الحذف- لغة- الإسقاط، واصطلاحا إسقاط بعض الكلام أو كله لدليل (٥) والحذف عند البديعيين غير ما نراه عند علماء المعانى، فهو «أن يحذف المتكلم
_________________
(١) طه ١٨.
(٢) مفتاح العلوم ص ٨٥.
(٣) الإيضاح ص ٣٤، وينظر شروح التلخيص ج ١ ص ٢٨٢ وما بعدها.
(٤) مفتاح العلوم ص ٩٩، والإيضاح ص ٨٦، وشروح التلخيص ج ٢ ص ١٩.
(٥) البرهان فى علوم القرآن ج ٣ ص ١٠٢.
[ ١٦٠ ]
من كلامه حرفا من حروف الهجاء أو جميع الحروف المهملة بشرط عدم التكلف والتعسف (١)»، وهذا لون من ألوان البديع.
واختلفوا فى الحذف هل هو مجاز؟ ويرى الزركشى أنّه «إن أريد بالمجاز استعمال اللفظ فى غير موضعه فالمحذوف ليس كذلك لعدم استعماله، وإن أريد بالمجاز إسناد الفعل إلى غيره- وهو المجاز العقلى- فالحذف كذلك» (٢).
وكان عبد القاهر قد أبدع فى تحليل الجملة وإظهار ما فيها من حذف أو ذكر، وعقد فصلا فى الحذف قال فيه: «هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فانك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للافادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن. وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر وتدفعها حتى تنظر» (٣).
ولا يجوز حذف المسند إليه إلّا إذا دل عليه دليل من اللفظ أو الحال، ويترجح حذفه إذا كان مبتدأ لدواع منها:
- الاحتراز عن العبث بترك ما لا ضرورة لذكره، وذلك يكسب الكلام قوة وجمالا. ويكثر هذا الحذف فى جواب الاستفهام كقوله تعالى:
«وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ. نارٌ حامِيَةٌ» (٤) أى: هى نار حامية. وبعد الفاء المقترنة بالجمل الاسمية الواقعة جوابا للشرط كقوله تعالى: «مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها» (٥) أى: فعمله لنفسه وإساءتها عليها.
_________________
(١) خزانة الأدب للحموى ص ٤٣٩.
(٢) البرهان فى علوم القرآن ج ٣ ص ١٠٤.
(٣) دلائل الإعجاز ص ١١٢.
(٤) القارعة ١٠ - ١١.
(٥) فصلت ٤٦.
[ ١٦١ ]
وبعد القول، كقوله تعالى: «وَقالُوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» (١) أى: قالوا القرآن أساطير.
ومن المواضع التى يطرد فيها حذف المبتدأ القطع والاستئناف، وذلك حين يبدأ المتكلم بذكر شئ ويقدم بعض أمره ثم يدع الكلام الأول ويستأنف كلاما آخر، وهو حين يفعل ذلك يأتى فى أكثر الأمر بخبر من غير مبتدأ (٢) ومن ذلك قول الشاعر:
وعلمت أنّى يوم ذا ك منازل كعبا ونهدا
قوم إذا لبسوا الحدي د تنمّروا حلقا وقدّا (٣)
وقول الآخر:
هم حلّوا من الشرف المعلّى ومن حسب العشيرة حيث شاءوا
بناة مكارم وأساة كلم دماؤهم من الكلب الشفاء
ومنه:
سأشكر عمرا إن تراخت منيتى أيادى لم تمنن وإن هى حلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلّت
ومنه قول جميل بثينة:
وهل بثينة يا للناس قاضيتى دينى وفاعلة خيرا فأجزيها
ترنو بعينى مهاة أقصدت بهما قلبى عشية ترمينى وأرميها
هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ريا العظام بلين العيش غاذيها
_________________
(١) الفرقان ٥.
(٢) ينظر دلائل الإعجاز ص ١١٣.
(٣) تنمر: تشبه بالنمر: القد: الجلد وتصنع منه الدروع.
[ ١٦٢ ]
وقول الأقيشر فى ابن عم له موسر سأله فمنعه:
سريع إلى ابن العم يلطم وجهه وليس إلى داعى النّدى بسريع
حريص على الدنيا مضيع لدينه وليس لما فى بيته بمضيع
قال عبد القاهر معلقا على هذه الأبيات: «فتأمل الآن هذه الأبيات كلها واستقرها واحدا واحدا وانظر إلى موقعها فى نفسك وإلى ما تجده من اللطف والظرف إذا أنت مررت بموضع الحذف منها ثم قلبت النفس عما تجد وألطفت النظر فيما تحس به. ثم تكلف أن تردّ ما حذف الشاعر وأن تخرجه إلى لفظك وتوقعه فى سمعك فانك تعلم أنّ الذى قلت كما قلت، وأن ربّ حذف هو قلادة الجيد وقاعدة التجويد» (١).
- ضيق المقام عن إطالة الكلام: وذلك للتوجع كقول الشاعر:
قال لى: كيف أنت؟ قلت عليل سهر دائم وحزن طويل
أى: أنا عليل.
أو للخوف من فوات الفرصة مثل: «حريق» أى: هذه حريق.
- تيسير الإنكار عند الحاجة: مثاله أن يذكر شخص فتقول «فاسق» ثم تخشى من غائلة ذلك فتنكره، فلو قلت: «زيد فاسق» لقامت البينة ولم تستطع الإنكار.
- تعجيل المسرة بالمسند: مثل: «أخى»، أى: هذا أخى.
- تكثير الفائدة: كقوله تعالى: «قالَ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ» (٢)، أى، فأمرى صبر جميل، أو فصبرى صبر جميل.
_________________
(١) دلائل الإعجاز ص ١١٦.
(٢) يوسف ١٨.
[ ١٦٣ ]
وإذا كان المسند إليه فاعلا فانه يترجح حذفه حينما لا يحقق ذكره غرضا معينا فى الكلام كقوله تعالى: «وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ» (١) أى: بمثل ما عاقبكم المعتدى به. أو للمحافظة على السجع فى النثر، وعلى الوزن فى الشعر، أو أنّ الفاعل معلوم كقوله تعالى: «وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا» (٢)، أى خلق الله الإنسان. ويحذف للجهل به، أو للتحقير، أو الخوف منه، أو عليه، وغير ذلك من الدواعى والأسباب التى يقتضيها المقام (٣).
ولا يجوز حذف المسند إلّا إذا دل عليه دليل، ويترجح حذفه إذا كان خبرا لدواع منها:
- الاحتراز عن العبث بعدم ذكر ما لا ضرورة لذكره، إمّا مع ضيق المقام من وزن أو غيره كقول الشاعر:
ومن يك أمسى بالمدينة رحله فانى وقيّار بها لغريب (٤)
أى: وقيار كذلك.
وقول قيس بن الخطيم:
نحن بما عندنا وأنت بما عن دك راض والرأى مختلف
أى: نحن بما عندنا راضون. وأما بدون التضييق كقوله تعالى: «وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ» (٥) أى: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك.
_________________
(١) النحل ١٢٦.
(٢) النساء ٢٨.
(٣) ينظر مفتاح العلوم ص ٨٤، والإيضاح ص ٣١، وشروح التلخيص ج ١ ص ٢٧٣.
(٤) قيار: اسم فرس الشاعر أو جمله.
(٥) التوبة ٦٢.
[ ١٦٤ ]
ويكثر حذف المسند لهذا السبب إذا كانت الجملة جوابا عن استفهام علم منه الخبر، مثل: «أبى» جوابا لمن سألك: «من فى الدار؟» أو إذا كانت الجملة بعد «إذا» الفجائية مثل: «خرجت فاذا محمد» ويحتمل أن يكون الخبر «بالباب» أو
«حاضر».
أو كانت الجملة معطوفة على جملة اسمية والمبتدآن مشتركان فى الحكم مثل: «أنت مسافر وأخوك» أى: وأخوك مسافر أيضا. ومنه قوله تعالى:
«أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها» (١) أى: وظلها دائم كذلك.
- تكثير الفائدة: ومنه قوله تعالى: «بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ» (٢) فقوله: «فصبر جميل» يحتمل أن يكون من حذف المسند إليه أو المسند، فاذا حذف المسند إليه كان التقدير: «فأمرى صبر جميل» وإذا حذف المسند كان التقدير: «فصبر جميل أجمل».
ويترجح حذف المسند إذا كان فعلا للدواعى التى تقدمت، ومن ذلك قوله تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» (٣) أى: خلقهن الله. (٤)