ويظهر مصطلح البلاغة بوضوح فى «كتاب الصناعتين» لأبى هلال العسكرى (- هـ) الذى قال: «إن أحق العلوم بالتعلم وأولاها بالتحفظ بعد المعرفة بالله- جل ثناؤه- علم البلاغة ومعرفة الفصاحة (٢)». وقال: «البلاغة من قولهم: بلغت المكان، إذا انتهيت إليها وبلغتها غيرى، ومبلغ الشئ منتهاه. والمبالغة فى الشئ: الانتهاء إلى غايته، فسميت البلاغة بلاغة، لأنها تنهى المعنى إلى قلب السامع فيفهمه، وسميت البلغة بلغة لأنك تتبلغ بها فتنتهى بك إلى ما فوقها وهى البلاغ أيضا (٣)» وأبدى رأيه فى تعريفها، وحدّدها بقوله: «البلاغة: كل ما تبلغ به قلب السامع فتمكنه فى نفسه كتمكنه فى نفسك، مع صورة مقبولة ومعرض حسن» (٤).
والبلاغة- عنده- من صفة الكلام لا من صفة المتكلم، ولذلك لا يجوز أن يسمّى الله بليغا، إذ لا يجوز أن يوصف بصفة موضوعها الكلام. وتسمية المتكلم بأنّه بليغ توسع، وحقيقته أنّ كلامه بليغ كما نقول: «رجل محكم» ونعنى أنّ أفعاله محكمة. قال تعالى: «حِكْمَةٌ بالِغَةٌ» (٥) فجعل البلاغة من
_________________
(١) البلاغة ص ٥٩.
(٢) كتاب الصناعتين ص ٦.
(٣) كتاب الصناعتين ص ٦.
(٤) كتاب الصناعتين ص ١٠.
(٥) القمر ٥.
[ ٥٥ ]
صفة الحكمة ولم يجعلها من صفة الحكيم، إلّا أنّ كثرة الاستعمال جعلت تسمية المتكلم بأنّه بليغ كالحقيقة.
وفى كتاب الصناعتين رأيان:
الأول: أنّ الفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد وإن اختلف أصلاهما، لأنّ كل واحد منهما إنّما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له.
والثانى: أنّ الفصاحة والبلاغة مختلفتان، ذلك أنّ الفصاحة تمام آلة البيان فهى مقصورة على اللفظ، لأنّ الآلة تتعلق باللفظ دون المعنى، والبلاغة إنّما هى إنهاء المعنى إلى القلب فكأنها مقصورة على المعنى (١).