وحينما قسم السكاكى (- هـ) البلاغة ووضع معالمها فى كتابه «مفتاح العلوم» عرّفها تعريفا دقيقا وقال: «هى بلوغ المتكلم فى تأدية المعانى حدا له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها، وإيراد التشبيه والمجاز والكناية على وجهها» (٣).
وبهذا التعريف أدخل مباحث علم المعانى وعلم البيان، وأخرج مباحث البديع، لأنّه وجوه يؤتى بها لتحسين الكلام وهى ليست من مرجعى البلاغة
_________________
(١) نهاية الإيجاز ص ٩.
(٢) المثل السائر ج ١ ص ٦٩.
(٣) مفتاح العلوم ص ١٩٦.
[ ٥٨ ]
وللبلاغة طرفان: أعلى وأسفل متباينان تباينا لا يتراءى لأحد ناراهما وبينهما مراتب متفاوتة تكاد تفوت الحصر، فمن الأسفل تبتدئ البلاغة، وهو القدر الذى إذا نقص منه شئ التحق ذلك الكلام بأصوات الحيوانات ثم تأخذ فى التزايد متصاعدة إلى أن تبلغ حد الإعجاز، وهو الطرف الأعلى وما يقرب منه.
ولم يعرّف الفصاحة واكتفى بتقسيمها إلى قسمين: قسم راجع إلى المعنى، وقسم راجع إلى اللفظ، ولم يجعلها لازمة للبلاغة التى حصر مرجعيها فى المعانى والبيان. وقد أشار القزوينى إلى ذلك بقوله: «وجعل الفصاحة غير لازمة للبلاغة، وحصر مرجع البلاغة فى الفنين، ولم يجعل الفصاحة مرجعا لشئ منهما» (١). وقال التفتازانى: «لم يجعل البلاغة مستلزمة للفصاحة، وحصر مرجعها فى المعانى والبيان دون اللغة والصرف والنحو» (٢)، ورأى أنّ مرجعها إلى هذه العلوم جميعا لا إلى مجرد المعانى والبيان.
ولكن السكاكى- مع ذلك كله- رأى أنّ البلاغة بمرجعيها والفصاحة بنوعيها «مما يكسو الكلام حلة التزيين ويرقيه أعلى درجات التحسين» (٣) ولذلك نراه حينما حلل بعض الآيات القرآنية اتخذ من مرجعى البلاغة ومن الفصاحة مقياسا لإظهار ما فيها من صور بيانية ومن روعة وتأثير فى النفوس.