الرابع: الإشارة، ويؤتى بالمسند إليه اسم إشارة لأحد أمور، وذلك:
- أن يقصد تميزه لإحضاره فى ذهن السامع حسا، فالإشارة أكمل ما يكون من التمييز كقول ابن الرومى.:
هذا أبو الصقر فردا فى محاسنه من نسل شيبان بين الضّال والسّلم
_________________
(١) طه ٧٨.
(٢) غافر ٦٠. داخرين: صاغرين.
(٣) سمك: رفع.
(٤) الأعراف ٩٢.
(٥) ينظر مفتاح العلوم ص ٨٧، والإيضاح ص ٣٥، وشروح التلخيص ج ١ ص ٣٠٢.
[ ١٤٧ ]
وقول الآخر:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا
وقول الآخر:
وإذا تأمل شخص ضيف مقبل متسربل سربال ليل أغبر (١)
أوما إلى الكوماء: هذا طارق نحرتنى الأعداء إن لم تنحرى
- أو للقصد أنّ السامع غبى لا يتميز الشئ عنده إلّا بالحس، كقول الفرزدق:
أولئك آبائى فجئنى بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
- أو أن يقصد بيان حاله فى القرب أو البعد أو التوسط كقولك: «هذا زيد، وذاك عمرو، وذاك بشر».
وربما جعل القرب ذريعة إلى التحقير كقوله تعالى: «وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا، أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ» (٢)، وقوله: «وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا، أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا؟» (٣)، «وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ» (٤).
ومنه قول الشاعر:
تقول ودقّت نحرها بيمينها أبعلى هذا بالرحا المتقاعس
أو يقصد بالبعد العناية بتميزه وتعيينه، كقوله تعالى: «أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (٥).
_________________
(١) متسربل: لابس السربال وهو القميص.
(٢) الأنبياء ٣٦.
(٣) الفرقان ٤١.
(٤) العنكبوت ٦٤.
(٥) البقرة ٥.
[ ١٤٨ ]
وربما جعل البعد ذريعة إلى التعظيم كقوله تعالى: «الم. ذلِكَ الْكِتابُ» (١) ذهابا إلى أبعد درجته، وقوله: «وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها» (٢).
وقد يجعل ذريعة إلى التحقير كما يقال «ذلك اللعين فعل كذا».
- أو للتنبيه إذا ذكر قبل المسند إليه مذكور وعقب بأوصاف على أنّ ما يرد بعد اسم الاشارة فالمذكور جدير باكتسابه من أجل تلك الأوصاف كقول حاتم الطائى.
ولله صعلوك يساور همّه ويمضى على الأحداث والدّهر مقدما
فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ولا شبعة إن نالها عدّ مغنما
اذا ما رأى يوما مكارم أعرضت تيمّم كبراهنّ ثمّت صمّما
ترى رمحه ونبله ومجنّه وذا شطب عضب الضريبة مخذما
وأحناء سرج قاتر ولجامه عتاد أخى هيجا وطرفا مسوّما
فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمّما (٣)
_________________
(١) البقرة ١ - ٢.
(٢) الزخرف ٧٢.
(٣) يساور: يواثب ويغالب. الخمص: الجوع. الترحة: الشقاء والفقر: تيمم.: قصد. المجن: الترس. الشطب: طرائق وخطوط فى متن السيف: العضب: القاطع. الضريبة من السيف: حده. المخذم: القاطع. السرج القاتر: الجيد. الطرف: الجواد الأصيل. المسوم: المعلم لشهرته.
[ ١٤٩ ]
لقد عدد له خصالا حميدة كالمضاء على الأحداث مقدما والصبر على ألم الجوع والأنفة من أن يعد الشبعة مغنما وتيمم كبرى المكرمات، والتأهب للحرب بأدواتها، ثم عقب ذلك بقوله: «فذلك» فأفاد أنّه جدير باتصافه بما ذكر من الصفات.
ومنه قوله تعالى: «أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (١).
أفاد اسم الإشارة زيادة الدلالة على المقصود من اختصاص المذكورين قبله باستحقاق الهدى من ربحهم والفلاح (٢).