولد الزبير بن العوام. وهؤلاء ولد أسد بن عبد العزى بن قصي.