وهو طلب الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام، أو كما قال العلوى:
«وهو صيغة تستدعى الفعل، أو قول ينبئ عن استدعاء الفعل من جهة الغير على جهة الاستعلاء» (١). وله أربع صيغ هى:
- فعل الأمر: كقوله تعالى: «وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ» (٢)، وقول الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فانّك أنت الطاعم الكاسى
- المضارع المقرون بلام الأمر: كقوله تعالى: «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ» (٣). وقول أبى تمام:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
_________________
(١) الطراز ج ٣ ص ٢٨١.
(٢) النور ٥٦.
(٣) الطلاق ٧.
[ ١١٠ ]
- اسم فعل الأمر: كقوله تعالى: «عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ» (١)، أى: الزموا أنفسكم.
ومنه «صه» بمعنى اسكت، و«مه» بمعنى «اكفف» و«آمين» بمعنى استجب و«بله» بمعنى دع، و«رويده» بمعنى
أمهله، و«نزال» بمعنى انزل و«دراك» بمعنى أدرك.
- المصدر النائب عن فعل الأمر: كقوله تعالى: «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا» (٢) وقول قطرى بن الفجاءة:
فصبرا فى مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع
وقد يخرج الأمر عن معناه الأصلى- وهو طلب الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام إلى معان أخرى تفهم من سياق الكلام، ومن هذه الأغراض المجازية:
- الدعاء: وهو الطلب على سبيل التضرع، كقوله تعالى: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ» (٣) ويسميه ابن فارس «المسألة» (٤). ومنه قوله تعالى:
«رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ، فَآمَنَّا، رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ» (٥).
وقوله: «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» (٦).
ومنه قول المتنبى:
أزل حسد الحسّاد عنى بكبتهم فأنت الذى صيّرتهم لى حسّدا
_________________
(١) المائدة ١٠٥.
(٢) البقرة ٨٣.
(٣) نوح ٢٨.
(٤) الصاحبى ١٨٤.
(٥) آل عمران ١٩٣.
(٦) الفاتحة ٦.
[ ١١١ ]
- الالتماس: وهو الطلب الصادر عن المتساوين قدرا ومنزلة على سبيل التلطف كقول ابن زيدون:
دومى على العهد مادمنا محافظة فالحرّ من دان إنصافا كما دينا
- التمنى: وهو الطلب الذى لا يرجى وقوعه، كقول عنترة:
يا دار عبلة بالجواء تكلمى وعمى صباحا دار عبلة واسلمى
وقول امرئ القيس:
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلى بصبح وما الإصباح منك بأمثل
وقول المعرى:
فيا موت زر إنّ الحياة ذميمة ويا نفس جدّى إنّ دهرك هازل
وقول ابن زيدون:
ويا نسيم الصّبا بلّغ تحيتنا من لو على البعد حيّا كان يحيينا
- النصح والإرشاد: وهو الطلب الذى لا إلزام فيه وإنّما النصيحة الخالصة، كقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ» (١)، وقوله:
«وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ» (٢).
وقول المتنبى فى مدح سيف الدولة:
كذا فليسر من طلب الأعادى ومثل سراك فليكن الطلاب
- التمييز: وهو الطلب بأن يختار المخاطب بين أمرين أو أكثر، كقول بشار:
فعش واحدا أو صل أخاك فانّه مقارف ذنب مرة ومجانبه
_________________
(١) البقرة ٢٨٢.
(٢) البقرة ٢٨٢.
[ ١١٢ ]
- الإباحة: كقوله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ» (١). وقال القزوينى: «ومن أحسن ما جاء فيه قول كثير:
أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة لدينا، ولا مقلية إن تقلّت (٢)
أى: لا أنت ملومة ولا مقلية.
ووجه حسنه إظهار الرضا بوقوع الداخل تحت لفظ الأمر حتى كأنه مطلوب، أى: مهما اخترت فى حقى من الإساءة والإحسان، فأنا راض به غاية الرضا فعاملينى بهما، وانظرى هل تتفاوت حالى معك فى الحالين» (٣).
- التعجيز: وهو الطلب بما لا يقدر عليه المخاطب كقوله تعالى: «يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ» (٤)، وقوله: «وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (٥).
وقول الشاعر:
أرونى بخيلا طال عمرا ببخله وهاتوا كريما مات من كثرة البذل
- التهديد: كقوله تعالى: «اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (٦) وقوله: «قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ» (٧).
_________________
(١) البقرة ١٨٧.
(٢) مقلية مكروهة بغيضة. تقلت: تكرهت وتبغضت.
(٣) الإيضاح ص ١٤٣.
(٤) الرحمن ٣٣.
(٥) البقرة ٢٣.
(٦) فصلت ٤٠.
(٧) إبراهيم ٣٠.
[ ١١٣ ]
ومنه قول الشاعر:
إذا لم تخش عاقبة الليالى ولم تستحى فاصنع ما تشاء
- التسوية: كقوله تعالى: «فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا» (١)، ومنه قول المتنبى:
عش عزيزا أو مت وأنت كريم بين طعن القنا وخفق البنود
- الإهانة: كقوله تعالى: «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ» (٢)، وقوله: «كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا» (٣).
- التسخير: هو التذليل والإهانة، كقوله تعالى: «كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» (٤)، ويسميه ابن فارس «التكوين» (٥).
- الاحتقار: كقوله تعالى: «أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ» (٦)، وبعضهم يجمع الإهانة والاحتقار فى غرض واحد.
- التسليم: كقوله تعالى: «فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ» (٧).
- الندب: كقوله تعالى: «فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ» (٨).
_________________
(١) الطور ١٦.
(٢) الدخان ٤٩.
(٣) الإسراء ٥٠.
(٤) الأعراف ١٦٦. وخاسئين: مبعدين مطرودين لا يسمح لكم بالقرب من الناس.
(٥) الصاحبى ص ١٨٥.
(٦) يونس ٨٠، والشعراء ٤٣.
(٧) طه ٧٢.
(٨) الجمعة ١٠.
[ ١١٤ ]
- التعجب: كقوله تعالى: «أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ» (١)، ومنه قول كعب بن زهير:
أحسن بها خلة لو أنّها صدقت موعودها ولو انّ النصح مقبول
- التلهيف والتحسير: كقوله تعالى: «قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ» (٢). ومنه قول جرير:
موتوا من الغيظ غما فى جزيرتكم لن تقطعوا بطن واد دونه مضر
- الوجوب: وذلك أن يكون أمرا وهو واجب كقوله تعالى: «وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ» (٣).
- الخبر: ويكون أمرا والمعنى خبر كقوله تعالى: «فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا» (٤). والمعنى: إنّهم سيضحكون قليلا ويبكون كثيرا.
- الامتنان: كقوله تعالى: «فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ» (٥)، والظاهر أنّه قسم من الإباحة لكن معه امتنان.
- الاكرام: مثل قوله تعالى: «ادْخُلُوها بِسَلامٍ» (٦)، وهو من الإباحة أيضا.
- التكوين: كقوله تعالى: «كُنْ فَيَكُونُ» (٧)، وهو قريب من التسخير، إلّا أنّ هذا أعم.
_________________
(١) مريم ٣٨.
(٢) آل عمران ١١٩.
(٣) البقرة ٤٣.
(٤) التوبة ٨٢.
(٥) النحل ١١٤.
(٦) الحجر ٤٦.
(٧) البقرة ١١٧، وغيرها.
[ ١١٥ ]
- التفويض: كقوله تعالى: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ» (١).
- التكذيب: كقوله تعالى: «قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها» (٢)، وقوله: «قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا» (٣).
- المشورة: كقوله تعالى: «فَانْظُرْ ماذا تَرى» (٤).
- الاعتبار: كقوله تعالى: «انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ» (٥).
ويرى السبكى أنّ فى غالب هذه المعانى نظرا (٦).