الجملة كلمات تأتلف لتدل على معنى، أو هى- كما يقول النحاة-:
«اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليها» (١). ولا تكون الجملة تامة إلّا إذا استوفت ركنين هما: المسند إليه والمسند، وإذا ما حذف منها أحد هذين الركنين فان النحاة يلجأون إلى التقدير ليستقيم الكلام.
واستعمل القدماء هذين المصطلحين فقال سيبويه: «هذا باب المسند والمسند إليه وهما ما لا يستغنى واحد منهما عن الآخر ولا يجد المتكلم منه بدّا.
فمن ذلك الاسم المبتدأ والمبنىّ عليه وهو قولك: «عبد الله أخوك» و«هذا أخوك» ومثل ذلك قولك: «يذهب زيد» فلا بدّ للفعل من الاسم كما لم يكن للاسم الأول بدّ من الآخر فى الابتداء. ومما يكون بمنزلة الابتداء قولك «كان عبد الله منطلقا» و«ليت زيدا منطلق» لأنّ هذا يحتاج إلى ما بعده كاحتياج المبتدأ إلى ما بعده» (٢).
ولم يأخذ النحاة بهذين المصطلحين بعد سيبويه وإن أداروهما فى كتبهم، وإنّما استعملوا ما يقابلهما من مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل وغيرها، ولكن علماء البلاغة أخذوهما وبنوا عليهما دراستهم فى علم المعانى، فانحصرت فى
المسند والمسند إليه وما يتبعهما من ذكر وحذف، وتقديم وتأخير، وقصر.
ولا يتجاوز ذلك إلّا حينما يتحدثون عن الفصل والوصل، والمساواة والإيجاز
_________________
(١) شرح ابن عقيل ج ١ ص ١٤.
(٢) كتاب سيبويه ج ١ ص ٧.
[ ١٣٢ ]
والاطناب، وهو تجاوز لا يبعد عن الجملتين فى أكثر الأحيان. وكان أكثر البلاغيين تمسكا بهذا المنهج رجال المدرسة الكلامية كالسكاكى والقزوينى وشراح التلخيص، أما عبد القاهر الجرجانى وضياء الدين بن الأثير وغيرهما من أعلام المدرسة الأدبية فلم يتجهوا هذا الاتجاه ولم ينحوا هذا المنحى، وإنّما كانوا يحكّمون الذوق ويتحسسون مواطن الجمال فى الكلام. ونتج عن ذلك أن مزقت البلاغة شر ممزق فكان الحذف فى عدة مواضع، والذكر فى أبواب متفرقة، لأنهما درسا فى المسند إليه مرة وفى المسند تارة وفى متعلقات الفعل تارة ثالثة. ومثل هذا يقال فى الموضوعات التى بحثها عبد القاهر وابن الأثير فى فصول موحدة جمعت الروعة والنفع، وإنارة السبيل، وتهذيب الذوق وتنمية الملكة الأدبية.