اعلم أن مما يزدادُ به التشبيهُ دقّةً وسِحْرًَا، أن يجيء في الهيئات التي تقع على الحركات، والهيئةُ المقصودة في التَّشبيه على وجهين أحدهما أن تقترن بغيرها من الأوصاف كالشكل واللون ونحوهما، والثاني أن تُجرَّدَ هيئةُ الحركة حتى لا يُراد غيرها، فمن الأوّل قوله:
والشمسُ كالمرآةِ في كفِّ الأشل
أراد أن يُريك مع الشَّكل الذي هو الاستدارة، ومع الإشراق والتلألؤ على الجملة، الحركةَ التي تراها للشمس إذا أنعمتَ التأمُّل، ثم ما يحصُل في نُورها من أجل تلك الحركة، وذلك أن للشمس حركةً متصلةً دائمةً في غاية السرعة، ولنُورها بسبب تلك الحركة تموُّجٌ واضطرابٌْ عَجَبٌ، ولا يتحصل هذا الشبهُ إلا بأن تكون المرآة في يد الأشَلِّ، لأن حركتها تدور وتتصل ويكون فيها سرعة وقلقٌ شديد، حتى ترى المرآة، ويقع الاضطراب الذي كأنه يَسْحَرُ الطَّرْف، وتلك حال الشمس بعينها حين تُحِدُّ النظر وتُنفذ البصر، حتى تتبيّن الحركةَ العجيبة في جِرْمها وضوئِها، فإنك ترى شُعاعُها كأنه يَهُمُّ بأن ينبسط حتى يفيض من جوانبها، ثم يبدو له فيرجع في الانبساط الذي بدأه، إلى انقباضٍ كأنه يجمعه من جوانب الدائرة إلى الوسط، وحقيقة حالِها في ذلك مما لا يكمُل البصرُ
[ ١٨٠ ]
لتقريره وتصويره في النفس، فضلًا عن أن تكمل العبارة لتأديتهِ، ويبلغ البيانُ كُنْهَ صورته، ومثلُ هذا التشبيه، وإن صُوِّر في غير المرآة، قولُ المهلّبي الوزير:
الشمس من مشرقها قد بدتْ مُشْرِقةً ليسَ لها حَاجِبُ
كأنَّهَا بُوتَقَةٌ أُحْمِيتْ يَجُولُ فيها ذَهَبٌ ذَائبُ
وذلك أنّ الذهب الذائب يتشكل بأشكال البوتقة، فيستدير إذا كانت البوتقة على النار، فإنه يتحرّك فيها حركةً على الحدِّ الذي وصفتُ لك، طَبْع الذهب من النُّعومة، وفي أجزائه من شدة الاتصال والتلاحم، يمنعه أن يقع فيه غليان على الصفة التي تكون في الماء ونحوه، مما يتخللُه الهواء فيرتفع وسطه ارتفاعًا شديدًا، ولكن جُملته كأنها تتحرك بحركة واحدة، ويكون فيها ما ذكرتُ من انبساط إلى الجوانب، ثم انقباض إلى الوسط، فاعرفه، ومن عجيب ما جُمِع فيه بينَ الشكل وهيئة الحركة، قول الصنوبري:
كأنَّ في غُدْرَانِها حَواجبًا ظلَّتْ تُمَطّْ
أراد ما يبدو في صَفْحة الماء من أشكال كأنصاف دوائرَ صغارِ ثم إنك تراها تمتدّ امتدادًا يَنْقص من انحنائها وتَحَدُّبها، كما تُباعد بين طرفَي القوس وتثنيهما إلى ناحية الظهر، كأنك تُقرّبها من الاستواءِ وتسلُبُها بعض شكل التقوُّس، الذي هو إقبال طرفيها على الآخر، ومتى حدثتْ هذه الصفة في تلك
[ ١٨١ ]
الأشكال الظاهرة على متون الغُدران، كانت أشبه شيء بالحواجب إذا مُدَّتْ، لأن الحاجب لا يخفى تقويسُه، ومدُّه ينقُص من تقويسه، ومن لطيف ذلك أيضًا أعني الجمع بين الشكل وهيئةِ الحركة، قولُ ابن المعتزّ يصف وُقوع القَطْر على الأرض:
بَكَرَتْ تُعِيرُ الأرْضَ ثوبَ شَبابِ رَجَبِيّةٌ محمودةُ الإسكابِ
نَثَرتْ أوائلُهَا حَيًا فكأنَّه نَقْطٌ على عَجَلٍ بَبَطْن كتابِ
وأمَّا هيئةُ الحركة مجرَّدةً من كل وصف يكون في الجسم، فيقع فيها نوع من التركيب، بأن يكون للجسم حركاتٌ في جهاتٍ مختلفةٍ، نحو أنَّ بعضها يتحرك إلى يمين والبعض إلى شمال، وبعضٌ إلى فوق وبعض إلى قُدّام ونحو ذلك، وكلما كان التفاوُتُ في الجهاتُ التي تتحرك أبعاضُ الجسم إليها أشدَّ، كان التركيب في هيئة المتحرِّك أكثر، فحركةُ الرَّحا والدُّولاب وحركة السهم لا تركيب فيها، لأن الجهة واحدةٌ، ولكن في حركة المُصْحف في قوله: " فانطباقًا مرَّةً وانفتَاحَا ". تركيبٌ لأنه في إحدى الحالتين يتحرك إلى جهة غير جهته في الحالة الأخرى،
[ ١٨٢ ]
فمما جاء في التشبيه معقودًا على تجريد هيئة الحركة، ثم لَطُفَ وغَرُبَ لما فيه من التفصيل والتركيب، قولُ الأعشى يصف السفينةَ في البحر وتقَاذُفَ الأمواج بها:
تَقِصُ السفينُ بجانبَيه كما يَنْزُو الرُّبَاحُ خَلا لَهُ كَرَعُ
الرُّبَاح الفصيل، وقيل القِرد، والكَرَعُ ماء السماء، شبَّه السفينة في انحدارها وارتفاعها بحركات الفَصِيل في نَزْوه، وذلك أن الفصيل إذا نَزَا، ولا سيما في الماء، وحين يعتريه ما يعتري المُهْرَ ونحوه من الحيوانات التي هي في أوّل النَّشْء، كانت له حركات متفاوتة تصيرُ لها أعضاؤه في جهات مختلفة، ويكون هناك تسفُّلٌ وتصعُّدٌ على غير ترتيب، وبحيث تكاد تدخل إحدى الحركتين في الأخرى، فلا يتبيّنه الطرْفٍُ مرتفعًا حتى يراه منحطًّا متسفِّلًا، ويَهْوِي مرّةً نحو الرأس ومرّةً نحو الذنب، وذلك أشبهُ شيء بحال السَّفِينةِ وهيئةِ حركاتها حين يتدافعها الموجُ، ونظيرهُ قولُ الآخر، يصف الفصيل وهو يثِبُ على الناقة ويعلوها ويُلقي نفسه عليها، لأنّها قد بركت فلا يتمكن من أن يرتضع، فهو يفعل ذلك لِتَثُور الناقة:
يقتاعُها كلُّ فَصِيلٍ مُكْرَمِ كالحَبشِيِّ يرتقي في السُلَّمِ
يقتاعها يفتعل من قولهم: قاع البعير الناقة، إذا ضربَها، يَقُوعها
[ ١٨٣ ]
قَوْعًا، أراد يعلوها وَيَثبتُ عليها، وشبّه بالحبشي في هذه الحالة المخصوصة، لما يكون له عند ارتقائه في السُلَّم من تَصعُّدِ بعضِ أعضائه وتسفُّل بعضِ، على اضطراب مفرطٍ وغَيْثَرة شديدة، وذلك كما ترى في أنه اختلافٌ في جهات أبعاض الجسم على غير نظام مضبوط، كحركات الفصيلِ في الماء وقد خلا له، وقد عرَّفتك أن الاختلاف في جهات الحركات الواقعة في أبعاض الجسم، كالتركيب بين أوصاف مختلفة، ليحصُل من مجموعها شبه خاصّ. واعلم أنّ هذه الهيئات يغلبُ عليها الحكم المستفاد من العبرة الثانية، وذلك أن كل هيئة من هيئات الجسم في حركاته إذا لم يتحرك في جهة واحدة، فمن شأنها أن تقِلَّ وتعزّ في الوجود، فيُباعدها ذلك أيضًا من أن تقع في الفكر بسرعة، زيادةَ مباعدةٍ مضمومة إلى ما يوجب حديثُ التركيب والتفصيل فيها،، ألاَ ترى أن الهيئة التي اعتمدها في تشبيه البَرْق بالمصحف، ليست تكون إلا في النادر من الأحوال، وبعد عَمْد من الإنسان، وخروج عن العادة، وبقصدٍ خاصّ أو عَبَثٍ غالب على النفس غير معتاد وهكذا حال الفصيل في وثوبه على أُمّه ليثيرها واستنانِهِ في الماء ونَزْوِهِ، كما توجبه رؤيتُه الماءَ خاليًا،
[ ١٨٤ ]
وطباعُ الصِّغَر والفَصِيلةُ مما لا يُرَى إلا نادرًا، وليس الأمر في هذا النحو كالأمر في حركة الدُّولاب والرَّحا والسهم ونحو ذلك من الحركات المعتادة التي تقع في مَصارِف العيونِ كثيرًا، ومما يقوَى فيها أن يكون سببُ غرابته قلّةَ رؤية العيون له، ما مضى من تشبيه الشمس بالمرآة في كفّ الأشّل، وذلك أن الهيئةَ التي تراها في حركة المرآة إذا كانت في كفّ الأشلّ، مما يُرَى نادرًا وفي الأقلّ، فربما قضى الرجل دهره ولا يتفق له أن يرى مرآةً في يد مرتعش، هذا وليس موضع الغرابة من التشبيه دوام حركة المرآة في يد الأشلّ فقط، بل النكتة والمقصودُ فيما يتولَّدُ من دوام تلك الحركة من الالتماع وتموَّج الشعاع، وكونه في صورةِ حركاتٍ من جوانب الدائرة إلى وسطها، وهذه صفةٌ لا تقوم في نفس الرائي المرآةَ الدائمةَ الاضطراب، إلاّ أن يستأنف تأمّلًا، وينظر متثبِّتًَا في نظره متمهلًا، فكأن ها هنا هيئتين كلتاهما من هيئات الحركة إحداهما حركة المرآة على الخصوص الذي يوجبه ارتعاش اليد والثانية حركةُ الشعاع واضطرابُه الحادث من تلك الحركة، وإذا كان كون المرآة في يد الأشلّ مما يُرَى نادرًا، ثم كانت هذه الصفة التي هي كائنةٌ في الشُّعاع، إنما تُرَى وتُدرَك في حال رؤية حركة المرآة بجَهْدٍ وبعد استئنافِ إعمالٍ للبصر، فقد بعُدت عن حدّ ما تُعْتاد رؤيته مرّتين، ودخلت في النادرِ الذي لا تألفه العيون من جهتين فاعرفه. واعلم أنه كما تُعْتَبرَ هيئة الحركة في التشبيه، فكذلك تُعْتَبَر هيئةُ السكون على الجملة وبحسب اختلافه، نحو هيْئة المضطجع وهيئة الجالس ونحو ذلك، فإذا وَقَع في شيء من هيئات الجسم في سكونه تركيبٌ وتفصيلٌ،
[ ١٨٥ ]
لَطُف التشبيه وحَسُن، فمن ذلك قول ابن المعتزّ يصف سَيْلًا:
فلما طَغَا ماؤُه في البلاد وغَصَّ به كُلُّ وادٍ صَدِي
تَرَى الثورَ في مَتْنِهِ طافيًا كَضَجْعَة ذي التاج في المَرْقَدِ
وكقول المتنبي في صفة الكلب: " يُقْعِي جُلوس البَدَوِيِّ المُصطَلِي ". فقد اختَصَّ هيئة البدويّ المصطلي، في تشبيه هيئة سكون أعضاء الكلب ومواقعها فيها، ولم يَنَل التشبيهُ حظًّا من الحسن، إلا بأنّ فيه تفصيلًا من حيث كان لكل عُضوٍ من الكلب في إقعائه موقعٌ خاصّ، وكان مجموع تلك الجهات في حكم أشكال مختلفة تؤلَّف فتجيء منها صُورة خاصّة، ومن لطيف هذا الجنس قوله في صفة المصلوب:
كأنه عاشقُ قد مَدَّ صفحتَهُ يومَ الوداع إلى توديع مرتحلِ
أو قائمٌ من نُعاسٍ فيه لُوثَتُه مُواصلٌ لتمطِّيهٍ من الكَسَلِ
ولم يلطف إلا لكثرة ما فيه من التفصيل، ولو قال كأنه متمطٍّ من نعاس واقتصر عليه، كان قريب المتناول، لأن الشَّبه إلى هذا القدر يقع في
[ ١٨٦ ]
نفس الرائي المصلوبَ، لكونه من حَدِّ الجملة، فأمَّا بهذا الشرط وعلى هذا التقييد الذي يفيد به استدامَةَ تلك الهيئة، فلا يحضر إلا مع سَفَرٍ من الخاطر، وقُوّةٍ من التأمل، وذلك لحاجته أن ينظر إلى غير جهة فيقول هو كالمتمطّي، ثم يقول المتمطِّي يمدّ ظهره ويديه مدّةً، ثم يعود إلى حالته، فيزيد فيه أنه مُواصلٌ لذلك، ثم إذا أراد ذلك طلب عِلّته، وهي قيام اللُّوثة والكَسل في القائم من النعاس، وهذا أصلٌ فيما يزيد به التفصيل، وهو أن يُثَبت في الوصف أمرٌ زائدٌ على المعلوم المتعارَف، ثم يُطْلب له علّةٌ وسببٌ. ويُشبه التشبيهَ في البيت قولُ الآخر، وهو مذكور معه في الكتب:
لم أرَ صَفًّا مثلَ صَفِّ الزُّطّ تِسْعِين منهم صُلِبوا في خطِّ
مِنْ كُلِّ عالٍ جِذْعُه بالشطِّ كأنه في جِذْعِه المُشْتَطِّ
أخو نُعاسٍ جَدَّ في التمطّي قد خامر النومَ ولم يَغِطّ
فقوله جدّ في التمطي، شرطٌ يُتمّ التشبيه، كما أن قوله مواصلٌ كذلك، إلاّ أن في اشتراط المواصلة من الفائدة ما ليس في هذا وذلك أنه يجوز أن يبالغ ويجتهد ويَجِدَّ في تمطّيه، ثم يدع ذلك في الوقت، ويعود إلى الحالة التي يكون عليها في السلامة مما يدعو إلى التمدُّد، وإذا كان كذلك، كان المستفاد من هذه العبارة صورةُ التمطّي وهيئتُه الخاصّة، وزيادةُ معنًى، وهو بلوغُ الصفة،
[ ١٨٧ ]
غاية ما يمكن أن يكون عليها، وهذا كلُّه مستفاد من الأوّل، ثم فيه زيادة أخرى، وهو أَخصُّ ما يُقصَد من صفة المصلوب، وهي الاستمرار على الهيئة والاستدامة لها، فأمّا قوله بعدُ: قد خامر النومَ ولم يَغِطِّ، هو وإن كان كأنه يحاول أن يرُيَنا هذه الزيادةَ من حيث يُقال إنه إذا أخذه النعاسُ فتمطَّى ثم خامرَ النومَ، فإن الهيئة الحاصلة له من جِدّه في التمطّي تبقى له فليس ببالغ مبلغَ قوله: مواصلٌ لتمطِّيه، وتقييده من بعدُ بأنه من الكسل، واحتياطه قبل بقوله " فيه لُوثتُه ". وشبيه بالأوّل في الاستقصاء قول ابن الرومي:
كَأنَّ له في الجَوِّ حَبْلًا يَبُوعُه إذا ما انقضى حَبْلٌ أُتيحَ لَهُ حَبْلُ
يُعانِقُ أنْفاسَ الرِّياح مُودِّعًا ودَاعَ رَحِيلٍ لا يُحَطُّ له رَحْلُ
فاشتراطُهُ أن يكون له بعد الحب الذي ينهي ذَرْعُه حبلٌ آخر يخرجُ من بَوْع الأوَّل إليه، كقوله مواصل لتمطِّيه من الكسل، في استيفاء الشَّبه، والتنبيه على استدامته، لأنه إذا كان لا يزال يبُوع حبلًا لم يقبِض باعَه ولم يُرسل يَدَه، وفي ذلك بقاءَ شبه المصلوب على الاتِّصال فاعرفه.
واعلم أن من حقِّك أن لا تضع الموازنة بين التشبيهين في حاجة أحدهما إلى زيادة من التأمل على وقتنا هذا ولكن تنظر إلى حالهما في قُوَى العقل ولم تسمع بواحد منهما، فتعلم أَنْ لو أرادهما مريدٌ، أو اتّفقا له جميعًا ولم يكن قد سمع بواحدٍ منهما أيُّهما كان يكون أسهلَ عليه، وأسرعَ إليه،
[ ١٨٨ ]
وأعطى بيديه، وأيَّهما تجده أدلَّ على ذكاء مَنْ تسمعه منه، وأرجَى لِتخرُّج مَنْ يقوله، وذلك أن تقابل بين تشبيه النُّجوم بالمصابيح والمصابيح بها، وبين تشبيه سَلِّ السيوف بعقائق البرق وتشبيهها بسلّ السيوف، فإنك تعلم أن الأوّل يقع في نفس الصبِّ أوّل ما يُحسّ بنفسه، وأن الثاني لا يجُيب إجابته، ولا يَبْذُل طاعته وكذلك تعلم أنّ تشبيه الثريا بنَوْر العنقود لا يكون في قُرْب تشبيهها بتفتّح النَّور وأنّ تشبيه الشمس بالمرآة المجلوَّة كما مضى، يقع في نفس الغِرِّ العاميّ والصبيّ، ولا يقع تشبيهها بالمرآة في كفّ الأشلّ إلا في قلب المميّز الحصيف وتشبيهُها في حركتها تلك بمرآةٍ تضطربُ على الجملة، من غير أن تُجعَل في كفّ الأشلّ، قد يقع لمن لا يقع له بهذا التقييد، وذلك لِما مضى من حاجته إلى الفكرة في حال الشمس، وأنّ حركتها دائمةٌ متصلة، ثم طَلبِ متحرّكٍ حركةً غيرَ اختيارية، وجعلِ حركةِ المرآة صادرةً عن تلك الحركة ومأسورةً في حكمها دَائمًا. وإنما اشترطتُ عليك هذا الشرط لأنه لا يمتنع أن يسبق الأوّل إلى تشبيه لطيفُ بحسن تأمّله وحِدّة خاطره، ثم يَشيع ويتَّسع، ويُذكَر ويُشْهَر حتى يخرج إلى حد المبتذَل، وإلى المشترَك في أصله، وحتى يجري مع دقة تفصيل فيه مجرى المجمل الذي تقوله الوليدة الصغيرة والعجوزة الوَرْهاء، فإنك تعلم أن قولنا لا يُشَقُّ غُباره الآنَ في الابتذال كقولنا لا يُلْحَق ولا يُدرَك، وهو كالبرق ونحو ذلك، إلاّ أنّا إذا رجعنا إلى أنفسنا علمنا أنه
[ ١٨٩ ]
لم يكن كذلك من أصله، وأن هذا الابتذال أتاه بعد أن قَضَى زمانًا بطراءة الشباب وجِدّة الفتاء وبعزّة المنيع، ولو قد مَنَعك جانبه وطوى عنك نفسَهُ، لعرفتَ كيف يَشُقُّ مطلَبهُ ويصعُب تناوله، ومثلُ هذا وأظهر منه أمرًا أنَّ قولنا أمّا بَعْدُ، منسوبٍ في الأصل إلى واحد بعينه، وإن كان الآن في البذْلة كقولنا هذا بعد ذاك، مثلًا، وهكذا الحلم في الطرق التي ابتدأها الأوَّلون، والعبارات التي لخّصها المتقدمون، والقوانين التي وَضعوها حتى صارت في الاشتراك كالشيء المشترَك من أوَّله، والمبتذَلِ الذي لم يكن الصَّوْنُ من شأنه، والمبذول الذي لم يعترض دونه المنع في شيء من زمانه، ورُبّ نفيس جُلب إليك من الأمكنة الشاسعة، ورُكِبَ فيه النَّوَى الشَطُون، وقُطِعَ به عرضُ الفيافي، ثم أخفَى عنك فَضْلَه حتى جَهِلتَ قدره أنْ سهُل مرامُه، واتسع وجوده، ولو انقطع مَدَده عنك حتى تحتاج إلى طلبه من مظِنَّته، لعلمت إحسان الجائي به إليك، والجالبِ المقرِّب نَيلَه عليك، ولأكثرتَ من شكره بعد أن أقللت، وأخذتَ نفسك بتَلاَفي ما أهملت، وكذلك رُبّ شيء نال فوق ما يستحقّه من شَغف النفوس به، وأكثرَ مما توجبه المنافع الراجعة إليه، لأنه لا يتسع اتِّساعَ الأوَّل الذي فوائده أعمُّ وأكثرُ، ووجودُ العِوَض عنه عند الفقد أعسر، فَكَسَبَتْ عِزَّْةُ الوجود هذا عِزًّا لم يستحقَّه بفضله، كما منعتْ سَعَتُه الآخرَ فضلًا هو ثابت له في أصله،
[ ١٩٠ ]
ويتصل بهذا الموضع حديث عبد الرحمن بن حسّان، وذلك أنه رجع إلى أبيه حسَّان وهو صبيّ، يبكي ويقول لَسَعَني طائر، فقال حسان: صِفْهُ يا بُنيَّ، فقال كأنه مُلْتَفٌّ في بُرْدَىْ حِبرَة، وكان لسعَهُ زُنْبُور، فقال حسّان قال ابنِي الشِّعر وربِّ الكعبة أفلا تراه جَعل هذا التشبيه مما يُستدَلُّ به على مقدار قُوّة الطبعِ، ويُجْعَل عِيارًا في الفَرْق بين الذهن المستعدّ للشعر وغير المستعدّ له، وسَرَّه ذلك من ابنه كما سرّه نفس الشعر حين قال في وقت آخر:
اللهُ يَعْلَمُ أنِّي كنتُ مُنْتَبِذًا في دار حَسّانَ أَصْطَادُ اليَعَاسِيبا
فإن قلت إن التشبيه يُتصوَّر في مكان الصِّبْغ والنَّقْش العجيب، ولم يَعْجِب حسّانَ هذا وإنما أعجبه قولُه ملتفّ، وحُسنُ هذه العبارة، إذ لو قال: طائر فيه كوَشْي الحبرة، لم يكن له هذا الموقع، فهو أن يكون مشبهًا ما أنت فيه، فمن حيث دِلالته على الفطنة في الجملة، قيل مُسلَّمٌ لك أن نكتة الحسن في قوله ملتفّ، ولكن لا يسلَّم أنه خارج من الغَرَض، بل هو عينُ المراد من التَّشبيه وتمامُه فيه، وذلك أنه يفيد الهيئةَ الخاصّة في ذلك الوشي والصِّبغ وصورةَ الزنبور في اكتسائه لهما، ويُؤَدَى الشبه كما مضى من طريق التفصيل دون الجملة، فما ظننتَ أنّه يُبعده عما نحن بصدده، هو الذي يُدنيه منه، ولقد نفيتَ العيبَ من حيث أردت إثباته.
[ ١٩١ ]