إن قال قائل: إنّ تنزيل الوجود منزلةَ العدم، أو العدِم منزلةَ الوجود، ليس من حديث التشبيه في شيء، لأن التشبيه أن تثبت لهذا معنًى من معاني ذاك، أو حُكمًا من أحكامه، كإثباتك للرجل شجاعة الأسد، وللحُجة حكم النُّور، في أنك تفصل بها بين الحق والباطل، كما يُفصل بالنور بين الأشياء، وإذا قلت في الرجل القليل المعاني: هو معدوم، أو قلت: هو والعدم سواء، فلست تأخذ له شبهًا من شيء، ولكنك تنفيه وتُبطل وجوده، كما أنك إذا قلت: ليس هو بشيء أو ليس برجل، كان كذلك، وكما لا يسمّى أحدٌ نحوَ قولنا: ليس بشيء تشبيهًا، كذلك ينبغي أن لا يكون قولك: وأنت تقلِّل الشيءَ أُخبرت عنه معدومٌ تشبيهًا، وكذلك إذا جعلت المعدوم موجودًا كقولك مثلًا للمال يذهب ويفنَى ويُثمر صاحبهُ ذكرًا جميلًا وثناءً حسنًا: إنه باقٍ لك موجود، لم يكن ذلك تشبيهًا، بل إنكارًا لقول من نفى عنه الوجود، حتى كأنك تقول: عينُه باقية كما كانت، وإنما استَبْدَل بصورة صورةً فصار جمالًا، بعد ما كان مالًا، ومكارمَ، بعد أن كان دراهم، وإذا ثبت هذا في نفس الوُجود والعدم، ثبت في كل ما كان على طريق تنزيل الصفة الموجودة كأنها غير موجودة، نحو ما ذكرت من جعل الموت عبارةً عن الجهل، فلم يكن ذلك تشبيهًا، لأنه إذا كان لا يُرَاد بجعل الجاهل ميّتًا إلا نفْي الحياة عنه مبالغةً، ونفيُ العلم والتمييز والإحساس الذي لا يكون إلا مع الحياة، كان محصوله أنك لم تعتدُّ بحياته، وتركُ الاعتداد بالصفة لا يكون تشبيهًا، إنما نفيٌ لها وإنكارٌ لقول من أثبتها،
[ ٨٧ ]
فالجواب: إن الأمر كما ذكرتَ، ولكنّي تتبّعتُ فيما وضعتُه ظاهرَ الحال، ونظرتُ إلى قولهم: موجود كالمعدوم، وشيءٌ كلا شيء، ووجود شبيه بالعدم، فإن أبيتَ أن تعمل على هذا الظاهر لم أضايق فيه، إلا أن من حَقّك أن تعلم أنه لا غِنَى بك عن حفظ الترتيب الذي رتَّبْتُه في إعطاء المعقول اسم معقول آخر أعني لا بدّ من أن تعلم أنه يجيء على طريقين: أحدهما: تنزيل الوجود منزلة العدم، كما مضى من أنّ جعل الموت عبارةً عن الجهل، وإيقاعُ اسمه عليه يرجع إلى تنزيل حياته الموجودة كأنها معدومة، والثاني: أن لا يكون هذا المعنى، ولكن على أنّ لأحد المعنيين شَبَهًَا من الآخر، نحو أن السؤال يُشبه، في كراهته وصُعوبته على نفس الحُرّ، الموتَ. واعلم أني ذكرت لك في تمثيل هذه الأصول الواضحَ الظاهرَ القريبَ المتناوَلِ الكائنَ من قَبِيل المتعارف في كل لسان، وما تجد اعترافًا به وموافقةً عليه من كل إنسان، أو ما يشابه هذا الحدَّ ويشاكله، ويداخل هذا الضَّرب ويشاركه، ولم أذكر ما يدِقُّ ويغمُض، ويلطُف ويَغْرُب، وما هو من الأسرار التي أثارتْها الصنعة، وغاصت عليها فكرة الأفراد من ذوي البراعة في الشِّعر، لأن القصد إذا كان لتمهيد الأساس، ووضع قواعد القياس، كان الأوْلى أن أعمدَ إلى ما هو أظهر وأجلى من الأمثلة، لتكون الحجةُ بها عامّة لا يصرف وجهها بحال، والشهادةُ تامةً لا تجد من السامعين غير قبول وإقبال، حتى إذا تمّهدَت القواعد، وأُحكمت العُرَى والمَعَاقد، أُخِذ حينئذ في تتبُّع ما اخترعته
[ ٨٨ ]