كان السكاكى (- هـ) أول من أطلق مصطلح «علم المعانى» على الموضوعات التى سماها عبد القاهر النظم أو معانى النحو. ومع أنّه لم يطلق ذلك على بعض مباحث البلاغة أحد غيره إلّا أنّ الباحث ليحار حينما يجد مصطلحى «المعانى» و«البيان» قبله. فالزمخشرى (- هـ) يشير إليهما فى الكشاف ويقول وهو يتحدث عن التفسير: «ولا يغوص على شئ من تلك الحقائق إلّا رجل قد برع فى علمين مختصين بالقرآن وهما: علم المعانى وعلم البيان» (٣). وكلامه غير واضح، لأنّه كثيرا ما يردّد هذين المصطلحين وكثيرا ما يطلق مصطلح «البيان» على البلاغة كلها، يضاف إلى ذلك أنّه لم يضع حدّا بين موضوعات المعانى والبيان. وعلة ذلك أنّه لم يكن يبحث فى البلاغة حينما ألّف «الكشاف» وإنّما كان يفسر القرآن الكريم ويوضّح ما فيه من معان رفيعة ومن روعة وجمال وتأثير فى النفوس. وكان يستخدم
_________________
(١) للتفصيل فى نظرية النظم يراجع الفصل الثانى من كتابنا «عبد القاهر الجرجانى- بلاغته ونقده» ص-.
(٢) مفتاح العلوم، ص ٧٧.
(٣) الكشاف، ج ١ ص (ك).
[ ٧٥ ]
مصطلحات البلاغة وفنونها للوصول إلى هذه الغاية، ولذلك توزعت فى الكتاب ولم يجمعها جامع أو يحدّها منهج واضح. ونراه أحيانا يسمى البلاغة «بديعا» ففى تفسير قوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ» (١) يقول: «هذا من الصّنعة البديعية التى تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهى أن تساق كلمة مساق مجاز» (٢).
ويخالف أحيانا ما تعارف عليه البلاغيون فيجعل الالتفات من البيان ويقول فى العدول عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب: «قلت: هذا يسمى الالتفات فى علم البيان» (٣).
وذكر الدكتور شوقى ضيف أنّ الزمخشرى أول من ميّزبين المصطلحين وقسّم البلاغة إلى معان وبيان، وأنّ السكاكى تأثر به فى هذا التقسيم (٤)، ولكن ما ذكرناه وما يضمه تفسير الكشاف لا يؤيد هذا القول، وإن كانت
عبارة الزمخشرى توحى بذلك قبل البحث والتدقيق.
وذكر فخر الدين الرازى (- هـ) مصطلحى «علم المعانى» و«علم البيان» ولكنه لم يعرّفهما أو يوضحهما ولم يحدد موضوعاتهما. يقول وهو يتحدث عن الخبر: «ولكن الخبر هو الذى يتصور بالصور الكثيرة، وتظهر فيه الدقائق العجيبة والأسرار الغريبة من علم المعانى والبيان» (٥).
وعبارة «من علم المعانى والبيان» غامضة لا يفهم منها إلّا معنى عام هو البلاغة أمّا معانيهما التى حصرها السكاكى فلم يشر إليها، وهو فى ذلك يتابع الزمخشرى الذى ذكر المصطلحين من غير أن يعرفهما أو يفصل بينهما.
ويكرر السكاكى بعض العبارات مثل «صناعة علم المعانى» و«علماء علم المعانى» و«أذهان الراضة من علماء المعانى» و«أئمة علم المعانى» (٦)،
_________________
(١) البقرة ١٦.
(٢) الكشاف ج ١ ص ٥٣.
(٣) الكشاف ج ١ ص ١١.
(٤) البلاغة تطور وتأريخ ص ٢٢١، ٢٧٠، ٢٨٨.
(٥) نهاية الإيجاز ص ٣٦.
(٦) مفتاح العلوم ص ٨١، ٩٥، ١١٩، ١٢١.
[ ٧٦ ]
ولكنه لم يحدد معانيها أو يذكر علماء علم المعانى وأثمته. ولم نعثر فى تأريخ البلاغة على علماء اختصوا بهذا العلم وبحثوا فيه كما فعل السكاكى فى «مفتاح العلوم» إلا ما نلاحظه من وقوف عبد القاهر الجرجانى على «معانى النحو» فى كتابه «دلائل الإعجاز» و«البيان» فى كتابه «أسرار البلاغة» لكن هذا الوقوف لا يعنى أنّه ميز بينهما، لأنّ موضوعات البلاغة ظلت مختلطة فى التكابين، وإن كان الأول أقرب إلى علم المعانى والثانى ألصق بعلم البيان.
ولأننا لم نستطع أن نتبين مفهوم المعانى قبل السكاكى مع ما جاء فى «الكشاف» و«نهاية الإيجاز» نقرر أنّه أول من قسم البلاغة إلى معان وبيان ومحسنات، وحدد موضوعاتها وأرسى قواعدها، وأنّه أول من أطلق على الموضوعات المتعلقة بالنظم مصطلح «علم المعانى» وعلى الموضوعات التى تبحث فى الصورة والخيال-
التشبيه والمجاز والكناية- مصطلح «علم البيان» وأنّه أول من سمّى غير هذه البحوث محسنات أو «وجوها مخصوصة يصار اليها لقصد تحسين الكلام» وقسّمها إلى ما يختص بالمعنى وما يتعلق باللفظ.
ولم يسمّها بديعا، وكان بدر الدين بن مالك (- هـ) صاحب «المصباح» هو الذى أطلق عليها هذا المصطلح وتابعه الخطيب القزوينى والمتأخرون.
وكان للسكاكى منهج فى بحث موضوعات «علم المعانى» اختلف عن كل ما ألفناه فى كتب البلاغة الأولى، وقد قرر- كما قرر غيره- أنّ كلام العرب قسمان: الخبر والطلب ولذلك قسم المعانى إلى قانونين:
الأول: يتعلق بالخبر.
والثانى: يتصل بالطلب.
وقسم القانون الأول إلى أربعة فنون:
الأول: فى تفصيل اعتبارات الإسناد الخبرى، تكلم فيه على أنواع الخبر وأغراضه ومؤكداته وخروجه على مقتضى الظاهر.
الثانى: فى تفصيل اعتبارات المسند إليه، تكلم فيه على حذفه وذكره، وتعريفه وتنكيره، وإضماره، وكونه معرفة سواء كان موصولا أم اسم
[ ٧٧ ]
إشارة أم معرفا بالألف واللام أم بالإضافة. وتحدث عن نعت المعرف، وتأكيد المسند إليه، وبيانه، وتفسيره، وبدله، والحالة التى تقتضى العطف والفصل، وتنكيره، وتقديمه على المسند، وتأخيره، وقصره، وخروجه على مقتضى الظاهر، والالتفات.
الثالث: فى تفصيل اعتبارات المسند، تكلم فيه على حذفه وذكره، وإفراده، وكونه فعلا، وتقييده وترك تقييده، وكونه منكّرا. ثم تحدث عن تخصيصه وتركه، وكونه اسما معرفا، وكونه جملة فعلية واسمية وظرفية، وتكلم على تأخيره وتقديمه. وعقد فى هذا الفن فصلا تحدث فيه عن العمل، وتركه وإثباته، وترك مفعوله وإثباته، وإضمار الفاعل وإظهاره. وتحدث عن اعتبار التقديم والتأخير مع الفعل، والحالات المقتضية لتقييد الفعل بالشرط.
الرابع: فى تفصيل اعتبارات الفصل والوصل، والإيجاز والإطناب، والقصر. وقسّم القانون الثانى إلى خمسة فصول هى التمنى، والاستفهام، والأمر، والنهى، والنداء. وبعد أن أكمل بحث الخبر والطلب تحدث عن استعمال الخبر موضع الطلب واستعمال الطلب موضع الخبر، وذكر أسلوب الحكيم فى خاتمة البحث (١).