وحاول ابن سنان الخفاجى (- هـ) أن يحدد البلاغة ويرسم معالمها غير أنّه لم يأت بالكلمة الفاصلة والتعريف الجامع المانع. ولم يك وحده الذى فعل ذلك فقد مرت بالبلاغة تعريفات كثيرة نقلها الجاحظ فى «البيان والتبيين» وأبو هلال فى «كتاب الصناعتين»، ولذلك أشار إلى اضطراب القوم فى حدها والوقوف على كنهها، وقال: «وقد حدّ الناس البلاغة بحدود إذا حققت كانت كالرسوم والعلائم وليست بالحدود الصحيحة فمن ذلك قول بعضهم «لمحة دالة» وهذا وصف من صفاتها فأما أن يكون حاصرا لها وحدا يحيط بها فليس ذلك بممكن لدخول الإشارة من غير كلام يتلفظ به تحت هذا الحد» (٢).
ولم يعرف البلاغة، وإنما فرق بينها وبين الفصاحة وقال: «والفرق بين الفصاحة والبلاغة، أنّ الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلّا وصفا للألفاظ مع المعانى. لا يقال فى كلمة واحدة لا تدل على
_________________
(١) كتاب الصناعتين ص ٧.
(٢) سر الفصاحة ص ٦٠.
[ ٥٦ ]
معنى يفضل عن مثلها بليغة وإن قيل فيها فصيحة، وكل كلام بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغا» (١).
لقد وضع ابن سنان حدّا فاصلا بين المصطلحين، وحصر الفصاحة فى الألفاظ، والبلاغة فى المعانى والألفاظ، وأصبحت الفصاحة شطر البلاغة وأحد جزأيها. وهذه التفاتة حسنة، ولكنه أطلق «الفصاحة» على موضوعات البلاغة وسمى كتابه «سر الفصاحة» ومعنى ذلك أنّها تشمل الألفاظ والمعانى وقد أوضح ذلك بقوله: «وفى البلاغة أقوال كثيرة غير خارجة عن هذا النحو، وإذا كانت الفصاحة شطرها وأحد جزأيها فكلامى على المقصود- وهو الفصاحة- غير متميز إلّا فى الموضع الذى يجب بيانه من الفرق بينهما على ما قدمت ذكره، فأما ما سوى ذلك فعام لا يختص، وخليط لا ينقسم» (٢)
وابن سنان حينما ينتقل إلى تأليف الكلام يظل مرتبطا بالحديث عن الألفاظ، لأنّ البلاغة أن توضع الألفاظ موضعها حقيقة أو مجازا، تقديما أو تأخيرا، قلبا أو حشوا، وغير ذلك مما فصّل القول فيه.